العنوان هل تشرق أمة الخلود من جديد؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994
مشاهدات 69
نشر في العدد 1101
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 24-مايو-1994
لم تمتحن أمة من قبل بأثقال من المتاعب
والكوارث والأدواء بمثل ما امتحنت به الأمة الإسلامية، وكان بعض ذلك كافيًا للقضاء
على دولة الفراعنة والأكاسرة في الزمن القديم، وقليل منه قاضيًا على أوروبا
وأمريكا في العصر الحديث، وهذا ما يظهر الفارق الواضح والبين بين عظمة الدين وعظمة
السياسة، فإن دولة السياسة تذهب ولا تعود، ولكن قوة الدين تبقى من وراء الأمم
والحكومات كأنها الينابيع العذبة تتجدد رغم الأقذار ولا تستسلم للفناء أو الزوال،
لقد مضت على الأمة قرون أربعة ما بين القرن الحادي عشر والقرن الخامس عشر، وهي في
منازلة للجيوش الصليبية، وقبل الحروب الصليبية وبعدها كان العالم الإسلامي عرضة
لأهوال الغارات من قبل آسيا الوسطى، التي كانت ترسل الفوج بعد الفوج من عشائر
التتر والمغول بقيادة سفاحين كبار ليس لهم مثيل في تاريخ الهمجية والوحشية من
أمثال جنكيز خان، وهولاكو، وغازان، وتيمورلنك وأضرابهم من الذين كانوا لا يفهمون
معنى الغلبة، إلا أنها القدرة على الفتك والتدمير وإشاعة الخراب، وإن أعظم
المنتصرين من يقاس انتصاره بعدد القتلى وكثرة الأشلاء وكمية الجماجم، وعدد ما أبيد
من القرى والمدن في البلاد.
ثم جاءت بعد ذلك موجات وموجات إلى أن جاء
القرن التاسع عشر، وضربت الخلافة الإسلامية وقسمت البلاد الإسلامية، ووقعت
تحت احتلال بغيض عسكري وفكري أكل خيرها وشتت قواها وانتهبها وسلط عليها
من أبنائها وبني جلدتها من فعل بها الأفاعيل، هذا ونحن نعرف كثيرًا من
المؤرخين يستغرب صحوة الإسلام بعدما تلقاه من ضربات وحلت به من كوارث منذ القرن
العاشر إلى القرن العشرين للميلاد، ويزداد دهشة وغرابة حين يقرر أن الإسلام لم يزل
له وحدة إنسانية هائلة تتخذ مكانها بين الأمم، كما أن له حيوية وقدرة باهرة على
الجنب والأحياء وتلبية الأشواق الإنسانية، وهضم المدنيات والحضارات وتوجيهها إلى
نفع البشرية وريادتها، بغير ظلم أو كبت أو معايير فاسدة، لأن الناس يتفاوتون عنده
ولكن بالعمل والجهد والإنتاج النافع ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:
٩٥). كما فضل الناس بالعلم والنفس الطيبة فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١). كما
حض أتباعه على الصبر في سبيل الفلاح وجعله مفتاح الفوز والغلبة فقال: ﴿إِن
يَكُن مِّنكُم عِشرُونَ صَابِرُونَ يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم
مِّاْئَة يَغلِبُواْ أَلفا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (الأنفال: ٦٦) بهذه
التعاليم المضيئة، وهذه العقيدة الشاملة غلب المسلمون أقوياء الأرض، ثم صمدوا
لغلبة الأقوياء عليهم يوم دالت الدول وتبدلت المقادير وذاق المسلمون باس قوة
أعدائهم، ولئن كانت حالة الصمود حسنة في مواقف الضعف، فحالة شمول العقيدة وبقاؤها
