العنوان المجتمع الأسرى (العدد 1359)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1359
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 20-يوليو-1999
في بيتنا «مشكلة»!
مهما عظمت أي مشكلة فإنها قابلة للحل.. والمهم الحكمة والصبر
الابتلاء سنة من سنن الله الكونية الماضية في البشر إلى يوم القيامة.
ولا يكاد بيت يخلو من وجود مشكلة ما، فهذه زوجة نكدية أو سوداوية أو عصبية. وهذا زوج حاد الطباع، أو سيئ الأسلوب أو مثير للمشكلات... إلخ.
وليست المشكلة في وجود المشكلة إنما المشكلة في عدم القدرة على حلها والروح المنهزمة أو الكسيرة في مواجهتها، لذا ينصح العلماء وأصحاب الاختصاص بالتسلح بروح التفاؤل والأمل، فمهما عظمت أي مشكلة فهناك حل لها، فقط علينا بالحلم والصبر والأخذ بالحكمة في تدرج يؤدي إلى الحل السعيد.
في البداية هذه عينة من المشكلات الموجودة في بيوتنا:
راوية رشدي -ربة منزل ٢٩ عامًا- تقول: أشكو من طول الوقت الذي يقضيه زوجي في العمل، ولن أتحدث عن بقائي مع الصغار أغلب اليوم، هذا أمر تعودته، لكنني أتحدث عن جفاء طبعه فأنا أنتظر يوم إجازته طوال الأسبوع، وكل أسبوع أمني نفسي بأنه سوف يتغير ويحدثني طويلًا في أمور بسيطة لكنها شديدة الأهمية، عن عادة جديدة تعودها طفلنا، عن كلمة نطق بها خطأ، عن حدث أريد أن يعطيني رأيه فيه، بصراحة أريد أن أخذ وأعطي معه في الكلام كما كنا في شهور زواجنا الأولى.
لكنني في كل إجازة أجده كما هو، ويتحدث في الموضوعات التي أسامها دون أن يتحدث في موضوع غيرها!
صالح عرفة -موظف ٣٥ سنة-يقول: أعرف أن أقارب المرأة هم أقارب الدرجة الأولى، أبوها، أخوها، عمها، خالها، أو على الأقل هؤلاء هم الذين ينبغي أن تظل علاقة المرأة بهم بعد الزواج، أما زوجتي فإنها تخبرني بكل بساطة بأن لها أقارب آخرين كثيرين وأن علينا أن نتواصل معهم جميعًا!
عصبيته!
أم أحمد -٥٢ عامًا ربة منزل- تقول: منذ أن تزوجته، وهو كما هو، يبدو طوال اليوم خارج المنزل صبورًا هادئًا، وإذا ضايقه أحد يترك له المكان، حتى إذا أنقضى وقت العمل، وجاء إلى.. كان إنسانًا آخر، يستثار لأقل شيء فيصرخ في حينما أتأخر دقيقتين في إعداد، أو طهو الطعام، وقد يفتعل المواقف وصرت أنظر إليه على أنه المريض الذي يحتاج إلى الصبر الطويل.
عثمان عمر-٤٠ عامًا مدرس- يقول: السنوات الأولى من زواجنا كنا نتفق على أن أترك لها المصروف كله في أول الشهر أو أتركه يوميًا مع كل صباح، وكنت ألاحظ دائمًا غلاء أسعار الأشياء التي تشتريها عن المعتاد بنسبة طفيفة لكنها متكررة، وأيضًا كل أشهر عدة تجيء إلي، وبين يديها شيء ذو سعر معقول، وتقول إن أباها، أو أخاها أهدى إليها هذا الشيء، وإنها تطلب رأيي فيه.
استمر الحال على ذلك إلى أن تيقنت أن زوجتي تدخر من أموالي ثم تدعي أن أقاربها يهادونها، وحتى بعد ما كشفت لها عن معرفتي بالأمر، راحت تنكره ثم تأتيني بالهدايا مرة أخرى!
يلجأ إلى أقاربه
ابتسام. ت -٣١ عامًا مهندسة- تقول: لا أنكر أن لي عيوبًا، وهل يخلو إنسان من الخطأ؟ ولكن زوجي كلما اكتشف في شيئًا لا يعجبه صغيرًا كان أم كبيرًا، ينتهز أول فرصة يزور فيها أهله، ثم يحكي لهم عن الاكتشاف الخطير، والعيب المثير الذي اكتشفه في وكيف أن أغلب الناس لا يفعلون هذا الأمر، وأنني مختلفة.
اختلاف طبائع
يعلق د. فضل أبو الليل -أستاذ الصحة النفسية بالقاهرة- على القصص السابقة فيقول: لكل إنسان طبيعته الخاصة التي اكتسبها بالوراثة، ونمت لديه بتأثير البيئة، ولن تجد شخصين متفقين في العادات، والطباع، حتى أولئك الذين نشأوا وتربوا في بيت واحد، فما بالنا بالزوج والزوجة، وقد يكون أحدهما قد تربى في بيئة مختلفة تمامًا عن البيئة التي تربى الآخر فيها، هذا إلى جوار اختلاف مصادر ثقافة كل منهما،والعادات والطباع، لكن العشرة، وطول الفترة الزمنية التي يقضيها الزوجان مع بعضهما يخلقان نوعًا من التقارب يذيب -إلى حد كبير- ما بينهما من اختلاف.
لكن يحدث أن يستمسك أحد الزوجين بعادة أو طبع يضايق الطرف الآخر، وقد يكون استمساكه هذا بناء على طبيعة فيه، أو تمسكًا برأيه، وهنا على الطرف الآخر أن يكون كيسًا، وأن يتعامل مع الأمور بالحكمة، فلو كان هذا الأمر بسيطًا فعليه أن يقابل المشكلة بما يناسبها من تصرف، بحيث يعترف بوجودها وأيضًا لا يبالغ فيها ثم عليه أن يحتوي الطرف الآخر، وذلك حتى يستطيع علاج الأمر بتدبر وروية.
عمومًا -يضيف- حسن الاختيار منذ البداية يحسم هذه الأمور ويضعها في نصابها الصحيح فالتروي والصبر والانتظار، وعدم اتخاذ قرار متسرع عن الارتباط، يمنع تفاقم الاختلافات بين الزوجين.
مودة ورحمة
متفقًا مع الرؤية السابقة يقول الشيخ إسماعيل مصباح: داعية إسلامي- قال الله تعالى عن رباط الزوجية ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم:21) والمودة والرحمة درجتان أقل من الحب ولو قال تعالى «وجعلنا بينكم محبة مثلًا» لانتهى رباط الزوجية فبيوت كثيرة، تقوم العلاقة بين الزوجين فيها على درجة أقل من الحب، وهكذا فخلف جدران البيوت أسرار واختلافات ومشكلات.
والإسلام لا ينكر هذا، ولكنه شرع حسن الاختيار منذ البداية، وحديث الرسول صلي الله عليه وسلم واضح أنظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما، هذا فيما يخص المظهر، أما عن المخبر، فإنه ينبغي لكلا الطرفين أن يسأل في دقة ووضوح عن الطرف الآخر: عاداته أخلاقه صفاته، حتى لا يفاجأ بعد الزواج بما يعكر صفو الزوجية.
أما إذا فوجئ أحد الزوجين بما لم يكن يتوقعه من أمور يمكن احتمالها، فصبر على ذلك، وانتظر حسن الجزاء والثواب من الله؛ أي احتسب، فإن الله تعالى يدخر له ثواب ذلك في الحياة الآخرة وهي الأبقى.
كما أن الإسلام شرع عند استغلاق الأمور وعدم تحمل أحد الطرفين للآخر، الاحتكام، وهو أن يدعو كل زوج حكمًا من أهله، بحيث يرويان لهما المشكلة بحذافيرها، على أن يكونا عارفين بالله حسني الخلق، ثم ينزلا على رأيهما في النهاية.
