; معركة في الرؤوس.. ومفارقات بين المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان معركة في الرؤوس.. ومفارقات بين المسلمين

الكاتب قرشي محمد علي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1975

مشاهدات 114

نشر في العدد 249

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 13-مايو-1975

• نماذج من تشويه الإسلام في الإعلام الغربي

• أكثر الجوعى من المسلمين، وكذلك أكثر الأغنياء

تتسق الأساليب الصليبية مقصودة أو عفوية- في حربها على المسلمين، ولعل محاولات إحصائها في كتب تتسم بالوقوف على المعارك الحامية والهجمات التي تنزع اهتمام معاصريها، أما إدراك النشاط اليومي للصليبية فيحتاج إلى غيرة واعية على الإسلام؛ فالجرعات اليومية أو الأسبوعية التي تطلقها الدول التي تتبنى هذه المعارك، هي جرعات مهلكة، إذ أضحت تحطم -كل يوم- خيطًا إسلاميًّا في نفوس المغتربين المسلمين، والذينسيرجعون إلى بلادهم لقيادتها طال الزمن أم قصر.

لقد عانى المسلمون كثيرًا من الذين تبدلت مقاييسهم باغترابهم وسادوا أهلهم لما عادوا إلى بلادهم. هؤلاء هم المصابون بالزعزعة والتشتت الفكري، وهم الذين بدأوها بالاستحياء عن ممارسة دينهم في الغربة، فضلًا عن الدفاع عنه.. وتدرجوا في مراتب التشتت هذه حتى زين لهم قتل المسلمين الذين يدافعون عن قوانين الميراث الإسلامي، والحجة في ذلك ألا يتخلفوا عن الركب الحضاري المتقدم في مساواة الرجل بالمرأة. والغريب في الأمر أن هؤلاء القادة يحتفلون بالميلاد النبوي! وما لهم لو عرفوا وتعلموا من الغرب حرية «أن تقول ما تريد»؟!

السبب في هذا الاضطراب والخلط هو أن المبنى الفكري لأذهانهم لم يكن في الأصل قائمًا على المعرفة بعدالة الإسلام، أو يمكن اعتبار معلوماتهم الدينية عاجزة منذ البداية، ولنمثلها بكوب مملوء إلى ربعه أو نصفه بالماء، ثم زيدت عليه هذه الجرعات الصليبية -باسم الحضارة أیام اغترابهم- زيادات بطيئة لا تؤدي إلى تغيير سريع في لون «المخلوط»، ثم غلب اللون المضاف في النهاية، والحال عمومًا لا يمكن تصنيفها تحت أي نوع أو باب من أبواب الثقافة، سوى «التشتيت».

لهذا لا تحسبني -أيها القارئ- أتعجل القول عن مؤامرات بدت طوالعها، والمعرفة جزء من الحيطة والارتقاب، فالأمثلة التي أذكرها كلها من مشاهداتي في التلفزيون البريطاني -في أفلامه وبرامجه- التي يندس فيها كثير من الكذب والتشويه للإسلام، وإليك أمثلة منها:

• في يوم ۲۷- ۱۲ وفي احتفالاتهم بميلاد المسيح عليه السلام عرض فيلم عن الفتح الإسلامي للأندلس، وكان يحكي عن كذبة لا يقبلها التاريخ، ولا يصح أن يسكت عليها الناس، وهي أنه لما وصل الجيش الإسلامي إلى الأندلس تبعثر إلى طوائف متناحرة، وما كان من القائد المسلم إلا أن أمر المسلمين بطاعة القائد المسيحي، والذي كان يقاتل إخوته في الملك بعد وفاة والده. أطلق المسلمون على هذا القائد المسيحي اسم «السيد» وأصبح يأمرهم وينهاهم في الحرب وفي السلم، وبلغ تأثيره فيهم حتى أنهم ليكادون يبكون من حديثه ومن فرط خوفهم عليه، لا خوفهم منه! والقائد الإسلامي يحضر لاستشارته واستئذانه في الصغيرة والكبيرة، وهكذا حتى طرد المسلمون عنها بأمر هذا «السيد»!

• في يوم ٢٩- ١٢- ٧٤ كان هنالك فيلم يحكي عن مجموعة صغيرة من الإنجليز والهنود، كان الجميع في قطار من طراز أوائل القرن العشرين، وكان أحد الهنود يعامل البقية بكثير من الحقد والكراهية، ويكره حتى الهنود وحتى أطفالهم، ويرتكب كثيرًا من التصرفات التي لا تليق بإنسان يعرف قدر نفسه أو قدر الناس. ولما تحققت كراهية جميع المشاهدين لذلك الشخص -وكنت أنا بين المشاهدين- تبين في نهاية الفيلم أن هذا الشخص مسلم، وللمشاهد أن يسترجع ذاكرته عبر أحداث الفيلم ويتعلم كيف تكون تصرفات المسلمين!

الغريب في الفيلم أن حقد الرجل على البقية لم يعلل، فكان بغضًا بلا سبب، إلا أنه مسلم!

• حسبت أن هذه الأفلام من تأثير مناسبة الميلاد، وانتظرت حتى بعد شهر، وفي أواخر يناير ٧٥ كان هنالك برنامج استضيف فيه أحد المسيحيين الأفارقة، واسـم البرنامج «المسلمون في بريطانيا»، وكل الأسئلة كانت عن كيفية إذابة تصورات المسلمين في بريطانيا وطريقة صهرهم في المجتمع المسيحي التقدمي! البريطاني! والإفريقي المستضاف كان مسلمًا -كما يحكي- وأحب أن ينطلق من هذا الأسر! ويندمج في المجتمع البريطاني، فأصبح مسيحيًّا لأنه واقعي ومتفهم، ولا يمكن أن يقود حياة بدائية من محيط حضاري!

المضحك أنه من الحلول المقترحة لتفادي «أزمة» المسلمين هي تحديد هجرة الأجانب، فأصبح الإفريقي المسيحي كالتي «تبحث عن حتفهـا بظلفها».

• بعد أقل من شهر تقريبًا عرض برنامج طويل عن فتيات الباكستانيين والهنود، واللائي أردن أن ينطلقن من «الحصار الإسلامي للمرأة»! وعليه فقد لبسن البنطال واستغنين عن الخمار!

كانت الصدفة فقط هي التي مكنتني من حضور هذه البرامج وما فاتني كثير، لكن رغم المجهود الذي يبذله المذيعون في مداراة الحقد بشيء من الدعابة بالغيظ لا يخفى على الذي يسمعهم لأول مرة.

على المسلمين أن يرجعوا إلى إسلامهم ليتيقنوا أين يقع الحقد من الرحمة في الإسلام؟ وأين يقع التحرر من القوقعة في الإسلام؟ وأين تكون الكرامة وعزة النفس من الذل والمهانة في الإسلام؟ ولن تغني عنهم فئتهم ولو كثرت.

- أكثر الجوعى من المسلمين، وكذلك أكثر الأغنياء

في «بنغلاديش»، وفي فيتنام، وفي أرتيريا، وفي أواسط إفريقيا كثير من الناس وكثير يتضورون ويموتون من الجوع؛ لأن الأقوات توزعها الدول الكبرى اعتمادًا على «حسن» السير والسلوك السياسي. مئات الآلاف يصارعون هم وأطفالهم -هذه اللحظة- العدم المطلق، وشباب لو وجد جرامات -فقط- من طعام لقاوم وعاش، ولكنه عدم ما بعده إلا الموت، والدول الغنية تناقش في مؤتمراتها حاجة الدول الصناعية للمساعدات للتخلص من مشكلة تلوث البيئة، والتي تعمل على «إنقاص الأعمار»! فقط 01. % من سكانها بعد الأربعينات!

حقيقة أن هذا الكوكب ضائق بساكنيه لا لكثرتهم فحسب، ولكن لأن نفوس الأقوياء تقسو على من لا حيلة لهم، والجوع في الأرض أسبابه سياسية أكثر منها جغرافية، والبلاد الجائعة هذه قد تعرضت في القريب أو البعيد لمساومات سياسية بين الدول الكبرى. والدول الغنية تدعم بأرصدتها هذه المساومات على مستوى العمالقة الذين يحلو لهم أن يتعايشوا ويخادعوا الناس بحرب باردة بينهم، ولا يختلفون في اقتسام الأرض!

المال يذهب لكي لا ينهار اقتصاد بريطانيا، لتأكل کلابها مزيدًا من اللحم «مصانع غذاء الكلاب في بريطانيا يقدر دخلها بملايين من الجنيهات»!

الصحافة الغربية تأتي بالأخبار وتتجاهل واجب الدول الغربية في مثل هذه الكوارث، الصحف تحاول إقناع الناس بأن مشكلة الجوع ليست إلا قضية اجتماعية ودينية يترفع بسببهما السكان الأفارقة والأسيويون عن أكل بعض المواد، وهي متوفرة جدًّا.. وأشد ما أثار ثائرتي هو حديث مجلة «الحقيقة الواضحة» الشهرية المجانية «فبراير ۱۹۷5م» التي تعتبر داعية للأخلاق والسلوك الديني الحميد! نشرت هذه المجلة -وكل فرد تقريبًا يقرؤها- مقالًا بعنوان «من يطعم الملايين الجائعة؟»، وسأكتفي بترجمات لجمل قليلة منها، وقد تمثل الكل.

1- «هنالك شريط ممتد عبر وسط إفريقيا «يمكن تسميته» بالمنطقة غير الملبنة «أي لا يهتمون باللبن» وفيها يعتبر اللبن نتاجًا إخراجيًّا كالبول، ويصبح شربه خطيئة هنالك... واللبن يشربه الآباء ويمنع منه الأطفال».

2- «... نفس الظروف في جنوب شرق آسيا حيث تكثر الألبان».

3- «الفراخ والبيض -حتى اليوم- لا تؤكل في جنوب وشرق آسيا... والفراخ قد تربى لريشها ولأغراض السحر، ولكن ليســـــــت للطعام، وكثير من يعتقد -في بعض مناطق إفريقيا- أن أكل هذه الدواجن يذهب بخصوبة الإنسان ويؤثر على الأداء الجنسي...».

4- «كثير من الذين يعانون من سوء التغذية يتأففون من أكل السمك... وفي بعض مناطق إفريقيا يعتقدون أن السمك «نجاسة» ومن الشيطان، وأكله يجلب الكوارث...».

5- «بعض الشعوب ترفض تغيير طريقتها في الأكل، قد يبدو هذا غبيًّا، لكن حتى الشعوب «المتحضرة» لا ترغب في التغيير...».

6- ويختم مقاله بفقرة تقول: «والتعليم فقط يمكنه أن يحل ضائقة الأغذية...».

ويكفيني أن أرد على مقاله بما يأتي:

- المناطق التي لا تأكل فيها الفراخ والبيض واللحوم -غير الهند- لا تشكو من عدم التغذية، ولكنها تشكو من سوء التغذية. والمشكلة في الأصل ليست مسألة «سوء تغذية» فهذا عام في كل بلاد الأرض حتى في الغرب، ولكنه في جانب السمنة وأمراض الإسراف، والسبب فيه نوعية الأكل، وليست كميته. أما القضية فهي كمية الطعام وانعدامه من حيث هو.

- الجوع في بنغلاديش ليس له أي مبررات اجتماعية؛ لأنهم مسلمون ويأكلون كل شيء إلا الخنزير -عدم أكل السمك في إفريقيا خوف من كوارث الشيطان ليس واقعًا، ولو وقع لهانت كوارث الشيطان أمام موت الجوع- والذي يعرفه الناس أن أوراق الأشجار أكلت في وسط إفريقيا! والفراخ في جنوب شرق آسيا تؤكل حتى العظام ونخاع العظام!

- كل جوع له تفسير سياسي وتفسير جغرافي؛ ففي الهند مثلًا أرادت روسيا أن تتخذ ذنبًا لها في وسط آسيا «الهند» فوهبتها الذرة، وكان يمكنها أن تشتري لها قمحًا للذين ينامون على الأرصفة في كلكتا. والتفسير الجغرافي هو أنها من البلاد شبه الجافة التي اعتراها في السنوات الأخيرة ما اعترى إفريقيا من جفاف، وجفاف الأخلاق مبعث السياسات التي تشبه الجفاف وتفعل فعلته.

- إذا استوت الشعوب المتحضرة «المتخمة» مع غير المتحضرة «الجائعة» في الإصرار على عدم تغيير عادات الطعام، فما الداعي لإيراد هذا السبب؟!

الذي نقوله نحن أن كل جائع في ذمة كل شبعان أن يطعمه من ماله مهما كان دينه أو سياسته، وعلى الموسر المسلم واجب إطعام الجائع ولو كان الجائع حيوانًا، وأوجب إذا كان الجائع مسلمًا يردد الشهادة عند سكرات الموت جوعًا.

ويا أثرياء النفط، ليس البر إضاعة المال في الإسراف «المذموم»، وليس البر أن تذهب الآلاف لوردة الجزائرية مثلًا! «وما دام هنالك مترفون فهنالك مستضعفون»، وإذا كان أكثر الجوعى من المسلمين فأكثر الأغنياء كذلك من المسلمين، فماذا فعلوا؟

الرابط المختصر :