العنوان حداثة.. أم تجديد؟ (1) بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006
مشاهدات 55
نشر في العدد 1698
نشر في الصفحة 66
السبت 22-أبريل-2006
في لقاء مع عدد من المثقفين الإندونيسيين ذوي التوجهات الإسلامية، وأثناء استعراض واقع الفكر الإسلامي المعاصر حدثتهم عن تمايز تيارات الفكر في عالم الإسلام، وتوزعها على وجه الإجمال إلى:
أولًا: تيار الجمود والتقليد لتراثنا الفكري، وعلى الأخص منه تراث عصر التراجع الحضاري لأمتنا وحضارتنا، ذلك التيار الذي ينظر فقط إلى الخلف ويقف عند ظواهر النصوص مغفلا المقاصد التي تغياها الشارع من وراء هذه النصوص.. بل ويتخير من النصوص الوسيطة.. بدلًا من النصوص الأولى.. المقدمة والمعصومة، غافلين عن معنى النص، في علم أصول الفقه، وهو الذي لا ينطبق على كل، عبارة.. وإنما يقتصر على ما هو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة الذي لا مجال فيه لأي تأويل.
ولذلك كله، فإن هذا التيار تيار الجمود والتقليد. يخاصم النظر العقلي في حكم وعلل الأحكام التي جاءت بها النصوص.. مع إهمال فقه الواقع المتغير، والذي يتطلب في الفروع أحكاما جديدة تواكب المتغيرات، وتستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التي تفرزها هذه المتغيرات.
وثانيًا: تيار التغريب والحداثة الغربية، ذلك الذي انطلق وينطلق من المرجعية الفلسفية للحضارة الغربية، معتمدًا مناهج النظر الوضعية العلمانية.. وأحيانًا المادية التي تعاملت بها تلك الحضارة مع الدين وحقائقه وعوالمه وعلومه ومعارفه، فنظرت إلى الدين ومواريثه باعتبارها، فكرا، غير علمي عبر عن مرحلة من مراحل تطور العقل الإنساني في مرحلة طفولة، هذا العقل.. التي تلتها ونسختها، مرحلة الميتافيزيقا.. والتي تلتها. هي الأخرى، ونسختها المرحلة الوضعية التي جعلت الكون المادي والواقع الدنيوي فقط، وليس الغيب، هما مصدر المعرفة الحقة والعلم الحقيقي، كما جعلت العقل، والتجربة، وحدهما، دون النقل، والوجدان.. الطرق المعتمدة والمأمونة لتحصيل هذه المعرفة.. فكانت القطيعة المعرفية، مع الموروث، وخاصة الموروث الديني تلك التي تميزت بها ثقافة الحداثة الغربية، والحداثة الثقافية، عندما عزلت علمانيتها السماء عن الأرض، بدعوى أن العالم مكتف بذاته.. وأن الإنسان مكتف بذاته.. وأن تدبير هذه الحياة الدنيا إنما يتم بالأسباب المادية والملكات الإنسانية المودعة في ظواهرها وعوالمها، دونما حاجة إلى مدير مفارق ومتعال من وراء الطبيعة حتى لقد جعلت هذه الثقافة الحداثية التي تمحورت حول الإنسان دون الله، جعلت من هذا الإنسان كائنًا طبيعيًا.. وسيدًا للكون.. وليس ذلك المخلوق الرباني، الذي نفخ الله فيه من روحه، وجعله خليفة أي سيدا في الكون وليس سيد الكون، وإنما عبد لسيد الكون.
وثالثًا: تيار الإحياء والتجديد.. الإحياء لأصول الإسلام وثوابته بالعودة إلى المنابع الجوهرية والنقية لهذا الدين الحنيف والنظر فيها بعقل معاصر، يفقه أحكامها، كما يفقه الواقع الذي يعيش فيه عاقدًا القرآن بين، فقه الواقع، وفقه الأحكام، ليصل إلى التجديد في الفروع. أي الفقه الذي هو علم الفروع، مبدعًا الأحكام الفقهية الجديدة التي تستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التي طرحتها وتطرحها مستجدات الواقع الجديد والمعيش.
ففي هذا التيار الإحيائي والتجديدي تتوازن الثوابت الدائمة الثبات والضامنة دوام إسلامية النسق الفكري على امتداد الزمان والمكان، مع التجديد في الفروع التي تطرحها متغيرات الواقع ومستجداته.. الأمر الذي ينفي القطيعة. قطيعة الجديد والتجديد مع الثوابت والثبات.. كما ينفي الجمود والتقليد.. الذي يحدث فراغًا فكريًا، سرعان ما تملؤه الفكرية الحداثية الغربية، التي مثلث منذ نشأتها في عصر النهضة الأوروبية، قطيعة معرفية مع الموروث الديني على وجه الخصوص.
لقد دار حديثي مع المثقفين الإندونيسيين، حول هذا التشخيص لتيارات الفكر في عالم الإسلام، وأحسست أن كلامي كان واضحًا.. وكان مقبولًا.. اللهم إلا عند ذكر مصطلح التجديد، أو الإشارة إلى نماذج العلماء المجددين، فإن النظرات والإيماءات كانت تشي بأن هناك لبسًا يحول دون وضوح المقصود من وراء هذا التجديد...
وأخيرًا، أدركت أن هناك خلطًا في المفاهيم والمضامين مفاهيم ومضامين المصطلحات، لأن عددًا من الحداثيين.. المتغربين، عمدوا إلى تسويق بضاعتهم.. الوضعية العلمانية، وأحيانا المادية تحت عنوان وراية ومصطلح التجديد.. حتى أصبح هذا المصطلح، سيئ السمعة (عند هؤلاء المثقفين الإندونيسيين الأمر الذي أوجب ويستوجب تحديد مفاهيم ومضامين المصطلحات.. ليتميز التجديد... كسبيل إسلامي أصيل في التطور بعالم الأفكار عن الحداثة.. بمعناها الغربي، تلك التي تعني القطيعة المعرفية مع ثوابت الدين وأصوله.. فهي نسخ للدين بالجحود والإنكار.. أو بالتأويل الذي يفرغه من محتواه بينما يعني التجديد البعث والإحياء الثوابت الدين وأصوله، مع التطور في فقه الفروع مواكبة المستجدات الواقع المعيش، وحفاظًا في ذات الوقت على صلاح وصلاحية الثوابت والأصول الدينية لكل زمان ومكان.. فهما الحداثة، والتجديد.. نقيضان في نظرة كل منهما إلى ثوابت الدين وأصوله.. وأيضًا في النتائج التي يثمرها كل منهما إزاء الدين.