; سلفية حسن البنّا وبدعة تكفير المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان سلفية حسن البنّا وبدعة تكفير المسلمين

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1983

مشاهدات 56

نشر في العدد 611

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 08-مارس-1983

لقد نادى الإمام حسن البنا رضي الله عنه بجمع كلمة المسلمين على ما اتفقوا عليه من أمور الدين، وأن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، لأن الاختلاف في الأمور الفرعية أمر طبيعي لاختلاف العقول في الاستنباط والفهم ولاختلاف البيئات والاختلاف في الروايات وفي تقدير الدلالات.

ومازالت رسائل البنّا وتعاليمه محل احترام العالم وغيره والرجال والنساء من المسلمين بما فيهم من يختلفون معه في الوسائل.

غير أنه بعد مرور أكثر من نصف قرن على ثبات هذه التعاليم والمفاهيم وجدنا من يفتري على الإمام البنا من بعض أفراد الجماعات التي ظهرت منذ عدة سنوات ووصل افتراء بعضهم إلى درجة اللمز والطعن في الأشخاص والجماعات مع أن هذا من الكبائر المحرمة في دين الله تعالى.

وفي المقال السابق ذكرت أمثلة على ذلك منها أنه قد قال في البند العاشر من رسالة التعاليم «معرفة الله تعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يلحق بذلك من التشابه نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه».

ولكن نقرأ من الذين أثرت عليهم الأساليب العربية المعاصرة أراد أن يطعن في البنا وجماعته باسم السلف والسلفية؛ فجعلوا قوله هذا ضعفًا في العقيدة حسبما ورد في كتاب «الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة»، وحجتهم أنه قال: إن آيات الصفات من التشابه، مع أن الإمام قد قال إن آيات الصفات وما يلحق بذلك من التشابه نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، وقد حدد الغاية من هذا التفويض إلى الله بقوله: «ولا نتعرض لما جاء بها من خلاف ويسعنا ما وسع رسول الله عليه السلام وأصحابه».

وهذه العبارات بهذا الترتيب تفصح عن أنه أراد البعد عن الخلاف مع التمسك بظواهر النصوص كما جاءت دون تأويل أو تعطيل، ولكن صديقًا جادلني كثيرًا في مقصود عبارة البنا رحمه الله ونصها: «وما يلحق بذلك من التشابه» وقال إنها تنصرف إلى آيات الصفات، ولا غرو في ذلك فجلُّ العلماء قديمًا وحديثًا على اتفاق أن آيات الصفات من التشابه، وقال الصديق إن الذين قطعوا أن آيات الصفات ليست من التشابه لم يسندوا هذا الى أي مصدر متفق عليه، ولم أرد أن أدخل في خلاف وجدل. إذ يمكن أن يكون البنا قد أراد «ما يلحق من التشابه» أي في غير آيات الصفات كقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى: «أحضر بعض أكابرهم كتابًا للأسماء والصفات للبيهقي وقال هذا فيه تأويل الوجه عن السلف فقلت لعلك تعني قوله تعالى﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ﴾ (البقرة: 115) فقال نعم، وقد قال ذلك مجاهد والشافعي يعنى قبلة الله، قلت نعم هذا صحيح عنهما وغيرهما وهذا حق، وليست هذه الآية من آيات الصفات. (ص3 ص193).‏ انتهى كلام الإمام ابن تيمية.

ولعل هذا مما أشار إليه البنا في قوله: «وتستطيع القول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين دعوة سلفية» أي لاتباعها منهج السلف؛ لأن هذا المنهج الذي اختاره الإمام البنّا هو منهج السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم كما هو معلوم للجميع، بل إنه قبل اليقظة التي حمل لواءها الإمام البنّا كان اسم السلف في أروقة الأزهر وكان التعصب للمذاهب والأشخاص هو السائد بين المصريين أو أكثرهم.

ولكن الراغبين في إشعال نار الفرقة والاختلاف بين المسلمين يعيبون على الإمام البنا أن دعا إلى توحيد كلمة المسلمين على ما اتفقوا عليه وأن يعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه، حتى زعم هؤلاء أن الإمام يريد أن يتنازل أهل السنة عن بعض عقائدهم ليمكن الاتفاق مع غيرهم، وهذا أمر كذب حرام على الإمام البنا حيث إنه طلب التعاون فيما اتفقوا عليه وهذا لا يعنى التنازل عن شيء من عقائدهم، بل يعني العمل بما جاء في العقائد التي اتفقوا عليها. كما زعم أصحاب كتاب «الجماعات الإسلامية» أن البنا يدعو إلى المذهبية والتعصب المذهبي وزعموا أن أقواله بالتمسك تخالف الواقع، وهؤلاء لم يروا البنا وكانوا أطفالًا يوم أن كان يجوب البلاد لتوحيد المسلمين ونبذ المذهبية والخلاف.

تكفير المسلمين

لقد ذهب بعض الدعاة إلى تكفير من أوَّل آيات الصفات كمن قال يد الله تعنى قدرته، ثم ذهب آخرون الى تكفير من لم ينخرط في جماعتهم، وكلاهما ادعى أن مذهبه مذهب السلف والسلف براء من ذلك، فقد عرضه حسن البنا في مسألة تكفير المسلم فقال في البند العشرين من رسالة التعاليم «لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما برأي أو معصية:

 1‏- إلا إن أقر بكلمة الكفر. 2- أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة. 3- أو كذب صريح القرآن. 4-‏ أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال. 5- أو عمل عملًا لا يحتمل تأويلًا غير الكفر».

ولكن بعض الدعاة من الشباب قد أساء إلى هذا الفكر وخرج عن منهج السلف الصالح بأن كفر المسلمين في أمور أهمها: ‏

أولًا: جماعة المسلمين وكفر الخارج عليها: يسأل أصحاب كتاب الجماعات الإسلامية عن فكر المؤمنين بدعوة البنا، فهل هم جماعة المسلمين؟ أم جماعة من المسلمين؟ (ص 99).

1-‏ ولا يجهل هؤلاء أن دعوته إلى الجماعات الأخرى ما زالت هي أن يتعاونوا فيما اتفقوا عليه وأن يعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه.. هذه الدعوة تقطع بأنه يعد الإخوان جماعة من المسلمين تتعاون مع غيرها من الجماعات.

‏2- لا يجهل أحد أنه حدد أسباب ردة المسلم في خمسة أمور تضمنها البند السابق، وليس منها خروج أحد من المسلمين على جماعته أو تخلفه عن الانضمام إليها.

3- والدعاة لا يجهلون أن جماعة النبي صلى الله عليه وسلم قد تخلف عنها بعض المسلمين فلم يحكم بكفرهم، بل حكم لهم الإسلام بالإيمان ولكنه حجب عنهم النصرة حتى يهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجماعته فقد قال الله تعالى﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا﴾ (الأنفال: 72).

‏4-‏ لهذا فإن حديث البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو مفارق للجماعة مات ميتة جاهلية»، وكذا حديث مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ‏يفسر على أنها الميتة على المعصية لمن تخلف عن العمل مع الجماعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار».

‏وأما الميتة على الكفر عمن فارق عقيدة جماعة المسلمين أي عقيدة الإسلام بارتداده إلى الكفر.

‏لهذا فلا يجوز أن يصف أحد جماعته بأنها جماعة المسلمين ولا أن يدعي كفر من لم يبايع هذه الجماعة، لأن جماعة النبي قد تخلف عنها قوم ولم يحكم القرآن بكفرهم إنما يحكم بكفر من خرج على عقيدة المسلمين وارتد عن الإسلام، ولهذا لم يحكم الإمام علي بكفر من خرج عليه وحاربه وجماعة المسلمين في عصره بل وقال عن الخوارج: «إنهم من الكفر فروا».

