; من حصاد الكفاح الطويل.. | مجلة المجتمع

العنوان من حصاد الكفاح الطويل..

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2011

مشاهدات 72

نشر في العدد 1971

نشر في الصفحة 39

السبت 01-أكتوبر-2011

ما أجمل السكينة في أحضان الأخوة الإنسانية، وأفضل العيش في رحاب السلام وأندى الاطمئنان في ظلال الوئام لولا نزغات الشياطين، ونزعات الأهواء التي تسمم الأجواء، وتفسد ما بين الناس وتزرع الأحقاد ، وتسرح الساقطين في أرجاء الدنيا، وتجمع الماكرين لوأد دين الله وزرع الفساد في الأرض، وهذا ما دعا ثلة من المؤمنين تنتفض وتقاوم هذا الزحف السيئ، فنظرت في أحوال أمتها فوجدت أمة نائمة لاهية فاقدة للوعي، فأقبلت ساعية بعزيمة إلى النظر في أحوال أمتها وأقبلت على كتاب ربها ودستور هديها فاحتضنته وتعلمته وعلمته، وأقدمت إلى سنة رسولها فتدارستها وقبست من أنوارها واهتدت بهديها، وسارت على سننها، وأقبلت إلى الأمة الغافية لتأخذ بيدها إلى طريق الخلاص والنجاة، والأمة النائمة أفضل لها من السلاح أن تصحوا، وممارسة القوة تعتمد أول ما تعتمد على موافقة المحكومين وفي اللحظة التي يرفضون طاعة الظالم يسقط الطاغوت، ولا حاجة لقتله.

لقد كانت الليلة التي غيرت غاندي هي تلك الليلة التي ألقي فيها من القطار في جنوب أفريقيا، لأنه تجرأ وهو «الملون» على ركوب قطار الدرجة الأولى المخصصة للبيض، يذكر غاندي ذلك في كتابه تجاربي في الحقيقة، ويقول: إنه تكور على نفسه في الليلة يتأمل الظلم الإنساني وهو مطوق بالوحدة والغربة والظلم والبرد وفي تلك اللحظة من الانهيار والحصار النفسي لمع في سماء فكره بريق لحظة من العبقرية وتغير الرجل وغير العالم.

ولهذا كان الكفاح السلمي أقصر الطرق إلى النصر، والأنبياء والرسل بعثوا بالكلمة والحجة والبراهين الساطعة من معجزات ودلالات عقلية، والتاريخ يتحدث عما لاقاه الأنبياء والمؤمنون معهم من ظلم وعذاب صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، قال تعالى:  ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ (العصر).

 وقد يحدث القتال بعد ذلك، ولكن يكون بعد تكوين العصبة المؤمنة، والتي أسست في السلم وربيت على الكفاح بالحسنى والدعوة بالحجة والبرهان ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ (النحل : ١٢٥)، ولا شك أن هذا يحتاج إلى وقت وحكمة وريادة قوية وعزيمة شديدة لا يملكها إلا القليل ولا نبالغ إذا قلنا: إن الثورة الفلسطينية التي سميت بثورة «الحجارة» كانت أقسى على «إسرائيل» من الحرب بالسلاح، وكانت محنة الإخوان المسلمين زمن «عبد الناصر» محنة شديدة، وقابلها الإخوان بالصبر والسلم، ولم يعاقبوا أحدًا أو يقتلوا من جنى عليهم، وإنما ظلوا صابرين في محبسهم وهم الشجعان المحاربون في فلسطين، وفي القنال والتل الكبير.

كان الإخوان يدفعون عن أنفسهم الظلم بالعبادة، وفي بعض الأحيان بالأزجال والأشعار، فكنا نسمع أزجالا طريفة من بعض الإخوان، منها القصيدة الزجلية الشهيرة ليه وليه ، وهي تقول: 

ليه وليه، عملنا إيه يا حكومة يا ظالمة جرى لك إيه ؟

أنا كنت قاعد جوا البيت.. دخل علي كم عفريت وفتشوني وقالوا: جنيت يا متهم، قلت لهم: إيه ؟!

قالوا لي: إنت من الإخوان.. وضبطنا في بيتك قرآن ومأثورات وسبحة كمان.. مربي ذقنك. جاوب ليه ؟ 

بتصلي من غير إذن بوليس.. وتصوم الإثنين من غير ترخيص

وعلى صلاة الفجر حريص، والمصطفى بتصلي عليه، ليه وليه 

ولقد حول الإخوان معتقل الطور إلى جامع للعبادة، وجامعة للعلم، وجمعية للتعاون، ومنتدى للثقافة، وناد للرياضة وملتقى للتعاون والترابط، وبرلمان للتشاور والتفاهم، وعاشوا تلك الفترة من حياتهم متعاونين على البر والتقوى، متواصين بالحق والصبر، متواسين في السراء والضراء متآخين في الحق والخير، متعاهدين على الثبات على الدعوة في العسر واليسر، ولا عجب أن قلنا بحق معتقل الطور هو المخيم الدائم للإخوان المسلمين لسنة ١٩٤٩م السفر والمصاريف والنفقات والتكاليف على حساب الحكومة المصرية !

قال القرضاوي: ولقد صورت معتقل الطور في قصيدتي النونية التي ألقيتها بعد خروجنا من المعتقل في ميدان السيدة زينب بالقاهرة، وكان منها:

يا قوم قد أيد التاريخ حجتنا *** حصحص الحق للمستبصر الآنا

 إنا أقمنا على إخلاص دعوتنا *** وصدقنا ألف برهان وبرهانا

لقد نفونا فقنا الماء أين جرى ** يحيي الموات ويروي كل ظمآنا ؟

 قالوا : إلى السجن ، قلنا : شعبة فتحت *** ليجمعونا بها في الله إخوانا

 قالوا : إلى الطور، قلنا : الطور مؤتمر *** فيه نقرر ما يخشاه أعدانا 

فهو المصلى نزكي فيه أنفسنا *** وهو المصيف نقوي فيه أبدانا 

معسكر صاغنًا جندًا لمعركة *** ومعهد زادنا بالحق عرفانا

من حرموا الجمع منا فوق أربعة *** ضموا الألوف بغاب الطور أسدانا

 راموه منفى وتضيقا فكان لنا *** بنعمة الحب والإيمان بستانا 

هذا هو الطور شاؤوا أن ندوب به *** وشاء ربك أن نزداد إيمانا

ولاشك أن حصاد الظلم من وصعب على الكثرين، وخراب للبيوت ومصادرة للأموال وحرب على الأسر والأولاد، وكان القصد منه ليس هذا المحق فقط، ولكن كان يراد منه تحطيم المعنويات وقتل العزائم والنفوس، ونعترف أنهم نجحوا في الأمر الأول وخابوا في الثاني، فكانت خيبتهم كبيرة نالت منهم ولم تنل من هؤلاء المظلومين لأن الله ثبتهم ورعاهم وحفظهم والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :