; جلسة مع ابن قيم الجوزية (العدد 281) | مجلة المجتمع

العنوان جلسة مع ابن قيم الجوزية (العدد 281)

الكاتب أبو عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1976

مشاهدات 95

نشر في العدد 281

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 06-يناير-1976

إعداد: أبي عبد الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد جعل الله- سبحانه وتعالى- للحسنات والطاعات آثارًا محبوبة لذيذة طيبة.

لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة، لا نسبة لها إليها وجعل للسيئات والمعاصي آلامًا وآثارًا مكروهة، وحزازات تربى على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة قال ابن عباس:

إن للجنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصًا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق.

وهذا يعرفه صاحب البصيرة، ويشهده من نفسه ومن غيره.

فما حصل للعبد- أخي الحبيب- حال مكروهة قط إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر قال تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (الشورى: 30) وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيه ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ (آل عمران: 165) وقال جل شأنه: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ﴾ (النساء: 79).

والمراد بالحسنة والسيئة هنا: النعم والمصائب التي تصيب العبد من الله ولهذا قال «ما أصابك» ولم يقل: ما أصبت فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قط إلا الذنوب والمعاصي وموجباتها، وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال: أمر مشهود في العالم لا ينكره ذو عقل سلیم بل يعرفه المؤمن والكافر، والبر والفاجر وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره، وتأمله ومطالعته: مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل وبالثواب والعقاب فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالم ومثوبات وعقوبات عاجلة، دالة على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة كما قال لبعض الناس: إذا صدر مني ذنب ولم أبادره ولم أتداركه بالتوبة: انتظرت أثره السيئ. فإذا أصابني كما حسبت، يكون هجیرای: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ويكون ذلك من شواهد الإيمان وأدلته فإن الصادق متى أخبرك أنك إذا فعلت كذا وكذا ترتب عليه من المكروه كذا وكذا، فجعلت كلما فعلت شيئًا من ذلك حصل لك ما قال من المكروه، لم تزدد إلا علمًا بصدقة وبصيرة فيه وليس هذا لكل أحد بل أكثر الناس ترين الذنوب على قلبه فلا يشهد شيئًا من ذلك ولا يشعر به البتة وإنما يكون هذا القلب فيه نور الإيمان، وأهوية الذنوب والمعاصي تعصف فيه، فهو يشاهد هذا وهذا، ويرى حال مصباح إيمانه مع قوة تلك الأهوية والرياح فيرى نفسه كراكب البحر عند هيجان الرياح، وتقلب السفينة وتكفئها ولا سيما إذا انكسرت به وبقي على لوح تلعب به الرياح، فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب الذنوب إذا أريد به الخير، وإن أريد به غير ذلك فقلبه في واد آخر.

أخي المجاهد..

الذنوب مثل السموم مضرة بالذات فإن تداركها من سبقي بالأدوية المقاومة لها، وإلا قهرت القوة الإيمانية، وكان الهلاك. كما قال بعض السلف «المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت».

فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه، وتضير القلوب عليه، وجفولها منه وانسداد الأبواب في وجهه، وتوعر المسالك عليه، وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه، وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أتى ووقوعه على السبب الموجب لذلك: مما يقوي إيمانه. فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال، رأى العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر والسرور بعد الحزن والأمن بعد الخوف والقوة في قلبه بعد ضعفه ووهنه ازداد إیمانًا مع إيمانه فتقوی شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته. فهذا من الذين قال الله ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (الزمر: 35).

أخي العزيز:

وخاتمة هذه الرسالة تفكر فيما سبق وتبصر فيه وأعطه حقه: تكن من أطباء القلوب العالمين بدائها ودوائها تنفع به من تشاء من خلق الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم في الله

ابن قيم الجوزية

المدارج- ۱ ص ٤٢٣-٤٢٦

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 49

500

الثلاثاء 02-مارس-1971

هل تعلم أن...؟

نشر في العدد 239

118

الثلاثاء 04-مارس-1975

رسائل لقافلة الدعاة