ثانيًا: تحطيم المجتمع والجماعات

‏يظن بعض الدعاة من الشباب أن جماعته هي جماعة الحق وأن من لم يعمل معها فعقيدته ناقصة، وبالتالي يجوز تحطيمه وتحطيم الجماعات التي لا تدين بفكره، بل وصل الأمر إلى حد القول بشرعية تحطيم المجتمع كله لأنه قد ارتد وكفر، وسند هؤلاء في تحطيم المجتمع هو الفهم الخاطئ لقوله تعالى﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (الحشر:4) وهذه الآية وردت في شأن يهود بني النضير وهي مسبوقة بقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 3-4) وذلك لسبب ذكره ابن القيم ورواه البخاري حيث إنهم تآمروا لقتل الرسول عليه السلام، ومع هذا فالأصل العام في الغزوات وما رواه مالك في الموطأ بعدم قتل امرأة ولا صبي ولا كبير ولا تقطع الشجر ولا يخرب شيء عامر، وكل ذلك منهي عنه في المعارك الحربية مع المشركين فمن باب أولى لا يباح مع المجتمعات الإسلامية.

‏ثالثا: تكفير أصحاب التأويل

‏إنه على الرغم من اتفاق أهل السلف على أنه لا يكفر المسلم برأي أو معصية فإن بعض الدعاة المعاصرين قد سارعوا بتكفير من قال بتأويل آيات الصفات وعلى الأخص من فهم ‏قول الله: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (طه: 5) على أنه الاستيلاء والقهر.

‏وهؤلاء أرادوا بذلك تنزيه الله عن الخلائق عملًا بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ﴾ (الشورى: 11) ولكنهم لو فوضوا أمر هذه المعاني إلى الله تعالى من غير تأويل ولا تعطيل كقول السلف «الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة» فكان ذلك أولى من التأويل؛ لأنه يؤدي إلى أن يصبح الله تعالى قادرًا بغير قدرة وعليمًا بغير علم.

‏ولقد حمل بعض الدعاة على أصحاب التأويل من المعتزلة وغيرهم وقال بكفرهم، لأن الاستواء بمعنى الاستيلاء يفيد أن الله تعالى قد انتزع العرش من غيره واستولى عليه من غيره وقبل كل ذلك لم يكن مستوليًا على شيء.

‏ونسي هؤلاء أن هذه العلة- أي لم يكن قبل ذلك مستوليًا- تنطبق على من قال بالفهم الغريب من التجسيم، وهو أن الله استوى على العرش وجلس على الكرسي، فيقال قبل ذلك لم يكن مستويًا عليه، ولهذا فالتفويض هو الأولى حيث يبعدنا عن التأويل وعن التعطيل والتجسيم، كما نسي هؤلاء أن أهل السلف لم يكفروا المعتزلة بتأويلهم هذا للقاعدة الأصولية «لا يكفر المسلم برأي أو معصية».

ولكن الإخوة تمادوا في تكفير أصحاب التأويل كما تمادوا في تكفير الصوفية الذين قالوا بشرعية التوسل إلى الله بأحد من خلقه بطريق الدعاء، مع أن الإمام ابن تيمية قد قطع بأن هذا يفيد أنه قد استغاث بالله ولم يستغث بمن توسل به من الناس.

‏كما تمادى أصحاب كتاب «الجماعات الإسلامية» فرموا الإمام البنا وجماعته بفساد العقيدة لأنهم عفوا ألسنتهم عن الطعن في مسلمين بالكفر، لمجرد أنهم تأولوا آيات الصفات أو تأولوا معنى التوسل.

‏وهؤلاء الإخوة يعلمون أن من أهل السلف من لجأ إلى التأويل كقول مجاهد والشافعي إن قول الله تعالى﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة: 115) أي قبلة الله، وأيدهم ابن تيمية في ذلك، وقال هذه ليست من آيات الصفات العقائدية. (ج3- ‏ص145) وكقولهم إن قول الله﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ﴾ (الحديد:4) ليس معية ذات بل معية علم وإحاطة.

‏فنرجو أن يدرك الإخوة جميعًا أننا لا نريد نصرة شخص أو جماعة على غيرهم ولا نريد إلا أن نعود جميعًا إلى ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عدم شق الصف بالخلاف وعدم التنابذ أو يكفر بعضهم بعضًا كما يحصل في عصرنا.. وبالله تعالى نعتصم ونتأيد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

604

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية