العنوان الجزائر ما بعد «الوئام»
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1387
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 08-فبراير-2000
المراقب للحالة الجزائرية الراهنة يلحظ أكثر من تطور إيجابي على صعيد الوئام المدني الواضح أن إدارة الرئيس بوتفليقة قد تمكنت من تجفيف الجزء الأكبر من نهر الدماء الهادر على امتداد السنوات الثماني الماضية (۹۲ - ٢٠٠٠م). فالذين «تواءموا»من فرق العنف المسلح بلغ تعدادهم ٢٤٠٠ مقاتل يمثلون وفق بيان رسمي لوزير الداخلية ٨٠٪ من الذين يديرون العملية الدموية وبعيدًا عن بيانات وزارة الداخلية، فإن الذي تلمسه بحق هو انحسار دائرة العنف واختفاء حوادثة الأكثر بشاعة التي كانت تهز القلوب والضمائر لكن النسبة الباقية - قلت أو كثرت - ما زالت تحدث قلقًا اجتماعيًا وجماعيًا محفوفًا بالهواجس، فهي ما زالت بمثابة الثغرة في ذلك الجرح الغائر الذي يوشك على الاندمال.
السلطة الجزائرية وإن كانت قد أعلنت على لسان الرئيس «السبت ٢٦/ ١» «تجنيد كل الوسائل دون استثناء ضد أصحاب النزوات الإجرامية»، إلا أنها تواصل اتصالاتها التفاوضية مع الرابضين هناك في قسم الجبال وقد استجاب فريق منهم بالفعل للوئام وما زال فريق آخر يرفض، ولعل ما جرى بين حطاب أمير ما يسمى ب «الجماعة السلفية للدعوة والجهاد» ومعاونيه من خلافات مؤشر على ذلك. تطور آخر مهم تسلكه إدارة بوتفليقة على ساحة السجون، حيث يقبع عشرات الآلاف من المعتقلين - أكثرهم من جبهة الإنقاذ - إذ توشك السلطات بناء على اتصالاتها مع الجبهة على الإفراج عما يقرب من أربعين ألفًا هذا وفق معلومات السيد جميل بن رابح رئيس الجبهة الوطنية لعائلات ضحايا الإرهاب.
تلك تطورات مهمة على خطى إعادة الوئام لكن السؤال الذي يشغل حيزًا كبيرًا من التفكير هو: ماذا بعد الوئام وبعبارة أخرى إذا تحقق الوئام واختفت بقع الدماء هل تكون مشكلة الجزائر قد حلت تمامًا الحقيقة أن الجانب الأكبر من الأزمة يكون قد انفرج، ولكن تبقى أمام الدولة الجزائرية تحديات صعبة سيكون من اللازم تخطيها بمهارة حتى يمكن ترميم ما خلفته حرب السنوات الثماني الماضية، من تصدعات في بنيان المجتمع والدولة.
أول تلك التحديات يتمثل في صعوبة تكيف أولئك الذين تواءموا مع المجتمع وفي الوقت نفسه قد تكون هناك صعوبة من المجتمع ذاته في تقبلهم وربما تواجه قوات الأمن صعابًا في حماية هؤلاء من الانتقام على أيدي الذين فقدوا ذويهم.
ثانيًا: إن هناك تيارًا شعبيًا قويًا يتبلور في الجمعية الوطنية لعائلات ضحايا الإرهاب، مازال يقف ضد العفو عن المجرمين دون محاكمة عادلة، وطي صفحة الإجرام على حساب الضحايا.. هذا التيار يمثل كل الذين أضيروا من الحرب الدموية وهم - وفق إحصاءات جمعية ضحايا الإرهاب الرسمية - ١٠٠ ألف قتيل و ٤٠٠ ألف مصاب و ٥٠٠ ألف من المصدومين نفسيًا، وعشرات الآلاف من المغتصبات ومئات الآلاف من الذين خربت أملاكهم
ثالثًا: أن العنف الدموي خلف وضعًا اقتصاديًا هشًا وخانقًا، فالخسائر بلغت ۲۰ مليار دولار وأصبح أكثر من نصف الشعب «التعداد ٣٠ مليون نسمة» يعاني الفقر، كما أن هناك ثلاثة ملايين يعانون البطالة.
كل تلك تحديات تحتاج إلى وقت ليس بالقليل وإلى قوة جبارة لا يقدر على توفيرها إلا تضافر الشعب والسلطة على قلب رجل واحد خاصة أن الطرف الدولي الغائب الحاضر، لن يترك الجزائر تنطلق من جديد دون أن يربط حساباته ومصالحه بتلك الانطلاقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل