; المؤامرة على البوسنة تدخل فصولها الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان المؤامرة على البوسنة تدخل فصولها الأخيرة

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992

مشاهدات 118

نشر في العدد 1000

نشر في الصفحة 22

الأحد 10-مايو-1992

 

·       إعلان الجمهورية اليوغوسلافية الجديدة تجاهل حقوق المسلمين في سنجق ذات الأغلبية المسلمة.

شهدت القضية البوسنوية تأزمًا جديدًا في معطياتها من خلال عدة منطلقات حادة تمر بها، فعلى أرض الواقع ونتاجًا للتفوق العسكري الصربي فقد المسلمون هناك مدنًا وقرى كاملة تقع على طول الحدود الفاصلة بين جمهوريتي البوسنة وصربيا، قامت الميليشيات الصربية بالتعاون مع الجيش الصربي «الاتحادي سابقًا» بإبادتها مع سكانها في مجازر وحشية غضت وسائل الإعلام الغربية النظر عنها، وهو ما اعترفت به وسائل الإعلام الصربية نفسها.

وفي تصريح لرئيس الجمهورية علي عزت بيجوفيتش قال إن مدنًا تم تدميرها بشكل كامل على طول 300 كيلو متر على حدود البوسنة-الهرسك الشرقية تمتد من بيلينا إلى بيوم يضاف إلى هذه المنطقة مدن أخرى تقع في مناطق مختلفة من الجمهورية المسلمة واستطاعت الميليشيات الصربية من زرع جيوب قوية لها حتى في العاصمة سراييفو.

وقد دفع ذلك الجانب الصربي إلى محاولة تغطية اعتداءاته الوحشية من خلال شغل الرأي العام العالمي بقضايا أخرى ومن ثم وفي مشهد تمثيلي هزلي شهدت قاعة البرلمان الاتحادي في بلجراد صباح الاثنين 27 إبريل الفائت إعلان نهاية دولة «جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية» واستبدالها بدولة جديدة تدعى يوغوسلافيا الاتحادية «تضم جمهوريتي صربيا والجبل الأسود من الاتحاد القديم المنهار.

وجاء الإعلان بموافقة 73 من النواب ومعارضة نائب واحد وامتناع ثلاثة عن التصويت، وقد نص الإعلان أن الدولة الجديدة هي استمرار ليوغسلافيا القديمة من الوجهة القانونية أما ما لم ينص عليه صراحة، وهو أن ضريبة هذا الاستبدال سيدفعها مرغمًا الشعب المسلم هناك والذي تجاهل إعلان الدولة الجديدة مطالبه وأحلامه المشروعة في هاتين الجمهوريتين «صربيا والجبل الأسود» اللتين تملكان الاتحاد الجديد، وقد أصدر حزب العمل الديمقراطي «إسلامي» في منطقة سنجق ذات الغالبية المسلمة والتي تتوزع أراضيها بين صربيا والجبل الأسود بيانًا جاء فيه أن دستور الدولة الجديدة لم يشر إلى أي حقوق للمسلمين في المناطق التي يشكلون أغلبية سكانها ولم يلب طلبهم في الحكم الذاتي». وأضاف البيان ولهذا يمكنهم أن يعلنوا-أي الصرب-مئة يوغسلافيا جديدة لكن دون المسلمين».

كما لم يتطرق إعلان الدولة الجديدة إلى مشكلة إقليم كوسوفو المتأزمة والمرشحة للانفجار، وهو الإقليم ذات الغالبية الألبانية ويعتبر تاريخيًا جزءًا من ألبانيا والخاضع الآن لجمهورية صربيا التي انتزعت منه قبل عام حقه في الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به وقد أصدر الاتحاد الديمقراطي والذي يعتبر أقوى الأحزاب الألبانية في كوسوفو ويتزعمه الشاعر إبراهيم روجوا بيانًا جاء فيه «إن إعلان تأسيس يوغسلافيا الاتحادية لا يعني شيئا بالنسبة إلى الألبان لأن أحدًا لم يستشرهم في شأنها ولم يتضمن دستورها طموحاتها القومية المشروعة» أما أخطر ما تحاشى إعلان الاتحاد الجديد ذكره فهو حدود هذه الدولة الجديدة، في ظل دعاوى الصرب في معظم أراضي البوسنة والهرسك ذات الغالبية المسلمة.

ولذلك فقد رفض الجيش الاتحادي الذي يسيطر عليه الصرب أوامر مجلس رئاسة البوسنة بالانسحاب من أراضيه حيث يعد الآن جيشًا أجنبيًا ووجوده على الأراضي البوسنوية يعد اعتداءً عسكريًا صارخًا على هذه الجمهورية المستقلة، بل اتهم وزير الدفاع للجيش «بلاجوي أذيتشي» هذا القرار بأنه «متسرع من شأنه تصعيد نزاع لا يمكن التكهن بنتائجه».

انحياز الأمين العام!

إلا أن أغرب ما شهدته القضية البوسنية في الأيام الأخيرة هو تباطؤ الأمم المتحدة في إرسال مبعوثيها إلى البوسنة لمحاولة إقناع الأطراف المتصارعة باختيار طريق الحوار بديلًا عن الحل العسكري، وأعلن مرارًا عن تأجيل سفر مبعوث الأمم المتحدة مارك جولدين إلى البوسنة التي وصلها أخيرًا لدراسة مدى إمكانية إرسال قوة دولية إليها لحفظ السلام، وهو الأمر الذي يعارضه السيد بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة وحسب إذاعة بلغراد فإن هذا الإجراء -أي إرسال مبعوثه إلى سراييفو لبحث إرسال قوات حفظ السلام- اتخذه الأمين العام للأمم المتحدة تحت ضغط دول المجموعة الاقتصادية ومن المعروف أن بطرس غالي يدين بالأرثوذكسية التي يتبعها الصرب، وهو ما استشعره تليفزيون سراييفو من قبل حين اعتبر انتخاب بطرس غالي وقتها أمينًا للأمم المتحدة نصرًا للفريق الصربي ودعمًا له في موقفه الدولي ويتحجج بطرس غالي في ذلك بعدم إمكانية إرسال مثل هذه القوة بسبب استمرار الاشتباكات وعدم احترام وقف النار من قبل الأطراف المتحاربة، رغم أن خروق وقف إطلاق النار تتكرر يوميًا في كرواتيا التي تنتشر بها قوات حفظ السلام الدولية.

ومن ناحية أخرى صرح توماس بيكرنج المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة للصحافيين أن إرسال قوات إضافية إلى يوغسلافيا لا يتم إلا بتوصية من الأمين العام الذي لم يتقدم بمثل هذه التوصية حتى الآن، وفي تفسير آخر لامتناعه عن إرسال قوات حفظ السلام إلى البوسنة قال بطرس غالي في رسالة إلى الرئيس الفرنسي ميتران «إن إرسال مزيد من القوات إلى يوغوسلافيا سيشكل عبئًا على الأمانة العامة للأمم المتحدة وسيؤثر بصورة سلبية في قدرتها على القيام بعمليات حفظ السلام في مناطق أخرى من العالم، وقد فسر أحد المعلقين في إذاعة سراييفو ذلك بأنه محاولة لإعطاء الصرب أكبر متسع زمني يمكنهم من توسيع رقعة الأراضي التي يسيطرون عليها في البوسنة قبل الدخول في أي مباحثات ممكنة.

الجهود الدولية حلقة في المؤامرة

وعلى صعيد الجهود الدولية فإن «نظام الكانتونات» هو الفكرة التي تميل إليها المجموعة الأوروبية والتي يباركها الجانب الصربي الذي أشاد بالاقتراح الأوروبي الداعي إلى التقسيم واعتبر رئيس الوفد الصربي في محادثات لشبونة «رادوفان كاراجيتش» أن مقترحات المجموعة الأوروبية في شأن تقسيم البوسنة والهرسك إلى ثلاثة أجزاء حسب توزيع القوميات تتسم بالواقعية ويتحجج الصرب بأن عدم تقسيم أراضي الجمهورية البوسنوية بين القوميات الثلاث يشكل في المستقبل القريب خطرًا على الصرب في ظل تزايد عدد المسلمين باطراد متواز مع تناقص الأقليتين الصربية والكرواتية، ولذلك فإن الجانب الكرواتي في محادثات لشبونة لم يتحفظ على نظام التقسيمات القومية «الكانتونات» لكن اعتبر أن نسب توزيع الأراضي على القوميات سيكون المشكل الأكبر في حين أن الجانب المسلم يعارض بشدة وعلى مستوى قياداته السياسية والدينية مبدأ التقسيم ويقول الشيخ صالح جولا كويتش رئيس المشيخة الإسلامية في البوسنة إن هذا الأمر مستحيل على أرض الواقع في ظل تداخل القوميات الثلاث بحيث لا توجد أماكن ذات غالبية صرفة لقومية معينة، كما أعرب الدكتور حارث سيلاجيتش وزير خارجية البوسنة عن رفض المسلمين المطلق لهذه الفكرة التي اقترحها ممثل المجموعة الأوروبية.

ويخشى المسلمون العنصر الأضعف عسكريا في البوسنة من أن تفرض أوروبا مشروعها التقسيمي عليهم في ظل الادعاءات الصربية المتطرفة والتي تنادي بضم كل أرض يعيش عليها صربي إلى صربيا وفق شعارهم «كل صربي في صربيا واحدة» حتى أن أحدهم نادى بضم أي أرض تضم رفات صربي، معتبرًا المقابر أدلة على حقوقهم التاريخية الكاذبة في أراضي البوسنة المسلمة.

وعلى صعيد الدعم الخارجي فإن جهودًا أميركية متواضعة تبذل لحث الجانب الصربي على إيقاف مذابحه واعتداءاته الوحشية على المسلمين والكروات في البوسنة ومن الجانب الإسلامي فلم يعترف بالجمهورية الوليدة سوى تركيا والسعودية وفي ظل انعدام أي معونة تاريخية محسوسة للمسلمين أو نصير لهم على الساحة السياسية الدولية يبقى تقسيم الجمهورية البوسنوية أكثر المشاريع المرشحة للدعم الأوروبي وأعظم الأخطار التي تهدد مستقبل مسلمي البوسنة في ظل صراع لا يملك حسمه إلا الأقوياء. وقد جاء اعتقال السيد علي عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة عقب عودته من مباحثات لشبونة دليلًا جديدًا على الصلف والتعنت الصربي الخارق لكل القوانين الدولية.

وقد تزامن هذا الاعتقال مع تشديد الهجمات الصربية الشرسة على سراييفو العاصمة واحتلال مبنى التليفزيون بها وقطع الاتصالات الخارجية عنها ومنع وصول الضحايا المسلمين إلى المستشفيات وعمليات القتل الجماعي للنساء والأطفال والشيوخ ليصبح سقوط سراييفو -مبتغى العصابات الصربية- بداية النهاية للوجود الإسلامي ليس في البوسنة فحسب ولكن في كل يوغسلافيا.

الإفراج عن الرئيس على عزت

نقلت وكالات الأنباء أن رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش قد أفرج عنه يوم الأحد الماضي بعدما اعتقلته قوات تابعة للجيش الاتحادي الصربي بعد عودته من لشبونة حيث كان يشارك في محادثات خاصة بمشكلة بلاده هناك ترعاها المجموعة الأوروبية.




 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

523

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

582

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8