العنوان عرفات يصارع على موقعه!
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002
مشاهدات 69
نشر في العدد 1509
نشر في الصفحة 22
السبت 13-يوليو-2002
التغيرات في السلطة الفلسطينية مجرد تبديل أشخاص ومواقع واستجابة للضغوط .. أكثر منها استجابة لحاجة الفلسطينيين
بينما كانت دبابات الاحتلال تجوب شوارع مدن الضفة الغربية تقتل وتدمر وتنتهك كافة مظاهر السيادة للسلطة الفلسطينية، كانت الأخيرة تشهد حالة من التوتر في صفوف قياداتها بعد أن وصلتها خطة التعديلات في المناصب والقيادات.
كانت أسخن مواقع التغيير تلك التي طالت جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية وقائده جبريل الرجوب صاحب الملف الأسود في قمع المقاومة الفلسطينية. التغيرات الأخيرة جاءت ضمن خطة المائة يوم للإصلاحات التي أعلنتها السلطة في ٢٢ من الشهر الماضي وبدأت بالتعديل الوزاري للحكومة، والتي قيل إنها تتضمن سلسلة من الإصلاحات تشمل كافة القطاعات العامة، والأمن الداخلي، والمالية، والقضاء وعددًا من المجالات الأخرى.
المحللون الفلسطينيون قللوا من أهمية التغيير الذي أجراه الرئيس عرفات في قيادات الأجهزة الأمنية واعتبروه مجرد تبديل أشخاص ومواقع واستجابة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية أكثر منه استجابة لحاجة المجتمع الفلسطيني.
صراعات السلطة
الارتباك والفوضى والتصريحات المختلفة التي صاحبت إعلان التغيير تشير إلى مدى الانقسام والتخبط في السلطة الفلسطينية وهو ما يجعل بعض القنابل الموقوتة فيها مرشحة للانفجار في أي لحظة إذا ما أفلت الزمام من يد عرفات، وقد أعلن اللواء غازي الجبالي مدير الشرطة الفلسطينية السابق عن عزمه خوض الانتخابات الرئاسية ومنافسة عرفات في الانتخابات المقررة بداية العام المقبل.
جبريل الرجوب قبل قرار تنحيته عقب اجتماعه بعرفات لمدة ساعتين وقال بعد الاجتماع إنه «لن يسمح لأي ضابط بالتمرد». لكن مصادر فلسطينية قالت إن قرار إقالة الرجوب أحدث حالة من التمرد في صفوف جهاز الأمن الوقائي وإن زهاء ٤٠٠ عنصر قالوا إنهم سيتقدمون باستقالاتهم، في حين توجه ضباط إلى العميد زهير مناصرة الرئيس الجديد للجهاز ليبلغوه رفضهم رئاسته ومن المتوقع أن تكون هناك موجة من الاستقالات بين أنصار الرجوب، ولكن من ناحية أخرى فإن الأشخاص الذين تركوا جهاز الأمن الوقائي في عهده يتوقع أن يعودوا إليه عند ذهابه.
وكان عرفات قد حجم دور محمد دحلان مدير الأمن الوقائي في غزة سابقًا بتعيينه مستشارًا أمنيًّا له بعد أن كانت التكهنات تشير إلى أنه سيكون المسؤول عن الأجهزة الأمنية ويكون بذلك قد أبعد دحلان عن مسؤولية أي جهاز أمني أما تعيين اللواء عبد الرزاق اليحيى وزيرًا للداخلية فكان مفاجأة للجميع حتى لليحيى نفسه إذ بعد أن تم تعيينه مسؤولًا عن الأجهزة الأمنية تفاجأ اليحيى عندما قدمه عرفات أمام الملحق الاقتصادي الفرنسي على أنه وزير الداخلية الجديد.
وبتعيين اليحيى وزيرًا للداخلية يكون عرفات قد نجح في أمرين أولهما تلبية المطلب الأمريكي الذي يتحدث بالحنجرة الإسرائيلية بضرورة أن يكون وزير الداخلية مسؤولًا عن الأجهزة الأمنية والثاني إبقاء سيطرته على الأجهزة الأمنية إذ يصعب على اليحيى فرض توجهاته على قادة الأجهزة الأمنية والسيطرة عليهم.
هل أغلق ملف الرجوب؟
قبل سنوات مورست ضغوط على عرفات لإقالة الرجوب لكنه لم يستجب، واليوم فإن إقالته في هذا التوقيت تأتي ضمن تغييرات تستهدف إبعاد الشخصيات التي تسلطت عليها الأنظار الأمريكية والإسرائيلية لخلافته، وأرجعت مصادر عدة تجنب القيادة إصدار قرار رسمي بشأن عزل الرجوب في البداية لخشيتها عدم قدرتها على تنفيذ القرار وظهورها بمظهر القيادة العاجزة والضعيفة.
أما عن سيرة الرجوب المهنية فتعد الحملة التي قادها ضد حركتي حماس والجهاد خلال الخمس سنوات الماضية... الحلقة الأكثر شهرة في خدماته الأمنية لإسرائيل، حيث قام مع نظيره في غزة محمد دحلان بقصم ظهر المقاومة، وتعرض العديد من نشطاء حماس والجهاد للملاحقة والاعتقال والتعذيب داخل مقراتهما كما تسببت اجتماعات التنسيق الأمني التي عقدها مع الصهاينة في تفكيك العديد من خلايا المقاومة وكشف أفرادها لقوات الاحتلال.
غير أن الرجوب فاق دحلان بقيام رجاله بتصفية العديد من كوادر المقاومة، وقد اتهمته حماس بالاسم بالمسؤولية عن قتل وتصفية محيي الدين الشريف خبير المتفجرات الأول بكتائب القسام، في أبريل ۱۹۹۸.
وترددت شائعات في حينه بأنه عمد إلى إخفاء جريمته بأن وضع جثة الشريف داخل سيارة مفخخة، ثم أصدر بيانًا ادعى فيه أنه تم تصفيته نتيجة خلافات مادية بين قادة كتائب القسام..!
وشكل ما عرف بقضية «خلية صوريف» التصادم الأعنف بين الرجوب وحماس، حيث اتهمته الحركة بتسليم خلية من القسام لقوات الاحتلال في أكتوبر ۱۹۹۷.
واعتبر المراقبون جهاز الرجوب نظيرًا لجهاز الأمن العام الإسرائيلي الشاباك، وإن كان من الناحية العملية يتمتع بسلطات وصلاحيات أوسع بحكم تحرره من أي رقابة قانونية، وشملت نشاطات الجهاز مجالات أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية تتعلق بالأمن الداخلي. وتلقى أعضاء الجهاز دورات تدريبية في مجال القمع ومكافحة تنظيمات المقاومة تحت إشراف وتدريب خاص من قبل أفراد المخابرات الأمريكية. واعتمد الرجوب– خلال اختياره لأعضاء الجهاز– على رفاقه ومعارفه المقربين، وذلك كي يضمن ولاءهم التام له وللجهاز لذا فإنه بعد إقالته وجه كبار ضباط الأمن الوقائي من أعوانه رسالة إلى عرفات ناشدوه فيها العدول عن قراره بتنحية الرجوب، ووصف الضباط الإقالة بالمهزلة قائلين أنها فصل من فصول استهداف جهاز الأمن الوقائي، وقال أحد ضباط الأمن الوقائي برتبة العقيد مقيم برام الله «إن الجهاز الذي يبلغ عدد أفراده ٤۰۰۰ عنصر مدربين ومسلحين يعطون الولاء الكامل للرجوب وليس لعرفات.
وعرفات يصارع على مكانته
الرئيس الفلسطيني تعود القول "لا أستبدل الجياد في المعركة، وهو ما حدث عند الكشف عن أسماء أعضاء مجلس الوزراء الجديد، إذ بعد مرور قرابة شهر على إعلان عرفات نيته إحداث تغييرات في السلطة جاء الإعلان عن تشكيل مجلس الوزراء الجديد ليظهر أن التغيير الذي حدث لم يأت بجديد، إذ لا يشكل تقليص عدد أعضاء المجلس من ٣٢ إلى ۲۱ وزيرًا أو دمج بعض الوزارات وإلغاء بعضها تغييرًا حقيقيًّا لأن الخلل والانتقاد كان يوجه إلى أداء الوزراء ولم يكن موجهًا إلى عددهم.
ويلاحظ من التغييرات أن الوزراء الذين تم توجيه الانتقادات إليهم واتهموا بالفساد بقوا في مواقعهم وأن التغيير شمل أولئك الذين لا يتمتعون بأي ثقل حقيقي في داخل المجلس أو غير المقربين من رئيس السلطة.
ولعل الأمر البارز في التغيير الوزاري هو تنازل عرفات عن حقيبة الداخلية للواء عبدالرزاق اليحيى، وهي الوزارة التي استأثر بها وبوزارة التربية منذ تشكيل السلطة، كما أنها المرة الأولى التي تجمع فيها الأجهزة الأمنية تحت مظلة واحدة في وزارة الداخلية ليكون اليحيى مسؤولًا عن جميع الأجهزة الأمنية.
ولإظهار إتمام عملية الإصلاح التي طالبت بها الولايات المتحدة وإسرائيل عمد عرفات في الوقت نفسه إلى تعيين سلام فياض وزيرًا للمالية، إذ كان أحد الشروط الإسرائيلية هو السيطرة على الموارد المالية للسلطة الفلسطينية عند الدعم المالي الذي تلقته حركة فتح من أموال السلطة وقيام فؤاد الشوبكي بتمويل شحنة الأسلحة في سفينة كارين إيه.
وبهذه التغييرات اعتبر عرفات أنه قد تمكن من التخلص من الضغوط التي تمارس عليه دون تهديد مكانته كرئيس للسلطة يحتفظ بكل الصلاحيات التي تمكنه من الاحتفاظ بمفاتيح أي حل سيتم التوصل إليه مع الجانب الإسرائيلي.
بين الإصلاح والضغوط
منذ إنشائها في عام ١٩٩٤م واجهت السلطة الوطنية مطالب من جانب المجتمع الفلسطيني لإرساء الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، وبدلًا من ذلك فقد تمتعت الأجهزة الأمنية والسلطة بالحصانة إزاء ارتكابها انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقالات غير القانونية والتعذيب والمعاملة السيئة «التي أدت إلى وفاة معتقلين»، والاعتداءات على المعارضة السياسية وعلى أعضاء المجلس التشريعي، والاستخدام المفرط للقوة في مواجهة المظاهرات.
ثم جاء التغيير اليوم بعد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية ليكون بمثابة تعديل في الأشخاص وليس تعديل نهج فبرامج الأجهزة لم تتغير ويقول الدكتور عبد الستار قاسم أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية «إن الأجهزة الأمنية وجدت بالأساس لحماية الأمن الإسرائيلي والتعديلات التي جرت ما هي إلا محاولة لتعزيز هذا الدور» كما وصف التشكيل الوزاري الفلسطيني بأنه سخرية واستهزاء بالشعب.
من جانبه قال عبدالكريم أبو صلاح رئيس اللجنة القانونية في المجلس التشريعي الفلسطيني إن الرئيس عرفات يحاول ضرب عصفورين بحجر واحد في تعديله المعلن، فمن جهة يستجيب للضغوط الخارجية التي تمارس عليه، ومن جهة ثانية يسعى لكسب الجماهير الفلسطينية التي عبرت عدة مرات عن رفضها لبعض الشخصيات التي تمت إقالتها.
وأضاف أبو صلاح: «الجبالي- رغم أن إسرائيل تقول بأنه مطلوب إليها باعتباره مسؤولًا عن إرسال منفذي هجمات مسلحة ضد اليهود- يؤخذ عليه استخدامه العنف في تفريق مسيرات نظمتها الحركات الإسلامية، قتل فيها عدد من المواطنين بينهم ثلاثة على الأقل خلال الانتفاضة الحالية، كما أن له سمعة سيئة على الصعيدين المالي والأخلاقي».
وأشار أبو صلاح إلى أن قرار إقالة الرجوب جاء إرضاء للشارع الفلسطيني، حيث إن كافة القوى الفلسطينية وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» تتهمه بالتواطؤ مع الإسرائيليين وتسليمه عددًا من رجال المقاومة الفلسطينية الذين تم حصارهم في الاجتياح الإسرائيلي لمقر الأمن الوقائي في بيتونيا برام الله.
كما عبر أبو صلاح عن اعتقاده بأن هذه «التعديلات الفوقية جاءت تلبية للضغوط الخارجية وعلى رأسها الضغوط الأمريكية، ولم تأت في قالب الإصلاح».
وشدد رئيس اللجنة القانونية في المجلس التشريعي على حاجة المجتمع الفلسطيني إلى تغييرات جذرية في النهج وليس في الأشخاص فقط معبرًا عن تخوفه من أن يكون ما جرى محاولة التركيز الموضوع الأمني في يد شخص واحد مقبول أمريكيًّا وإسرائيليًّا ليقوم بدور أنطوان لحد زعيم المليشيا الموالية لإسرائيل في جنوب لبنان أثناء الاحتلال، وهذا أمر سيرفضه الشعب الفلسطيني ويحاربه بقوة.
من ناحية أخرى أشار الدكتور علي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية في جامعات الضفة إلى أنه «لا يجب النظر إلى كل تغيير داخلي على أنه استجابة لمجموعة من الضغوط الخارجية»، مشيرًا إلى أن التغيير جاء في سياق المطالب الداخلية بإصلاح المؤسسة الأمنية ومؤكدًا أن التغيير في الأجهزة الأمنية كان مطلبًا فلسطينيًّا قبل أي شيء آخر.
إصلاح على الطريقة الأمريكية
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان اعتبر أن «الإصلاحات» الجارية في إطارها الحالي هي في أحسن الأحوال لا علاقة لها بالإصلاح، وفي أسوأ الأحوال مضللة، فالسلطة التنفيذية لم تبد أي مؤشرات على تبنيها الحقيقي للمبادئ التي تهدف هذه الإصلاحات إلى المحافظة عليها، وهي استقلال القضاء، وسيادة القانون، وفصل السلطات، وحماية حقوق الإنسان علاوة على ذلك، توقف العديد من مؤسسات ووزارات السلطة عن أداء مهامها بسبب التوغلات الإسرائيلية المستمرة في مناطق السلطة، والحصار الإسرائيلي المتواصل على المناطق الفلسطينية.
وعبر المركز عن قلقه إزاء لغة «الإصلاح» التي يتم تداولها على حساب حقوق الإنسان والديمقراطية من قبل الكيانات نفسها التي عارضتها لسنوات- تحديدًا «إسرائيل» والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية- بهدف دعم جداول أعمالها السياسية.
وأشار إلى أن الحاجة إلى سلاسة الأجهزة الأمنية ووضعها تحت سيطرة القضاء المدني وفقًا القواعد سيادة القانون أمر لا يمكن إنكاره، فقد اعتقلت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة مئات الفلسطينيين لفترات طويلة دون توجيه اتهامات لهم، وإنما استجابة للضغوط الإسرائيلية والأمريكية، على الرغم من صدور قرارات من المحاكم المدنية الفلسطينية تأمر بالإفراج عنهم. ولاحظ المركز تركز جانب كبير من النقاش على عدد الأجهزة الأمنية أو علاقتها بوزارة الداخلية ورئيس السلطة، وهذه المسائل أقل من أن تضمن أن تحكم المبادئ العامة عمل الأجهزة الأمنية على النحو التالي:
- الاحترام الكامل لسيادة القانون، بما في ذلك التنفيذ الفوري لقرارات المحاكم.
- خضوع هذه الأجهزة لسلسلة واضحة من الأوامر تحت السلطة المطلقة للمدعي العام.
- محاسبة الأفراد الذين يخرقون القانون أو لا يفرضونه بالشكل الملائم.
هذا ويفترض أن تقوم السلطة بعدة إجراءات ومن بينها ترسيخ نهج فصل السلطات بحيث يقوم المجلس التشريعي بدوره كاملًا، وإعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات الحكومية ومراجعة طرق عملها والإعداد لإجراء الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية وكذلك العمل على إجراء الانتخابات النقابية وكذلك توحيد كافة إيرادات السلطة الوطنية من ضرائب ورسوم، وأرباح السلطة من نشاطاتها التجارية والاستثمارية والمساعدات الخارجية، من منح وقروض، بما فيها الخاصة بدعم المشاريع، إلى حساب الخزينة الموحد.