العنوان هل «الإسلام السياسي» هو الذي فشل أم خصومه؟ (1 من ٥)
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 16-مايو-2009
مشاهدات 72
نشر في العدد 1852
نشر في الصفحة 66
السبت 16-مايو-2009
أصبح مألوفًا لدى المتابعين لما يصدر عن دوائر غربية مهتمة بمتابعة مسار ما يُسمى «الإسلام السياسي» - وما أكثرها - أن يتوقعوا منها عقب كل حدث مهم في الساحة الإسلامية - مثل بروز ظاهرة العنف السياسي وانكسارها في مصر والجزائر، أو ظهور ممارسات سلبية لأنظمة منسوبة للإسلام السياسي في السودان أو إيران أو أفغانستان، أو نسبة حوادث إلى بعض أجنحتهم، أو تراجع حركة إسلامية عن نسبة حصلت عليها في انتخابات سابقة - أن يتوقعوا صدور كتابات تزف إلى الرأي العام الغربي، وإلى النخبة المتغربة بشرى انهيار المشروع الإسلامي وبلوغه نهاياته، وأنه لا قيام له بعد اليوم!
حتى أن الماكينة وتمويلاتها التي كانت متجهة لتفكيك الاتحاد السوفييتي السابق، تم تحويلها في اتجاه الإسلام منذ بداية التسعينيات، كما ذكرت لي ذلك البروفيسورة «إيفون حداد» الرئيسة السابقة لجمعية المستشرقين الأمريكان.
ورغم أن هذا التبشير المضاد قد لا يكون مضرًا للإسلاميين بل قد يكون نافعًا، لأن هذه الكتابات ليست مقروءة في أوساطهم حتى تؤثر في توهين عزائمهم، فقد تخذل عنهم بعض الشيء، فتخفف من حدة الكيد لهم في دوائر القرار الغربي، فتطمئن من غلوائها أو من شر أتباعها في بلاد العرب والمسلمين، فيطمئنون بعض الشيء إلى أن الشر أكل بعضه بعضًا، وانهار من داخله فلا حاجة لتجييش الجيوش وصرف الفلوس، بعد أن استنزفت الخزائن القارونية في مطاردة «الإرهاب الإسلامي» حتى أذن مؤذن الرأسمالية بالرحيل في أثر شقيقه الأحمر، وكل ذلك في علاقة مباشرة بما يسمى «الإسلام السياسي».
غير أن هذا التطمين المتكرر بانقضاء نحب الأشرار سرعان ما تأتي المفاجآت تنقضه ويبرز التنين وكأن رؤوسه لا تنتهي، كلما اجتث واحد حل محله آخرون أشد فتكًا!! وإذا صحت نسبة تفجيرات ١١ سبتمبر ۲۰۰۱ م إلى من نسبت إليهم - وهو عمل بقطع النظر عن فاعله لا يستحق من مسلم إلا الإدانة دون تحفظ والتعاطف مع ضحاياه بنفس القدر مع ضحايا كل أعمال الإبادة المماثلة بل الأشد الجارية في العراق وفلسطين والشيشان وغيرها - تكون كل توقعات أجهزة الاستخبارات العملاقة ومراكز البحوث العظمى المتابعة عن كثب لتحركات «الإسلام السياسي» قد منيت بفشل ذريع، قد يحملها على الكف عن التوقع أصلًا وإعادة النظر في مناهج بحوثها، وما بنيت عليه من مبادئ وفلسفات.
أما أهل المشروع الإسلامي المنعوت بـ الإسلام السياسي وهي تسمية لا يقرها أصحاب المشروع بحكم تكامل الإسلام ورفض تجزئته، فممتلئون بقناعات مستندة إلى عقائد وشواهد واقعية أن الإسلام - باعتباره دين التوحيد المطلق- تنبثق عنه رؤية شاملة للكون والإنسان والحياة يمتزج فيها الفلسفي بالعملي، والفردي بالجماعي، والأخلاقي التعبدي بالاقتصادي، والأخروي بالدنيوي.. وهي رؤية متعالية عن الزمان والمكان بحكم مصدرها الإلهي، غير أنها في تنزلها إلى حياة الناس تتخذ أشكالًا مختلفة، فتتلون بلون الأرض ولكنها تظل في سعي دؤوب للاصطباغ بصبغة الله وللالتحام بالمطلق.
ومهما اقتربت منه لن تبلغ حد التماهي به، بما يلغي كل فلسفة حلولية تدعي تمثيل الحقيقة المطلقة في شكل دولة تدعي تجسيد المطلق، أو في شكل مؤسسة كنسية، أو عبر أي شكل آخر، بما يبقي الخطأ ممكنًا ومغفورًا بل مشجعًا عليه ومأجورًا من خلال فتح باب الاجتهاد والتشجيع عليه، من أجل تمثيل الحقيقة المطلقة في سياق حركة الزمان وتطور المعارف وتعقد المشكلات واختلاف المكان.
وفي غياب النبوة ورفض أي ادعاء حلولي في أي شكل كان، لا يبقى غير سلطان الفكر والحجة والاجتهاد بلا نهاية للاقتراب من الحقيقة المطلقة التي يمثلها الوحي باعتباره إرادة الله.. ولكن الوحي نص قابل لاحتمالات لا متناهية للتفسير، بما يؤول بالأمر إلى الأمة كلما تعلق الأمر بشأن عملي، فإجماعها أو ما يقرب منه - كالأغلبية - هو السبيل الوحيد لترجيح تفسير عن آخر، وهو ما يجعل كل الفهوم التي تقدم للإسلام مستندة إلى أصول معتبرة في التفسير، وما يتأسس عليها من تطبيقات وتجارب عملية هي من جهة إسلامية باعتبارها مستندة لأصول الإسلام، ولكنها بشرية باعتبارها مجرد اجتهادات لا تلزم غير أصحابها، وما دام مجال الاجتهاد مفتوحًا فهذه الآلية كفيلة بتصحيح التأويلات المعوجة الفاسدة.