العنوان منهجية تحليل الواقع السياسي (٥) جدل حول طرق جمع المعلومات
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003
مشاهدات 76
نشر في العدد 1545
نشر في الصفحة 66
السبت 05-أبريل-2003
في الحديث عن طرق جمع المعلومات وكيفية الحصول عليها، قلنا: إن هناك أساليب أربعة تظل من أهم أساليب جمع المعلومات وتوليدها حول الواقع السياسي: وهي تحليل المضمون وتحليل الخطاب السياسي والملاحظة والاستبيان، وقد تعرضنا في الحلقة السابقة للوسيلة الأولى وهي تحليل المضمون.
ثانيا: تحليل الخطاب كنص سياسي
يعد الخطاب السياسي مصدراً مهما لتحديد المواقف واستخراج المعلومات التي يمكن من خلالها توصيف الواقع السياسي، وهو بهذا الصدد بعد منتوجا سياسيا يمكن تحليله عبر المراحل التالية:
تحديد البيئة أو السياق العام للخطاب السياسي، سواء كان ذلك على مستوى الشكل أو من ناحية المضمون:
من ناحية الشكل: يجب أن يكون هناك: مرسل ومستقبل، سياق Context يمكن المستقبل من فهم ما يريده المرسل، وأن يتم الأمر عبر وسيلة اتصالية تربط بين الطرفين، وأن يكون للخطاب بنيته المتسقة قدر الإمكان مع الإطار المرجعي لمنتج الخطاب.
من ناحية المضمون: أي البحث حول المعلومات التفصيلية بصدد بيئة الخطاب السياسي، الأمر الذي يساعد على فهمه واستخراج المعلومات المطلوبة منه بدلالتها الحقيقية، وهنا ينصب الأمر على معرفة دلالة توقيت إلقاء الخطاب والمكان الذي تم فيه، والموضوع الذي تناوله والقضايا التي أثارها .. إلخ.
التمييز بين «عالم الأفكار» و«الرأي والتحليلات، من ناحية و«عالم المعلومات» والحقائق الكمية والرقمية من «ناحية أخرى»؛ ففي العالم الأول؛ ينبغي تحديد الأفكار بأنها الوحدة الأساسية التي تصاغ منها الرؤى والتحليلات المختلفة حول توصيف الواقع السياسي، أما العالم الثاني فيتكون من المعلومات والحقائق الواقعية في صورتها الكمية أو الرقمية بالأساس.
وهذه المرحلة من تحليل الخطاب السياسي بالغة الأهمية للإفادة في الوصول إلى توصيف الواقع من خلالها سواء «كميًا» من خلال العالم الثاني، أو «كيفيًا» من خلال العالم الأول.
تحليل أبنية الخطاب السياسي: وهي مرحلة تحليل عمق الخطاب وتدور حول الأبنية الثلاثة اللغوية، والمنطقية والشكلية.. وهي تهدف إلى فهم دقائق الخطاب، ومن خلال ذلك فهم الواقع السياسي الذي يعبر عنه الخطاب، ودون دخول في تفاصيل فإن الهدف من تحليل البنية الشكلية اكتشاف العلاقة بين «البنية الشكلية» للخطاب بكل جزئياتها، والفكرة أو الأفكار المحورية للخطاب أما البنية المنطقية فتدور حول اكتشاف منطق الاستدلالات في الخطاب من العام إلى الخاص أو خلاف ذلك، أو الاستدلال بالاستقراء من الخاص إلى العام أو من الجزء إلى الكل. ودلالة ذلك في توصيف الواقع.
تحليل غايات الخطاب السياسي وأهدافه: فأي خطاب سياسي لابد أن يحوي رسالة معينة تهدف إلى تحقيق غاية محددة، ويتطب ذلك تحليل ما يمكن أن نطق عليه المسكوت عنه في الخطاب من خلال السياق، وهو يتضمن: المفترض والمشار إليه من طرف خفي والمضمر الذي يتم تضمينه في الخطاب. ويفيد هذا المستوى. في إدراك رؤية القيادة، أو ما يطلق الإدراك القيادي، الذي يعبر عنه الخطاب للواقع السياسي.
وهكذا يمكن القول: إن تحليل المضمون والخطاب السياسي وسيلتان أساسيتان - وغير مباشرتين - للحصول على المعلومات والرؤى التي يمكن من خلالها توصيف الواقع السياسي. أما بالنسبة للوسائل والأساليب المباشرة التي يحتك خلالها جامع المعلومات أو البيانات مباشرة بالظاهرة موضع البحث والدراسة، فأهم أنواعهاالملاحظة والاستبيان.
ثالثًا: الملاحظة:
تعد «الملاحظة» Observation، من أهم أدوات جمع المعلومات الميدانية المباشرة وجوهرها وقوع الأحداث وتطورات المواقف والأحداث والوقائع، ويحجم بعض علماء السياسة عن استخدام الملاحظة المباشرة حيث يعتقدون - خطأ - أن المعلومات التي يتم الحصول عليها عن طريقها تكون انطباعية، لدرجة لا تجعلنا نعتمد عليها، وحقيقة الأمر أن استخدام الملاحظة المباشرة يقدم إمكانيات مثمرة لتوصيف الواقع والممارسات السياسية.
وهناك ثلاثة أنواع من الملاحظات :
أ- الملاحظة البسيطة بغير مشاركة: وفيها لا يشارك الملاحظ فعلياً في المواقف، ولا يختلط بالجمهور، بل يقف مكتفيا بالملاحظة من بعيد.
ب- الملاحظة البسيطة بالمشاركة: حيث يعايش الباحث الموقف ويشارك الأفراد والجماعة بشكل إيجابي في السباق السياسي أو الاجتماعي قيد الملاحظة.
تفيد الملاحظة المباشرة -في بعض الأحيان- في جمع المعلومات المطلوبة لوصف الواقع والتي يتعذر جمعها باستخدام الاستبيان أو المقابلة، كما تفيد في الكشف عن ممارسات يصعب معرفتها باستخدام تقنيات جمع المعلومات.
ج- الملاحظة المقننة: وهي نوع من الملاحظة بالمشاركة تتم وفقا لمجموعة مسبقة من المفاهيم والتصورات وتصمم خطة مبدئية للملاحظة بغية الحصول على المعلومات التي من خلالها يمكن توصيف الواقع.
رابعًا: الاستبيان (Questionnaire)
يعتبر الاستبيان أداة لجمع المعلومات من خلال استمارة تحتوي على مجموعة من الأسئلة تدور حول موضوع معين تتم صياغتها وترتيبها بطريقة منظمة، ويمكن أن يجري الاستبيان لمجموعات من الأفراد للحصول على المعلومات والآراء بصدد موضوع أو واقع سياسي معين، عبر الاستمارة التي توزع عليهم يدويًا أو بالبريد العادي أو الإلكتروني، كما أن الباحث قد يقوم بتدوين الإجابات بنفسه نيابة عنهم فيما يطلق عليه «استبيان شفهي».
ودون دخول في تفاصيل فنية تتعلق بكيفي تصميم استمارة «الاستبيان»، فإنها تظل أداة أساسية ومهمة لجمع المعلومات والبيانات، وعلى الجانب الآخر، فإن المقابلة سواء كانت فردية أو جماعية، وسواء ركزت على قطاعات مجتمعية محددة، أو على النخبة، وسواء كانت مقننة أو غير مقننة، هناك الكثير من الشروط الواجب توافرها لكفاءة وفاعلية القيام بالمقابلات، ومقابلات النخبةتحديداً، كما أن المعلومات التي تتوافر من مقابلات النخبة ينبغي أن تكون هناك وسائل أخرى للتثبت من مدى صحتها، ومصداقيتها عمليًا كالمقارنة مع الوثائق والأحداث التاريخية الثابتة وما يدلي به أعضاء آخرون من النخبة.. إلخ.
وعلى أي الأحوال تظل المعلومات التي يتم جمعها بهذه الأدوات والوسائل حول الواقع السياسي، بحاجة إلى عملية التحليل، والتي سوف نشير إليها لاحقًا، كما أن المعلومات التي يتم جمعها حول الواقع تعاني عدة إشكاليات لابد من التعامل معها، بداية حتى تؤدي عملية التحليل أدوارها الفعلية المطوية، ومن قبيل ذلك:
وهم تعددية المصادر المعلوماتية، مع أن الاختلاف يكون فقط في النواحي الشكلية، ويبقى المضمون واحداً.
التضارب المعلوماتي في القضية الواحدة دون وجود معيار يمكن من عملية الفرز، والضبط.
حجب المعلومات المهمة عن الواقع مع الإغراق المعلوماتي حول الجوانب الأقل أهمية.
التضليل والكذب المعلوماتي المقصود بهدف تكوين رؤية غير سليمة عن الواقع السياسي.
التشتيت المعلوماتي بمعنى تقديم كميات من المعلومات المتفرقة حول واقع سياسي محدد، دون إرجاعها إلى رابط كلي.
المعلومات الفورية غير الناضجة من خلال وسائل الاتصال يمكن أن نقدم لنا صورة غيرواقعية ومشوهة في ان واحد..
وفي كل الأحوال، فإن ذلك ينقلنا إلى كيفية تحليل المعلومات المتوافرة بصدد الواقع السياسي، مما سنتعرض له في الحلقة المقبلة.