العنوان دمعة حرَّى على رحيل د. عصام الشربيني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 14-نوفمبر-2009
مشاهدات 57
نشر في العدد 1877
نشر في الصفحة 35
السبت 14-نوفمبر-2009
•لم أشعر من قبل بشعور اليتم» إلا في يوم الجمعة 6 نوفمبر ۲۰۰۹م.. يوم أن وارينا الثرى - أستاذنا وفقيدنا العظيم د. عصام الدين حامد الشربيني.. لقد مات أبي - يرحمه الله - عن عمر يناهز ٥٦ سنة ولم أكن موجودًا عند الوفاة، ولذلك قصة، ثم ماتت أمي - يرحمها الله - ودفنت بإمارة الشارقة ولذلك قصة أخرى، ثم مات شقيقي المحامي محمد المؤتمن - قبل ثلاث سنوات يرحمه الله - وحرمت من حضور جنازته ولذلك قصة ثالثة، ولقد تأثرت بغياب أولئك جميعا لكن أشهد أن التأثر بموت فقيدنا يختلف نوعًا وعمقًا.
•إن عثور المرء على أخ يتفق معك في الرؤى حول الأحداث والمواقف والأشخاص يعد أمرًا نادرا في زمننا هذا، فما بالك إذا كان الأمر ليس اتفاقا في الرأي وحسب، ولكنه اتحاد تام، هنا يتجلى حجم المصاب وفداحته.
•لقد ألزمت نفسي أن أزوره دائما، يوم أن تفرق عنه العاقون!!
وفي الفترة الأخيرة، كثفت من زياراتي له فما من أحد يزورني من خارج الكويت إلا وأخذه معي إليه، كان هذا قبل قدوم شهر رمضان ثم العيد وبعده، جاء - من البحرين - عبد الرزاق المحمود، وكثيرا ما كان يراه قبل الغزو العراقي ورغم دخوله المجال الصوفي البحث، إلا أنه ارتاح له كثيرا.. وجاء من ماليزيا محمد رسلي - مندوب الحزب الإسلامي.. وجاء من اليمنومن بريطانيا، وكان آخر هذا الرهط الكريم من الكويت - فضيلة الشيخ أحمد الجمل حيث كان آخر من زاره قبل وفاته بحوالي عشرة أيام.. ولأنه من بلدته المنصورة، حيث نشأ، فقد طالت الجلسة، وجاء ذكر الرجل العظيم د. محمد خميس حميدة عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان - يرحمه الله - ودوره في أحداث عام ١٩٥٤م.. وطلب مني الفقيد أن آتي بالشيخ الجمل مرة أخرى.. ليواصل الحديث معه، خاصة وأن والد الشيخ كان عضوا في الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين.
•قال عبد الله بن مسعود: من أراد منكم أن يستن فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن فتنته... وأشهد من خلال معايشتي وصحبتي التي امتدت لأكثر من ٤٤ عاما، أن أخانا الفقيد كان حريصا على كمالات السلوك عملا وليس قولا وتنظيرا، وينتظم - في هذا - عمله الطبي وعمله الدعوي، ولعل أبرز القيم التي كان يتحلى بها قيم الزهد والثبات والوفاء، وقول الحق، وعدم السكوتعلى العوج.
• كان زاهدًا بحق في المسكن المتواضعوفي المأكل والملبس، ويتحرى الحلال في كل ذلك، ولقد صاحبته في سفر وتعاملت معه بالدينار، وأشهد أنه من الصادقين.
كان معرضا عما ألفه البعض من زخرف الدنيا، وكانت سعادته في غشيان مجالس العلم، وكم كانت نفسه في حبور يوم زيارة العالم الجليل فضيلة الشيخ بدر المتولي عبد الباسط»، وكان يحرص على أن أكون معه في ضيافة هذا العالم الجليل، وكان دائما يذكر بالإجلال والتقدير العلماء الأثبات محمد أبو زهرة عبد الوهاب خلاف علي الخفيف عبد الله دراز محمود شلتوت محمد
الخضر حسين، وغيرهم.
إنه بقدر ما كان عازفا عن حطام الدنيا، كان نهما إلى سماع ومطالعة مواريث السماء.
•وفي الثبات كان على خط الإمام البنا رضي الله عنه وأرضاه في الجنة، وقد عايشه واقعا وممارسة.
وفي مجال الوفاء»، كان في قمة هذه الخصيصة التزاما وأدبا، نحو دعوته ورموزها الكبار، فإن ذكر أستاذنا د. حسان حتحوت يرحمه الله فيذكره على أنه أستاذنا، رغم أن فارق السن لم يكن كبيرا خمس سنوات فقط وكان يقول لي: يا شيخ مأمون خل إخوانك يطالعوا ما كتبه أستاذنا حسان: «العقد الفريد. ١٩٤٢ - ١٩٥٢م، وعلى هذا ألقى الله»، إن هذين الكتابين بهما من المفاهيم ما يعتبر زادًا بعيدًا... بعيدا جدا عن خط النفس، وكان يصف أستاذنا د. توفيق الشاوي يرحمه الله بأنه ولد كبيرا وعاش كبيرا..
ثم يذكر أستاذ الجميع، أستاذنا محمد فريد عبد الخالق - آخر عضو المكتب الإرشاد في زمن الإمام البنا - وكان أول رئيس لقسم الطلبة في الجماعة منذ الأربعينيات - والجميع تربى على يديه، ولكن فقيدنا حزين»، لأن أستاذ الجميعما زال حيا، ولكن البعض يهجره، ولا يزوره ولا يستثمر الكم الهائل الذي يملكه من تراث الجماعة.
•وفي مجال قول الحق وعدم السكوت علىالعوج، فحدث ولا حرج.. فقام ناصحا ومنبها إلى بعض الأخطاء التي تراكمت دون علاج.. ثم محذرًا عما تؤول إليه الأمور، لقد جاءت إليه المسؤولية، ويوم أن وجدها تحيد - تحت ضغط البعض تركها ولم يبالِ.
•وهنا أسجل له آخر ما قاله عن مصر:
أ - أنا لا أسمح لنفسي ولا أرضى لغيري أن تهاجم بلدي مصر من أي إنسان خارج مصر.. من يريد أن يهاجم ويظهر قوته فليذهب إلى هناك وما يسمى بـ لجنة إنقاذ مصر في لندن وغيرهاأمور خاطئة لا نقرها ولا ندعو إليها.
ب - مصر هي القضية المركزية، ولن تحل قضية فلسطين اليوم وغدا إلا إذا حلت قضية مصر.. وذلك بأن تعود «مصر كبيرة كما كانت.. لقد أهملنا هذا وأخذتنا العاطفة، وشحذنا كل الهمم والطاقات، ولم نقصر في المدد المالي والبشري - وأنت تعلم هذا وشاركت فيه - ونسينا تماما بلدنا، لابد من إعادة ترتيب جدول الأولويات، كان الإمام يستطيع إرسال آلاف المتطوعين لفلسطين، لكنه أرسل الأحاد فقط وليس من كل الشعب، لماذا؟ لأنه كان يرى أن المعركة الحقيقية ليست هناك في فلسطين.. إنها هنا في مصر، هل يعي إخوانك الآن هذا البعد الإستراتيجي أم أن العاطفة التي نشأنا عليها وظلت معنا إلى الآن هي المحرك لحركتنا؟
•لقد استرسلت كثيرا والحديث ذو شجون ولكن حسبي أن أذكر شيئا مما كان يعتمل في صدر الرجل قبل وفاته مباشرة، لعله يلقي الضوء على بعض ما كنا نجهله من فكر الرجل الذي عركته الأحداث وتطور معها، وأصبح يمتلك وضوح المنهج، ويمتلك أدواته الصحيحة في آن واحد، ومن هنا تأتي خسارتنا الحقيقيةالتي عبر عنها الشاعر:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض.. فحسبك مني ما تجن الجوانح
فما أنا من رزء وإن جل جازع.. ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حي سواك ولم تقم.. على أحد إلا عليك النوائح
نابغة في الطب.. أحد تلامذة البنا.. جاهد في فلسطين ومنطقة القناة
فقدت الحركة الإسلامية واحدا من أبر أبنائها، وهو الدكتور عصام الشربيني الذي توفي في الكويت فجر يوم الجمعة ۱۸ ذو القعدة ١٤٣٠هـ / 6 نوفمبر ٢٠٠٩م.
ويعد د. عصام يرحمه الله (۸۱) عاما واحدا من تلامذة الإمام الشهيد حسن البنا، فقد التقى به وتعلم منه، وظل ثابتا في مدرسته حتى آخر يوم في حياته، وهو في نفس الوقت أحد أعلام العمل الطبي والخيري الإسلامي.
ولد بمحافظة الدقهلية بدلتا مصر في ۱۹۲۸/٤/٢٠م، وقدم إلى الكويت في عام ١٩٥٩م. وعمل استشاريا للأمراض الباطنية في مستشفى «الصباح» أحد أكبر مستشفيات الكويت وقد أهله نبوغه في الطب ليكون أحد أطباء سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، وقد ترك بصمة واضحة في تطوير العمل الطبي في الكويت، كما مثلها في العديد من المؤتمرات الطبية العالمية، ورغم بلوغه سن التقاعد ظل على رأس عمله الطبي حتى قبيل وفاته.
وإلى جانب نبوغه الطبي، نشأ الراحل في أسرة محافظة ومتدينة حيث كان أخواله يملكون مطابع الحلبي» التي كانت تطبع المصحف الشريف وتصدره إلى جميع أنحاء العالم، وكان لهذه البيئة أكبر الأثر في تشكيل وعيه الإسلامي وتعزيز اهتمامه بقضايا الأمة الإسلامية.
وفي شبابه شارك ضمن كتائب الإخوان التي جاهدت على أرض فلسطين ضد الصهاينة، كما شارك في كتائب الإخوان التي جاهدت الاستعمار الإنجليزي في منطقة قناة السويس بمصر. ويعد د. عصام الشربيني أحد مؤسسي الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت، وكان من المشاركين الفاعلين في اجتماعاتها الدورية، كما كان يرحمه الله من المهتمين بالعمل الخيري والداعمين له، وأحد المتبرعين للهيئة.
وقد أصدرت كل من جمعية الإصلاح الاجتماعي، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بيانين نعت فيهما إلى الأمة الراحل الكريم، وشددت الهيئة والجمعية على أن الراحل كان من رموز العمل الإسلامي الذين انشغلوا طوال حياتهم بهموم الدعوة والعمل على نشرها وتنمية الوعي الإسلامي للشباب، كما كان من المؤمنين بالفكر الإسلامي الوسطي، وكان طيب الله ثراه محبوبا في كل الأوساط التي عمل بها، ومتواضعا ودمث الخلق، ومحبا لإتقان العمل، وحريصا على التمسك بالقيم والأخلاق الإسلامية في جميع شؤون حياته.
نسأل الله سبحانه أن يتغمد د. عصام الشربيني بواسع رحمته، وأن يلهم آله وذويه وتلامذته الصبر وحسن الجزاء، وأن يرزقه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون...
رحمك الله رحمة واسعة
هو واحد من جيل العمالقة الذين عملوا في صمت وبلغوا درجة جديرة بالاحترام في العلم والجهاد والدعوة إلى الله.. ثم رحلوا في صمت!
هكذا كان د. عصام الشربيني النابغ في مهنته كطبيب، وصاحب المكانة النبيلة بين الناس.. إذا اقتربت منه جذبك هدوؤه الملحوظ وخلقه الرفيع، ولكن ذلك كان وراءه فكر عميق وثقافة موسوعية ومتابعة دقيقة لكل ما يجري على الساحة الدولية أو الساحة الطبية مجال تخصصه.
فقد ظل يعمل في مهنته حتى آخر حياته، ولم يغب عن أي من المؤتمرات العلمية التي أتيح له حضورها، وظل مشغولا بهموم أمته ودعوته حتى آخر نفس. كان إذا تحدث بصوته الهادئ يجذبك إليه بسلامة منطقه وعمق تفكيره وإحاطته بالموضوع من كل جانب، وكان إذا تناول قضية يغوص فيها بمهارة الجراح ليعالجها من شتى جوانبها.
تعرفت عليه في الكويت، والتقيته في منتديات وملتقيات ومناسبات عدة، وكان دائما جاهزا بالموضوع الأكثر فائدة لمن يحاوره وكأنه يعيش معه، فلا يتردد في النصيحة إذا طلبت منه، وأية نصيحة؟ نصيحة رجل امتلك كنزا من التجربة والخبرة المتنوعة، كمن امتلك بستانا فريدا.
الأهم أنك كلما التقيته يزداد ارتباطك به لأنه يزرع فيك حبا فطريا، وأشهد أن الرجل تبوأ في القلب مكانة ازدادت نقاء وثباتا مع الأيام ولست أبالغ أن كل تلك المعاني تملكتني وأنا واقف على قبره بين أبنائه وأحبابه ومعارفه نواريه الثرى، حيث شعرت بأن شيئا عزيزا ينتزع مني انتزاعا، ولا تجدي معه غزارة الدمع وشدة الشوق، فليس علينا أمام جلال الموت إلا التسليم بقضاء الله وقدره.
أسال الله أن يجمعنا به في مستقر رحمته في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
شعبان عبد الرحمن