صالحة للنفس الإنسانية في جملتها، والعالم الإنساني على اختلاف نزعاته أكثر حسنًا،
فإن الغد المأمول لهذه الرسالة الإسلامية، ليكونن أكرم مع هذه القوة وهذا الشمول
إذا وجد روادًا كرامًا يكشفون عنه ويربون عليه جيلًا للنصر والإبهار، وقد فطن لهذا
قلة من الرواد المخلصين في العصر الحديث فأشعلوا الفتيل ونادوا الأمة فتجمعت طلائع
في وسط التيه، وأقبلت عزائم في زحام الهزائم وتسارعت عقول في بحور الشرود، وكانت
بشائر الصحوة، من هؤلاء: المفكر الإسلامي العظيم محمد إقبال، الذي نادى في الأمة
في فترة حالكة حين دب اليأس في قلوب مسلمي الهند عند انهيار الخلافة
الإسلامية «العثمانية»، انقلب محمد إقبال مناديًا يثير الحماس وينفخ في
المسلمين روح الإباء، ويُذكِّر المسلمين بدورهم الرائد ومكانتهم القيادية ورسالتهم
الخالدة التي لا تنطفئ شمسها بذهاب الحكومات وانقلاب الدول، فكان مما قال:
أيها المسلم العظيم.. تقدم، فأنت يد القدرة
الإلهية ولسانها وترجمانها، جدد فيك الإيمان واليقين، فقد عراك الظن والتخمين
أن مقامك ومنزلك وراء هذه القبة الزرقاء والسموات العلا، وأن ركبك يمشي فوق
النجوم النيرة والكواكب المتلألئة.
أنت أيها المسلم سر «كن فيكون»، فانكشِف عن
نفسك قبل أن تنكشف على غيرك، وبُح بسرك وكن أمين الذات وترجمان الرب، لقد قطع
الهوى والطمع بني آدم إربًا إربًا، ومزقهم شر ممزق، فكن أنت أيها المسلم نغمة
الأخوة الحانية ولسان الحب البليغ.
علّم البلابل دروس التغريد، وانفخ في الطيور
روح الخفة والنشاط، وافتح أكمام الزهور والرياحين، فأنت نسيم السحر
ونفخة الروضة الندية، اسبر أيها المسلم أغوار الذات وانزل في الأعماق فإنها
سر الحياة، وارفع عن نفسك نير الصباح والمساء، وحطم قيود الزمن وكن خالدًا
سرمديًّا أبدًا.
إن رسالتك أيها المسلم حارسة وأمينة لإمكانات
الحياة وأسرار الوجود وفطرتك حافظة واعية لغاية الخلق والأمر، فأنت المحك الأصيل
لجوهر الكون وسر الحياة، وإن ما حملته النبوة من تحفة غالية وهدية ثمينة من عالم
الماء والتراب إلى عالم الخلود الذي لا يزول ولا يحول، إنما هي أنت وقد انكشف هذا
السر الدقيق بماضي الأمة الحنيفية السمحة البيضاء، فأنت أنت الوصي على
هذه الشعوب والأمم التي تقطن الأرض.
من الذي يستطيع أن يقدر قوة المؤمن وصولته؟ إن
نظرة منه والتفاتة تكفي لتغيير المقادير وقلب الأوضاع، وهل الولاية والصلاح
والغلبة والسلطان، وعلم الأسماء، وسعة الإدراك إلا تفسيرًا لكلمة الإيمان، ولكن
بعد كل ذلك يحتاج الإيمان إلى مناخ يفرح فيه، فلا تغني العقول الراجحة والأفهام
اللامعة في الرق والعبودية فتيلًا، فلا تتحطم سلاسل العبودية وأصفاد الذل والصغار
إلا بطعم الإيمان وذوق اليقين.
فيا لهول الواقع المرير أن يفترس الإنسان بني جلدته وأعضاء أسرته، ويظل الإنسان المسلم إلى يومنا هذا فريسة بائسة في يد الدكتاتورية العاتية، فهل آن لجند الحق أن يُسمعوا الدنيا هذا النداء الحبيب من جديد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ٨١)؟ نسأل الله ذلك.