; الجزائر : لملاحقة النفوذ الأمريكي والصيني زيارة ساركوزي للجزائر .. مصالح فرنسا أولاً | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر : لملاحقة النفوذ الأمريكي والصيني زيارة ساركوزي للجزائر .. مصالح فرنسا أولاً

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2007

مشاهدات 78

نشر في العدد 1761

نشر في الصفحة 24

السبت 21-يوليو-2007

مشروع «الاتحاد المتوسطي» رهان فرنسا لاستعادة سيطرتها على جنوب المتوسط. 

الغاز الجزائري هدف أوروبي في ضوء أزمة الطاقة التي تشهدها أوروبا في ٢٠٣٠م.

فرنسا التي اغتاظت كثيراً لما وصفته بالزحف الأمريكي والصيني باتجاه منطقة شمال إفريقيا، وفي الجزائر بالذات، سارعت في عهد ساركوزي إلى طرح مشروع الاتحاد المتوسطي، لتعيد انتشارها والبحث عن منافذ جديدة لها في الضفة الجنوبية للمتوسط بعدما استحوذت ألمانيا على كل الطرق المؤدية إلى دول أوروبا الشرقية، وبسطت الولايات المتحدة الأمريكية قبضتها على دول الساحل الإفريقي في إطار مبادرة حلفها ضد الإرهاب.

لكن فرنسا ساركوزي، التي لا تريد ترك المجال أمام واشنطن وبكين، وتبحث عن عملاء لمشروعها الجديد القديم الاتحاد المتوسطي، لم تحمل في حقيبتها أي مشاريع جادة للمنطقة، بقدر ما تبحث عن تحويل الجزائر إلى سوقها التجاري الأول. وليس الاقتصادي بصفة دائمة.

وتسعى للقفز على الماضي الأليم، من خلال تفضيل رؤية المستقبل فقط عبر ضمان تدفق النفط وتحويل دول الضفة الجنوبية إلى شرطي، لمنع تدفق المهاجرين نحو أوروبا، وإشراكها مالياً في تنظيف بحيرة المتوسط من النفايات التي تنفثها مصانع أوروبا ... وهي الركائز التي يعتمدها ساركوزي في بناء الاتحاد المتوسطي لقد نجح ساركوزي بمشروعه الجديد في دق آخر مسمار في نعش معاهدة الصداقة الجزائرية الفرنسية التي طويت بصفة نهائية والتي أثارت معارضة قوية في الجزائر من خلال قانون ٢٤ فبراير، الذي مجد استعمار فرنسا للجزائر، وقفز على مطلب الاعتذار الذي كانت تريده منه الجزائر. فجاء ساركوزي ليؤكد عدم تقديم اعتذاره عن الماضي الاستعماري بذريعة أنني لا أريد أن أتسبب في جرح مشاعر الفرنسيين. ومن يقرأ هذه الجملة يخيل إليه أن الجزائر هي التي احتلت فرنسا في حين تأجل البحث في ملف التعاون النووي حتى عودة ساركوزي إلى الجزائر في نوفمبر القادم، وكهدية للجزائر وقع الرئيسان على اتفاق إنشاء جامعة جزائرية - فرنسية .

الشرطي الجنوبي:

وتأتي الزيارة في إطار السعي الأوروبي وخاصة الفرنسي لضبط عقارب ساعة منطقة غرب المتوسط على مقاس احتياجاتهم وانشغالاتهم، والبحث عن الكيفية المناسبة لجعل دول الجنوب، ومنها الجزائر تلعب دور الشرطي من أجل تأمين جنوب أوروبا، وبقدر ما ستكون عليه استجابة أهل الجنوب المتوسطي ستأتي مكافأة باريس. وإن كان ملف الهجرة هو القنبلة القادمة. لما له من ارتباطات مع التهريب، وربما بعض مظاهر الإجرام، فإن باريس وأوروبا عموماً لم تقدما الحلول العملية لإقامة تعاون فعلي وقرار باريس طرد حوالي ٣٥٠ ألف مهاجر إلى الجزائر، يدخل فيما يمكن تسميته النمط أو الأسلوب الذي تريده فرنسا في محاربة الهجرة السرية، بدعم دول الجنوب مالياً، وطرد المهاجرين من أراضيها.

صراع فرنسي - أمريكي - صيني:

ويتساءل المراقبون عن مستقبل العلاقة بين فرنسا ودول المغرب العربي في مقابل دخول كل من واشنطن وبكين على الخط وعلى أي وتر تضرب القيادة الفرنسية عندما تقترح مشروع الاتحاد المتوسطي في ظل وجود مشروع الشرق الأوسط الكبير، وقبله اتفاقية برشلونة، ومشروع المتوسطية...

 وعندما زار ساركوزي منطقة المغرب العربي كان على رأس أجندته مشروع مهم وهو الاتحاد المتوسطي»، وبين الاتحاد المغاربي والاتحاد المتوسطي، يقف ملف الصحراء الغربية على مسافة واحدة من كلا المشروعين.

فماذا يعني أن تؤجل المغرب دبلوماسياً زيارة الرئيس الفرنسي إليها؟ وما مستقبل مسار التسوية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي؟

 صعود الرئيس الجديد ساركوزي في فرنسا وما يحمله من رؤية لجمع دول شمال إفريقيا، تحت مظلة اتحاد متوسطي، يقوى تدريجياً بهيمنة اليمين على المجلس النيابي الفرنسي، ويلقي على طاولة النزاع الصحراوي معطى جديداً، يتمثل في تسريع آلية التفاوض ضمن الفضاء المتوسطي للتقريب بين الرؤى المتباينة.

صك على بياض:

ولم تكتف الجزائر بإعطاء موافقتها على مشروع الاتحاد المتوسطي المقترح من قبل الرئيس الفرنسي، بل كشف نيكولا ساركوزي أن الرئيس بوتفليقة أصبح مدافعاً شرساً عن هذا المشروع ومعه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وهو ما يعني أن ساركوزي، قد أخذ صكاً على بياض حتى قبل أن تتضح جلياً معالم مبادرته حيث أعلن نيكولا ساركوزي في ختام زيارته لتونس أنه تلقى الضوء الأخضر من الرئيس بوتفليقة بشأن انضمام الجزائر إلى مبادرة الاتحاد المتوسطي... هذا الإعلان الذي قدمه ساركوزي بمثابة انتصار كبير للدبلوماسية الفرنسية في العهد الجديد، في وقت التزمت فيه السلطات الجزائرية الصمت، ولم تبد أي موقف بخصوص المشروع المطروح من طرف ساركوزي، في أعقاب زيارته القصيرة إلى الجزائر.

ومن شأن الموقف الجزائري الداعم المشروع الاتحاد المتوسطي أن يسهل الطريق أمام ساركوزي في شرحه للمبادرة لبقية الدول الأخرى، ويجعله يربح الكثير من الوقت مع الشركاء الآخرين الذين سيزورهم رئيس دبلوماسيتها برنار كوشنار العرض مشروع ساركوزي الذي وعد بعقد قمة للرؤساء المنخرطين في المبادرة في النصف الأول من عام ٢٠٠٨م.

ويكون نجاح ساركوزي في الحصول نعم الجزائرية، وراء تأجيل كل المباحثات المتعلقة بالتأشيرات الغاز الذاكرة والشراكة الاقتصادية إلى موعد جديد آخر الزيارة دولة تدوم ثلاثة أيام يقوم بها للجزائر في شهر نوفمبر، ووصفت جريدة لوموند، هذه الزيارة بأنها أسعدت كثيراً المسؤولين الجزائريين النتيجة الملموسة الوحيدة في زيارة ساركوزي المغاربية ...مستقبل مشروعات الطاقة، ويتوقع الخبراء أن يحظى موضوع التعاون الفرنسي الجزائري في مجال إنتاج ونقل الغاز وتزويد السوق الفرنسي بالغاز أن يحظى بحيز واسع على أجندة الطرفين، إلى جانب موضوع الاتحاد المتوسطي، إحدى أوراق الرئيس الفرنسي الانتخابية. ويطرح الشارع الجزائري العديد من التساؤلات حول الخلفية التي تحكم مثل هذه الأجندة؟ وما ستقدمه الجزائر من رؤى الفرنسا في ضوء الخلاف الذي نشب بين الجزائر وإسبانيا - المنافس الشرس لفرنسا على سوق الطاقة في المتوسط؟ يرى الخبير الاقتصادي الجزائري بشير مصطفى أن دراسة التركيبة السكانية المتوقعة في دول الاتحاد الأوروبي للعام ٢٠٣٠م تؤكد ملامح أزمة حقيقية، ستمس وقود التدفئة الملايين السكان في أوروبا ... وتشير الأرقام إلى أن دول الاتحاد الأوروبي ستشهد انخفاضاً في الإنتاج المحلي من الغاز، يقدر بنحو %٣٠ من «۲۳۹ مليار متر مكعب حالياً إلى ۱۷۳ مليار متر مكعب» في الوقت الذي يزيد فيه الطلب على الغاز بنسبة ٢٤% من ٥٣٧ مليار متر مكعب حالياً إلى« ٦٦٦ مليار متر مكعب العام ٢٠٣٠م». معنى ذلك - بلغة الحساب الاقتصادي - تفاقم تبعية الاتحاد الأوروبي للخارج بنسبة تقدر بحوالي ۲۲% من ٥٧% حاليا إلى« ٨٠٪ العام ٢٠٣٠م» . وللحفاظ على الوضعية الحالية تفكر دول الاتحاد الأوروبي في تأمين إمدادات الوقود عن طريق الاستحواذ على حصة جديدة من سوق الطاقة في العالم لا تقل عن ٢٣% من حصتها الحالية. وعلى هذه الخلفية اتخذت إسبانيا موقفها من مشروع مید غاز الجزائري الإسباني وهو موقف متبدل لكنه مستكيف مع معطيات جديدة برزت إلى السطح. فالإسبان حسموا أمرهم عن طريق اللجنة الوطنية للطاقة الإسبانية، وهم مستعدون للتضحية بالمشروع كله أمام البدائل التي ما زال يصنعها الحراك الدولي في مجال الطاقة، ولاسيما دخول روسيا على خط مضاعفة تصدير الغاز إلى أوروبا. والملاحظ على الطرفين الإسباني والفرنسي أن الأول يفضل الحل التقني الذي تضعه اللجنة الوطنية للطاقة في إسبانيا بعيداً عن الموقف الدبلوماسي، بينما تفضل فرنسا الحل التفاوضي على أعلى مستوى سياسي.. فهل تستمر الجزائر في محاولة كسر جمود الموقف الإسباني؟ أم أنها ستستثمر زيارة الرئيس الفرنسي لتقنع الشركة الفرنسية غاز دي فرانس بشراء حصة الطرف الإسباني؟

في كل الأحوال تشهد حالياً تحولاً في خريطة الطاقة الجزائرية من بلد مصدر للنفط إلى مصدر للغاز مع ما يحمله ذلك من دلالات. ومعنى ذلك أن يستمر البلد كساحة صراع بين عملاء الجزائر القياديين على ما تبقى من احتياطي للغاز، وكل طرف يرغب في حصة أكبر المدى أبعد من دول تشير جميع الدراسات إلى أن احتياطياتها من الطاقة لن تستمر لأكثر من نصف قرن آخر.

الرابط المختصر :