القاهرة: مركز الإعلام العربي
التمرد.. رؤية شبابية
الشباب: امنحونا الاستقلال وحرية التعبير بدون صيغة «الأمر والنهي»
التمرد حركات صغيرة في مداها وهدفها، لكنها قد تكون مضادة للمجتمع، كما أنها اتجاه في السلوك يتميز بكراهية الأعراف الاجتماعية والتقاليد والقوانين ومحاولة للخروج عليها.
هذا السلوك ينتج عن تضارب مصلحتين أو اتجاهين أو هدفين، هدف هو البقاء على الأوضاع الحالية، وأخر يسعى للخروج عليها بكل الطرق والأساليب حتى وإن كان بالعنف أحيانًا، لذا فمن المهم فهم هذه الظاهرة ومسبباتها، فمن المتمرد؟
تقول الدراسات والأبحاث إن الشباب هم الأكثر نزعة وميولًا للتمرد والثورة، على نقيض الشيوخ الذين يتميزون بالرتابة والمحافظة على كل ما هو كائن وفق حالته الطبيعية، إذ تجد الشباب أو بالأحرى «المراهق» يمقت ذلك الاستقرار، فهو دائمًا في حركة مستمرة.
لكن لماذا يكون التغيير بالصراع والتمرد؟
الجواب بسيط ويبدأ بالمحطة الأولى ففي حياة الشباب وهي الأسرة، ومن خلال نظرة بسيطة في أسلوبها ونمطها التربوي، يتبين أن الأسرة العربية عمومًا لا تعترف باستقلال الطفل أو الشاب فهو دائمًا تابع لها حتى وإن كون أسرة!
فمنذ الصغر تجد الطفل محاطًا بمجموعة من التعاليم والتوجيهات التي يجب عليه تقبلها والخضوع لها بصيغة الأمر والنهي في المعاملة اليومية، فهو لا يملك رأيًا في الأسرة وشؤونها، فالمعاملة الأسرية أصبحت: أسمع، وأطع، ولا نقاش.
وعندما يكبر ويصبح شابًا يافعًا فإن حاجته تكون ماسة للاستقلال برأيه والبحث عن مكانة اجتماعية فيأسرته أو مجتمعه.
أما في المدرسة -التي تسهم هي الأخرى في عملية بناء شخصيته- فيجد الشاب سلوك ومعاملات تستهدف دائمًا إبقاء في المرتبة الدونية، ولا تجتهد بأن تساعده بالارتقاء والسمو، فعلاقته بالأستاذ علاقة يمارس فيها الأستاذ سلطته الفكرية والعلمية، فمجرد حركة من الشاب تولد العتاب أو العقاب مباشرة، مع إبعاد كل الأفكار والطروحات -ثقافة- أحادية... إلخ.
وزيادة على المجتمع المحلي الذي يعيش فيه، هذا المجتمع الذي يتميز بثقافة لا تعطي حرية التعبير للأطفال والشباب، فجيل الكبار يعتبر دائمًا أن جيل الشباب ليس في المستوى المطلوب، وأنه لا يفقه شيئًا في أمور الدين والدنيا!
والآن بعد فحص أسلوب التربية الممارس في الأسرة والمجتمع والمدرسة ماذا سيحدث؟
إن جيلًا من الشباب -بحكم المطالعة والبحث-قد يعتنق أفكارًا أو طروحات جديدة على الأفكار السائدة في المؤسسات الآنفة مما ينتج عنه تصادم بين فكرتين ونموذجين وعقليتين مختلفتين.
عقلية تستهدف البقاء على ما هو كائن على شاكلته -كما يقول- الأولون ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (لقمان:21) وعقلية تستهدف تغيير هذا الواقع بأفكار جديدة. ومن هنا جاء تمرد الشباب على أباءهم، إما لفظيًا أو ماديًا، مما انجر عنه نكبات عدة، وأزمات متنوعة، الأمر الذي يجب معه انتهاج سبيل وسط بين الطرفين يراعي فيه كل منهما احتياجات الآخر.
محمد خير-جامعة وهران- الجزائر
أنشطة ثقافية وترويحية لخدمة الأسر المسلمة في سويسرا
أقامت الجمعية الثقافية للنساء المسلمات في سويسرا ملتقاها السنوي السادس تحت شعار: «آفاق الحياة الجماعية والزواج متعدد الجنسيات» وذلك في مخيم وفماركوس بنيوشاتال، وحاضر فيه جملة من الدكاترة، وتغيبت عنه الفنانة المصرية المعتزلة «سهير البابلي»، كما تخلل البرنامج معارض للكتاب والشريط واللباس الإسلامي، إلى جانب برامج متنوعة للنساء، وكذلك للرجال والأطفال.
كما أقيم مهرجان ضخم لأطفال المسلمين في قلب زيورخ جمع المئات من أطفال المسلمين في سويسرا، ونظمته المؤسسة الثقافية للطفولة والشباب في سويسرا، وبلغ عدد الحضور ١٤٠٠ مشارك ومشاركة وتميز المهرجان بتعدد أنشطته التربوية والثقافية والترفيهية وتنوع الجنسيات والمدارس التي حضرت إليه من كل أرجاء سويسرا.
من جهتها تختتم المؤسسة الثقافية للطفولة والشباب في سويسرا يوم ٢٥ يوليو الجاري المخيم الصيفي الخامس للفتاة المسلمة فوق ١٠ سنوات في إحدى ضواحي نيوشاتال.
كما تقيم جمعية «نحيا الإسلام» ومقرها مدينة لوزان، مخيمًا للفتاة ما فوق ١٠ سنوات خلال الفترة نفسها في إطار الاعتناء بالطفل المسلم، والقيام على تنشئته التنشئة الصالحة ومساعدة الأولياء على هذه المهمة.
أجيبي بهدوء ومرونة.. عن أسئلة طفلك المحرجة
كتبت: سمية عبد العزيز
«التهرب الدائم من أسئلة الطفل المحرجة يجعله عرضة لصراع يؤثر على صحته النفسية، ومن ثم فعلى الأسرة أن تتحمل مسؤولياتها تجاه أطفالها، وأن تمنحهم الإجابة الشافية عن هذه الأسئلة قبل فوات الأوان».
النتيجة السابقة توصلت إليها دراسة علمية حديثة أعدتها الدكتورة سهير عادل- أستاذة علم الاجتماع بكلية البنات بجامعة عين شمس في القاهرة.
وأشارت الدكتورة سهير في دراستها إلى ضرورة إعطاء الأطفال المعلومات الصحيحة فيما يتعلق بالأسئلة الكبرى المرتبطة بالحياة والموت التي تمثل بالنسبة لهم هاجسًا مقلقًا طوال السنوات الأولى من عمرهم.
وتنصح في دراستها بالاستعانة -في هذه السن- بالمجلات العلمية المبسطة إلى جانب التوعية الدينية التي تعد صمام الأمان.
وترصد الدراسة خمسة نماذج للإجابة عن بعض الأسئلة المحرجة هي كالتالي:
من أين جئت يا أمي؟
الطفل ينمو داخل بطن الأم، ثم يخرج منه ليكبر مثلك.
ويمكن هنا الاستعانة بالمخلوقات التي يراها الطفل مثل الطير والحيوانات الأليفة للدلالة على ذلك، فالطفل مثلًا يخرج من بطن الأم مثلما تخرج البيضة من الدجاجة.
كيف ولدت يا أمي؟
لقد كنت صغيرًا جدًا وخرجت من بطني مثلما تلد الأرنب.
كيف وجدت في بطنك؟
كل شيء حي له أبوان نسمي أحدهما ذكرًا والآخر أنثى، ولكي يتكون الطفل في بطن الأم لابد من أن يتزوج الذكر من الأنثى.
لماذا يتزوج الرجل من المرأة؟
لأن الله خلق الرجل ليتزوج المرأة، وينجبا أطفالًا فلولا الزواج ما وجد الناس، وهكذا... من أين يأتي الحليب الذي ترضعه أختي؟
الأم تأكل الطعام ثم يحوله الله إلى حليب في صدرها ثم يرضعه الطفل لأنه ليس لديه أسنان ليأكل بها.
وفي الختام: تؤكد الدراسة أن الإجابة بهدوء ومرونة في إطار المحبة والحنان من شأنها أن تجعل الطفل قانعًا بما تلقى من إجابة عن أسئلته الكبرى.
برغم تزايد دور الإعلام والتعليم: الأسرة المسلمة.. «المحضن» الأول للتربية
د. أحمد العسال نائب رئيس الجامعة الإسلامية في إسلام أباد لـ المجتمع:
«احفظ الله يحفظك» أعظم مناهج التربية في مرحلة الطفولة
الطفل بطبعه خير.. ومن الخطأ حصره في قناة تربوية واحدة
قصص القرآن ومواقف السيرة معين لا ينضب لتعليم الأبناء
في ظل طغيان وسائل الإعلام والتعليم يؤكد الكثيرون من الخبراء أن دور الأسرة قد تراجع بالفعل -في مواجهة هذه الوسائل- في تربية الأبناء وتعليمهم إلى مرتبة متأخرة بعد أن كانت تتبوأ المكانة الأولى في هذا الإطار.
فكيف تعود الأسرة المسلمة أول للتربية كما كانت محضنًا طوال عمرها؟ وكيف تتلافى الآثار السلبية لبعض، بل لغالبية ما تبثه وسائل الإعلام ومناهج التعليم في نفوس الناشئة؟
هذا ما يحاول أن يجيب عنه الدكتور أحمد العسال الخبير التربوي ونائب رئيس الجامعة الإسلامية بإسلام أباد في هذا الحوار الذي بدأناه بسؤال تمهيدي كالتالي:
ما الخطوات التي ينبغي اتباعها لتقديم العلم المرتبط بكرامة الإنسان التي يهدرها الجهل، والأمية والإعلام الفاسد والتعليم العاجز؟
○ العلم أساس حياة الإنسان، وأساس استقامته خاصة العلم المتصل بالهداية والعلم المتصل بينابيع الإيمان، ورحيق الخير في الإنسان.. ثم إن الله تبارك وتعالى لم يترك الإنسان هملًا أو عبثًا، بل أرسل له الأنبياء والمرسلين ليأخذوا بيده إلى طريق الحق، ليجنبوه الغواية، والهوى، والوقوع في حبائل الشهوة، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ﴾ (الشوري:52).. وقال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ﴾ (يوسف:22).. وهكذا.
والإمام البخاري -رحمه الله- بوب لهذا فقال: «العلم قبل القول والعمل، بل قبل النية فإنه يصحح النية واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد:19).
وأول كلمة نزلت في القرآن «اقرأ» ثم كان من معجزات الحق سبحانه وتعالى أن يقسم بالقلم وأول ما خلق الله القلم.. لأن القلم هو أداة تقييد العلم، ومن فضل الله سبحانه أن جاءت قصة آدم في القرآن حتى يعلم الإنسان شيئين هما:
الجانب التعليمي العام:
ويتمثل في تعليم الله لآدم الأسماء كلها التي سيحتاجها.. وكان هذا تكريمًا لآدم. وفي ذلك أيضًا إظهار لحكمة الله عز وجل من خلق آدم، ولذلك قالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:32).
الجانب التعليمي الآخر «علم الهداية»
حينما أخطأ آدم وأكل من الشجرة تاب إلى الله عز وجل قال سبحانه ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:38).
فكان العلم الآخر هو علم الكتاب.. وعلم الرسالة.. علمًا يضبط خطوات الإنسان في هذه الحياة، لذلك فالخطوات التي ينبغي اتباعها لتقديم العلم المرتبط بكرامة الإنسان هي:
أن يعرف الإنسان ربه.. فيجب أن تشتمل مناهج التعليم في المراحل الأولى على تدريس قصص الأنبياء والصالحين للأطفال منذ سن الروضة، ذلك أن معرفة الإنسان بربه سوف تضعه في دائرة أداء الواجبات التي عليه كما ستجمع إرادته.. لأن الإيمان يجمع الإرادةويجعل الخشية ملازمة للإنسان، ومن ثم يتولد لدى الفرد الضمير الحي والإخلاص في أعماله جميعًا فيغدو عنصر بناء في المجتمع لا عنصر هدم.
ولقد وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسس المنهج التعليمي للإنسان في مرحلة الطفولة من خلال حديثه للغلام: «يا غلام احفظ الله يحفظك.. احفظ الله تجده تجاهك.. الحديث».
ففي هذا الحديث نلمس كيفية غرس مراقبة الله في نفس الفرد منذ طفولته وكذلك غرس اليقين، وعدم الاتكال أو اللجوء لغيره سبحانه وتعالى وذلك من خلال قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء.. لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك».
أيضًا تعلم الشجاعة وألا يخشى في الله لومة لائم من خلال قوله -صلى الله عليه وسلم-: لو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك...»، وهذا يعد أعظم المناهج للإنسان في مرحلة الطفولة، حيث يترجم عمليًا في باقي حياة الإنسان.
أيضًا حفلت السيرة النبوية بمواقف تعليمية عظيمة للأطفال من الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمتمثلة في قوله -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس: «سم الله.. وكل بيمينك.. وكل مما يليك».
فهذا أيضًا داخل في نطاق المنهج التعليمي للأطفال في المراحل الأولى من خلال تعليمهم أداب الإسلام وهو ما يسمونه اليوم فن «الإتيكيت» الذي سبق الإسلام إليه مثل جميع العلوم الأخرى.
والخطوة الثانية هي الاهتمام بالمهارات لدى الطفل.. ومن المؤسف أن مناهج تعليمنا كمية لا تهتم بالمهارات لذلك فعلى الأم والأب والمدرس الجيد أن يكتشفوا المهارات في الأطفال لينموها.
معرفة الآخر
وماذا عن تعرض الطفل لوسائل التوجيه الأخرى؟
○ لابد من التزود بالثقافة والفكر الإسلاميين -حسب النمو العقلي- ثم الفكر العام.
فمن المآخذ الشديدة أن تحصر الطفل في قناة تربوية واحدة، فهو يريد أن يكتشف ما حوله فلابد أن يقرأ القصة والشعر والأدب ولابد كذلك من أن يقرأها من الآخرين بعد أن يتأسس إيمانه وفهمه ولابد من أن يعرف المجتمع الذي يعيشفيه.. وكما يقول الشاعر:
عرفت الشر لا للشر، ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه
لابد أيضًا من أن يعرف شيئًا عن الفنون وما لهو الحديث المقصود؟
ومن عظمة القرآن أنه تكلم عن الجاهلية في شتى شؤونها وعن المكذبين.. وعن بني إسرائيل... ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ (البقرة:100) وهذا ما نلمسه على أرض الواقع اليوم من نقض للاتفاقيات...
فمعرفة الآخرين تحصن الإنسان، ومن الخطورة بمكان العزلة عن المجتمع.. العزلة عن الأفكار، فالإنسان إذا لم يعرف غيره سيجهل نفسه.. ومعرفة الغير تعطيك رصيدًا من اليقين بالحق الذي تؤمن به، وبالخير الذي هداك الله إليه، وبالنور الذي منحك إياه.
هل معنى ذلك أن نترك الأبناء أمام التلفاز يتجرعون من برامجه الغثة ما يشاؤون؟
○ هذا مما عمت به البلوى فلا نستطيع في عصر الفضائيات أن نحجب الأبناء عن رؤية ما في التلفاز كلية، ولكن يجب أن يكون هناك ترشيد.. كذلك قلت يجب أن يعرفوا شيئًا عن الفنون لكن ليس كل الفنون التي تعرض لأن منها ما يتنافى مع عقيدتنا وديننا تمامًا.
ويجب أيضًا أن يكون هناك تذكرة مستمرة.. والطفل بطبعه خير.. وهذا عن تجربة.. ودومًا لتقل الأم للطفل هل ترضى لأمك أو أختك أن تبدو متبرجة هكذا أمام الرجال؟ أو أن تقول له: إذا أنت أكلت أكلًا طيبًا انتفع به جسمك، وإذا أكلت أكلًا فاسدًا جرّ عليك المرض.. وهل تحب أن تأكل أكلًا حامضًا؛ فعندما تشحنين الابن بمثل هذه العبارات وتغرسين فيه كره أفعال هؤلاء الأشخاص وأن المرء يحشر مع من أحب.. فأنت تعملين وقاية له، ومناعة ضد هذا الشيء... وبالموالاة والمتابعة تأتي النتائج المرجوة.. أما أن تمنعه الأسرة من مشاهدة التلفاز فكل ممنوع مرغوب، ويمكن أن يتحايل على ذلك من أجل مشاهدته.
التعليم.. والتربية
هل تستطيع الأسرة أن تتكفل بالتعليم والتربية وحدها؟
○ نعم تستطيع ذلك من خلال:
- أن تبحث في المجتمع عن العلماء الصالحين والأدباء الصالحين، وترسل أبناءها لهم ويجب أن يكون هناك تواصل بين الأسرة وهؤلاء الصالحين، وأذكر أنه من الأشياء التي أثرت فينا ونحن طلاب أننا كنا نسعى للعلماء الصالحين في بيوتهم لنتزود منهم، وننهل من علومهم من أمثال الشيخ شلتوت -رحمه الله- فالتواصل مع هؤلاء يكمل النقص الموجود في المناهج التعليمية.
- أيضا الوسط الاجتماعي: فعلى الأسرة أن تهتم باختيار الوسط الاجتماعي الذي به من الخير ما يكمل... فلماذا لا يزور الابن صديقًا طيبًا من أسرة صالحة؟ ولماذا لا يجتمع الأصدقاء بعضهم عند بعض ليقرأوا أو يكملوا ما لا يجدونه في المناهج التعليمية؟
- وجود المكتبة الرشيدة: فلابد من أن يكون للأبناء مكتبة في البيت، وأن يكون فيها من صغار العلم قبل كباره.. فيها قصص الصحابة والصالحين والأبطال، حتى إذا ما حذفت قصص الصحابة، وقصص البطولات الإسلامية من مناهج التعليم وجدوها في البيت.
ثم إن على الأم الصالحة عبئًا كبيرًا، ولكنه عظيم في أهدافه.. فهي إذا قامت بسرد قصة من قصص القرآن، أو غيرها من قصص الصحابة «مثلًا» قصة أبرهة ثم حفظت الأبناء سورة الفيل أصبح الطفل يعرف السورة، وتفسيرها مع القصة أيضًا.
ويفضل الله فإن الإعلام الإسلامي بدأ خطوات ناجحة في إخراج أشرطة مرئية للأبناء تصب في هذا الجانب.. فالأسرة عليها عبء كبير جدًا، ونحن الآن في عصر من أخطر العصور وهو عصر القنوات الفضائية.. فإذا لم نحبب القراءة إلى الأبناء وما لم نناقش معهم مختلف القضايا، وما لم نفتح معهم باب الأخذ والعطاء الفكري، فسوف يأكلهم الفساد أكلًا.
المؤسسات والاستقلال
أين دور مؤسسات التعليم في هذا الصدد. وهل أصبح شغلها الشاغل فقط «تجفيف المنابع الدينية»؟
○ نحن في محنة.. إرادة الأمة غير مجتمعة في مؤسسات بينما العالم الذي نعيشه -خارج العالم الإسلامي- عالم «مؤسسات منظمة».
كنت في إنجلترا فكان منهج التعليم لا يتغير إلا كل ٢٥ سنة، ولابد من أن يصدر لذلك كتاب «أبيض» يناقشه مجلس العموم وخبراء التعليم، وفي أمريكا وصل الروس قبلهم إلى القمر فأصدروا تقرير «أمريكا في خطر».. أما أمتنا للأسف فهي غائبة عن الوعي.. وعلى رغم أننا مكنا بوسائل عظيمة لكن ليس لدينا أناس عندهم ضمائر، أو إيمان برسالة أو إيمان بأمة.. أناس كما يقال مهزومون داخليًا، واستلبوا -استلابًا فكريًا- وأخرجوا من عبادة أمتهم.. ولبسوا لباس غيرهم فهم يريدون أن يقلدوا بينما كما يقول تومبي «إن المقلد لا يقدم شيئًا».
فأخطر مشكلة نواجهها هي قضية التعليم لأنه يخرج الآن شبابًا يحمل ورقة ولا يحمل قلبًا أو عقلًا أو مهارة، وبالتالي فنحن نضيف للمشكلة الاقتصادية مشكلة أخرى.
فالتعليم هو أساس تكوين الإنسان.. فإذا كنا نريد أن يكون هناك قطاع تعليم ناجح فلابد من أن تكون هناك مؤسسة.. هذه المؤسسة تشتمل على الخبراء وفيها أولياء الأمور، ونواب الأمة حتى إذا صدر القرار يكون قرارًا صحيحًا.. كما أن الإعلام الآن جزء من التعليم.. ولابد من أن يدخل تحت توجيه هذه المؤسسة.. وبدون ذلك سنكون فريسة لتوجيه الذين لا يخشون الله ولا يكرمون هذه الأمة.
هل ترون ضرورة لاستقلال مناهج تعليم البنات عن البنين؟
○ الله -عز وجل- خاطب المرأة والرجل خطابًا واحدًا.. فلا أرى الاستقلال من حيث الاستقلال التام، ولكن أرى ضرورة أن تكتمل المناهج التعليمية العامة بمنهج مواز يعطي للطالبة صورة عن رسالتها المستقبلية ويعطيها لمحة من فنون: التربية والإدارة والجمال.. لأن هذه أمور متعلقة برسالتها في بيتها ثم إعطاءها دور الرسالة كما قامت به السيدة خديجة، ومريم وعائشة.. لابد من أن تأخذ مصادر للمعرفة ومصادر للإلهام من الصالحات اللائي يسبقنها في مجال التربية والتعليم.. رضي الله عنهن جميعًا.
وحقيقة المرأة ظلمت حينما أرادوا أن يعزلوها، ويغلقوا عليها الباب.. فالإسلام دين مفتوح، ولم يعرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عصر الرسالة والصحابة ما يسمى بعصر الحريم، فقد كانت النساء على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرجن في الغزوات.. وفي البخاري باب مشاركة النساء في الغزوة.. والكليات مقدمة على الفرعيات لأن الشرع له مقصد ومقاصد الشرع لا تتحقق إلا إذا تعلمت المرأة وذلك لا يتأتى لها إذا أغلق عليها الباب، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
كما أننا نعيش في عصر تنفجر فيه المعلومات.. فإذا نحن حجزنا المرأة المسلمة فقد ظلمنا أنفسنا، وعطلنا طاقة في المجتمع، ولم نؤد حق الله فيه، وذلك مادامت المرأة لا تتبرج ولا تختلي برجل.
إن الجهل بمقاصد الشرع في الحياة شيء خطير.. فإذا أحل الله عز وجل شيئًا فلا ينبغي لأحد أن يحرمه تحت أي ذريعة.