العنوان معادن أهل «الملحمة » وأهل «المشأمة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012
مشاهدات 68
نشر في العدد 1996
نشر في الصفحة 39
الجمعة 06-أبريل-2012
الناس معادن، والرجال قدرات ومواهب، ومقاسات وأحجام، يوضح هذا ويبيِّنه قول النبي ﷺ: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا »، وقوله: «الناس كإبل مائة لا تجد فيهم راحلة .»
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: مر رجل على رسول الله ﷺ ، فقال لرجل جالس عنده: «ما رأيك في هذا؟»، فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري أن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفَّع، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر به رجل، فقال له رسول الله ﷺ: «ما رأيك في هذا؟ »، فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري أن خطب ألا يُنكح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال لا يُسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا »رواه البخاري..
وخبراء الناس يعرفون همم الرجال وعزائم الأبطال، وينزلون الناس منازلهم، يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل »، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قائد الجيوش في القادسية: «أي فارس في الحرب كان أفرس؟ وأي رجل في الحرب كان أرجل؟ وأي راكب كان أثبت؟ »، فكتب إليه: لم أرَ فارساً مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة، ويقتل في كل حملة كميناً، فرجال الصدق والشهامة والفلاح لهم مطالع وعلامات وبصمات، تظهر رفعتهم وتميزهم، وصدق الله: ﴿مٌنّ پًمٍؤًمٌنٌينّ رٌجّالِ صّدّقٍوا مّا عّاهّدٍوا الله عّلّيًهٌ فّمٌنًهٍم مَّن قّضّى نّحًبّهٍ مٌنًهٍم مَّن يّنتّظٌرٍ مّا بّدَّلٍوا تّبًدٌيلاْ﴾ (الأحزاب)؛ إذن فنحن أمام أصناف من الرجال منهم أهل ملحمة، وأهل مشأمة.
والفرق بين رجال الملحمة ورجال المشأمة كبير جداً، رجال الملحمة لهم عقيدة يدافعون عنها، وإيمان يحافظون عليه، وهمة يتحركون بها، وشرف أصله ثابت وفرعه في السماء، ليسوا نبتاً شياطنياً ينفصل عن أمته، أو ذي اً إبليسياً يلتصق بغيره وتحركه الفتن والشهوات، أهل الملحمة عمالقة النفوس والعزمات، كبار العطايا والنفحات، خير لأمتهم، فخر لأقوامهم، مثل لأجيالهم، عزم لدينهم، نصر لمبادئهم، صادقو الوعد، أوفياء العهد، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. أما رجال المشأمة، فشياطين مردة، وأبالسة فسقة، ومشعوذون هلكة، ليس لهم ذمة ولا كرامة، ولا شرف، يسبحون في الفتن ويغوصون في الشقاق والنفاق والعمالة، شؤم لأممهم، فرقة لديارهم، عار لأقوامهم، لعنات لأجيالهم، هلاك للحرث والنسل، لا عهد ولا وفاء، هلكى الدهور والعصور والمبادئ. فكل أمة تربي رجال الملحمة تعز وتبز وتقوى، وكل أمة يظهر فيها أهل المشأمة تندحر وتهن وتموت، وقد يختلط على الناس أهل الحق بغيرهم، وأهل الباطل بسواهم، وعلى البصير لا تلتبس المعالم أو تندثر المعايير، ولكن قد يحتاج الإنسان إلى مفاتيح وعلامات يفهم بها الواقع، ويستبين بها الطريق، وواقعنا المؤلم سواء في فلسطين أم في أقطارنا يحتاج التعرف على بيِّنات الحلول الناجعة ومفاتيح الأزمات الطاحنة، حتى يستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فمما يجب أن يعرف:
-1 أن طرق الكفاح دائماً تحتاج إلى نفوس قوية، وقلوب فتية، وعزائم جد، وعهود صدق، ورجال مبادئ، وجند شداد، ومواكب تضحية، يسلم بعضها إلى بعض: ﴿مٌنًهٍم مَّن قّضّى نّحًبّهٍ مٌنًهٍم مَّن يّنتّظٌرٍ مّا بّدَّلٍوا تّبًدٌيلاْ﴾
-2 إيمان بعدالة قضية، وحق أمة، وتحديد هدف، ووحدة معينة، يتحقق من وراء ذلك صيانة العرض وحفظ الوطن وحرية المعتقد، وكرامة النفس واستقلال القرار وصيانة الشخصية الثقافية والحضارية.
-3 مساندة شعب أو عصبة بشرية، مؤمنة بحقها، مضحية في سبيله بالنفس والنفيس، عاملة على رفعته وسؤدده وتقدمه، متحدة ملتزمة.
-4 قيادة حازمة مؤتمنة، لا تخون ولا تحول، تستطيع قيادة الصراع وجمع الأمة على كلمة سواء، وفهم الوضع العالمي والمحلي واستطاعة التعامل معه بكفاءة واقتدار وتحويل مساره إلى المساندة للقضية.
-5 قدرة على التحمل كبيرة، وقوة في البأساء والضراء عظيمة، وصبر ومصابرة ورباط حتى يتحقق الفلاح والنجاح.
هذه أسس كل كفاح وعمد كل نضال، وهذا هو طريق كل دعوة إلى حق يراد لها أن تنتصر وتفوز، تقاس بها الشعوب وتختبر بها الأمم، وتوزن بها القادة، وتربى عليها الجند، ويدرب عليها الرواد الذين يراد منهم بلوغ الآمال المعقودة، ويعلق عليهم تحقيق الأهداف المنشودة، أما أن تسير الشعوب بعواطف دخانية، واحلام منامية، أو تتحرك بأفكار هلامية، وصيحات غوغائية، تتوزعها شهوات ونعرات وصيحات هنا وهناك، ويحمل آمالها النفعيون والوصوليون والمهرجون، ويقودها بهلوانات مغرورة، وأراجوزات مسحورة، فهذه داهية الدواهي التي لا يرجى من ورائها إلا الشر والضياع، وأمامنا التاريخ شاهد صدق على ذلك، فليس هناك أمة من الأمم نالت ما أرادت بغير هذه المفاتيح؛ سواء كانت تلك الأمة كافرة أم مؤمنة، فإنها سنن لا تختلف وقواعد لا تتبدل؛ ﴿فّلّن تجد لٌسٍنَّتٌ الله تّبًدٌيلاْ * ّلّن تجد لٌسٍنَّتٌ الله تحويلا﴾ (فاطر).
ولا غرابة اليوم ولا دهشة الآن، حينما نجد أن قادة الكفاح المسمى بالوطني يتساقطون صرعى الاستسلام والخزي والعار، بعد أن أضاعوا الآمال ،الاحلام والأوطان والحق والجهد والدماء والشهداء والكفاح الطويل، يسلمون الأمة إلى الهوان والعار، لأن المسيرة كانت ملفوفة بالتهميش والهلامية، وتحمل في طياتها بذور الأوهام والشهوات وحب الذات، وتبتعد عن التأسيس والتربية والتضحية والأهداف المدروسة التي تؤدي إلى نتائج مخططة، بل كانت بعكس ذلك، تسير في حركة عكسية نحو الانحدار والانزلاق إلى الهاوية حتى يقيض الله لها من يحمل الراية من جديد، ويطلق طاقات الأمة الفاعلة إلى الغايات المرادة والمبتغاة إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل