العنوان إلى الأبطال الذين أيقظوا في أعماقنا روح العزة
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988
مشاهدات 78
نشر في العدد 860
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 29-مارس-1988
من أنجع جوانب
المأساة استمرار مسيرة الخطأ في حياة الجميع دون اعتبار لأكداس الضحايا.
هل بقي في العرب
والمسلمين من يتذكر قصة الهدنة التي أوقفت دفعة الجهاد الجاد من أجل تحرير فلسطين؟
لقد أثقلت
الأحداث المتلاحقة ذاكرة العرب والمسلمين، فتبلدت حتى لم تعد صالحة لاستحضار
الماضي، الذي لم يتجاوز عمره العقود الأربعة من السنين. ومعذور الإنسان الذي
يُرضَخ رأسه بالحجارة إذا لم يملك القدرة على إحصاء الضربات والتفكير في أسبابها
ودوافعها، وما أحوجه في مثل هذه الحال إلى من يسجل له مشاهدها لكي تتاح له
مراجعتها كلما وجد إلى مراجعتها سبيلًا.
والحق أنها لم
تكن هدنة واحدة، بل سبقتها أخرى هي التي مهدت الطريق لفرضها على القوى المؤمنة،
التي سرعان ما وجدت نفسها محاصرة من قبل الأنظمة التي نفضت أيديها من فكرة
المواجهة، لتتخذ لها سبيلًا آخر في لعبة الشطرنج الذي خطط له الماكرون ألا يخرج من
تعقيد حتى يدخل في تعقيد أشد وأدهى.
كانت الدفقة
الإيمانية قد بلغت أشدها في مواجهة العصابات اليهودية في أعقاب انسحاب القوات
الإنجليزية من الأرض المباركة بعد أن رسخت أقدام هذه العصابات، وفتحت لهم مستودعات
أسلحتها يتزودون منها بكل ما يعوزهم لتثبيت وعد بلفور، ولصد هجمات المدافعين عن
أوطانهم وأعراضهم من شباب الإسلام. ولكن هذه الأسلحة قد عجزت عن وقف التيار المؤمن
الذي أوشك أن يقوض آمال المعتدين ومن وراءهم من متآمري الشرق والغرب، فلم يبقَ
أمام هؤلاء إلا الاستعانة بأصدقائهم من حكام العرب، وهكذا تمت الهدنة الأولى التي
مكنت المعتدين من تنظيم صفوفهم واستقبال ما ينقصهم من الإمدادات الروسية والتشيكية
والأمريكية، على أن هذه المرحلة لم تكن خيرًا لهم من أختها. فكان على أعوان
اليهودية أن يستأنفوا محاولتهم في الحصول على هدنة ثانية، فتم لهم ما أرادوه عن
طريق فاروق؛ إذ سرعان ما انعقد مؤتمر وزراء خارجية العرب في مصيف عاليه -لبنان-،
وهناك طرح ممثله النقراشي العرض الأمريكي بطلب الهدنة الثانية مقابل الوعود
المعسولة بإنصاف عرب فلسطين. بيد أن الوزراء أعربوا عن شكوكهم في نوايا أمريكا
التي لا تريد من مطلبها هذا سوى انتهاز الفرص لرفع طاقة ربيبتها إلى الحد الذي
يكفي للقضاء على كل مقاومة عربية. وهنا فوجئ المؤتمر بالإنذار الحاسم يقدمه
النقراشي، وملخصه أن على الدول العربية -السبع- أن تختار أحد أمرين: إما قبول
الهدنة وملحقاتها من التدابير المانعة لاستمرار القتال، أو انسحاب المملكة المصرية
من صفهم.
وفي هذا الجو
المحموم غلب الانفعال رياض الصلح -مندوب لبنان- فجعل ينتف شعره، وأخذ جميل مردم
-مبعوث سوريا- يضرب رأسه بالجدار. وكان مستحيلًا على القوم أن يخالفوا قرار مصر،
وهي كبرى القوى العربية، فنزلوا على رأيها مضطرين. ولا حاجة للتذكير بما كان لهذه
الهدنة المجرمة من الأثر في تحطيم الطاقات ونقل المسيرة من ساحة النضال الحق إلى
حلبة المؤامرات التي انتهت بخروج مصر أخيرًا من صميم المعركة وبتحويل فوهات
البنادق، التي استنزفت اقتصاد الدول العربية باسم القضية الفلسطينية، إلى صدور
العرب أنفسهم، ثم إلى المخيمات التي أنشئت لإيواء المشردين من أبناء فلسطين.
وها نحن أولاء،
بعد مرور 40 سنة على تلك الهدنة المشؤومة، لا نزال في المنحدر الذي دفعتنا إليه.
فبعد أن كانت الخطبة العنترية تتصاعد باسم تحرير كامل التراب الفلسطيني، وإلقاء
الغاصب الصهيوني في البحر، إذا هي تستحيل أخيرًا إلى أحاديث خافتة على موائد
المساومات لا تتجاوز من الوطن المغصوب حدود الضفة والقطاع، ويبذل أصحابها بقية
الطاقات في التماس التأييد لمطالبهم من الأيدي نفسها التي تعاونت على إقامة
إسرائيل في قلب فلسطين.
ولو حاولنا
إحصاء الوعود التي أطلقتها أمريكا وأعوانها في الخلف الأطلسي من أجل العمل لإيجاد
الحلول المعقولة لتعذر الوصول إلى الحاصل الصحيح؛ لأن القوم قد وثقوا من نجاحهم في
تخدير الإرادة العربية وشل طاقاتها بالتمزيق والخصومات، فليس أمامهم -والحال هذه-
إلا مواصلة الوعود، وتكرار الزيارات باسم استقصاء الحقائق لهدف واحد وأخير هو
القضاء على ما تبقى للقضية من رمق الحياة.
ولا جرم أن من
أفجع جوانب المأساة هو أن تستمر مسيرة الخطأ في حياة الجميع، دون أي اعتبار لأكداس
الضحايا التي لا تفتأ تتراكم على مختلف الساحات، سواء في الأرض المحتلة أو في
مخيمات اللاجئين من حولها، فلا تحدث من مردود أكثر من تصريحات تطلق أو احتجاجات
ترفع إلى المؤسسات الدولية، ثم تعود الحركة إلى السكون ريثما تقع الحلقة الجديدة
من سلسلة الكوارث.
ولئن كان مثل
هذا الوضع معقولًا في منطق السياسة، فهو مرفوض حتمًا في منطق الفطرة السوية، التي
لا بد فيها من ردود الفعل المناسبة مع كل صدمة تصيب النفس. ومن هنا جاء تململ
المظلومين ثم انفجارهم الذي يواجهه العالم هذه الأيام في ثوران القطاع والضفة.
قبل عامين لقيت
بعض حجاج الضفة الغربية وفيهم شيخ تطل أشباح المأساة من وجهه وعينيه وغضون جبينه،
فلا يكاد ينطق إلا في حدود الضرورة. وجرى حوار قصير بيني وبينه ختمه بهذه الكلمة
اللاهبة: "ليس بوسعكم أن تتصوروا المحنة التي نعيشها في ظلمات الاحتلال
اليهودي، ولا أملك من الكلمات ما يفي بوصف بعضها، حتى الموت أصبح نوعًا من الفرج
في أعين الجميع."
وصدق الشيخ في
تقريره اللاهب، وها هو ذا الرجل ينتهي إلى الانفجار، وقد استوى فيه الجميع شيوخًا
وشبابًا ونساء وأطفالًا، إنهم يواجهون الدبابات بالصدور، والرصاص بالحجارة
والمقاليع، وتقدم الأم وحيدها إلى ساحة الشرف وهي تشيعه بقولها: "في رعاية
الله يا حبيبي، وإلى اللقاء في عليين مع النبيين والشهداء والصديقين."
إنهم يخوضون كل
هذه الأهوال في تصميم حاسم على استقبال الموت بعد أن ملّوا من سلاسل المواعيد التي
لم يصدق منها شيء طوال 4 عقود، وقد هدموا كل الجسور التي تصلهم بالماضي المشحون
بالكذب والذل والتهجير ومحاولات الإبادة، وزحفوا لملاقاة أشرس عدو عرفه تاريخ
النكبات، وهم موقنون ألا مفر من إحدى الحسنيين: الحرية، أو الشهادة.
بهذا التصميم
استطاع العزل الأعزة أن يستقطبوا أنظار العالم كله لقضيتهم التي كاد يغيبها
النسيان، ويجتثها تقاعس أولي الأرحام. وكان لا بد أن تسري عدوى التفاعل إلى فرسان
الكلام من ساسة العرب والمسلمين، فيستأنفوا خطبهم في موضوع الأقصى والوطن السليب
وأسرى الهوان والتعذيب. وغير بعيد من هؤلاء آخرون لم يفهموا أسرار الانفجار، ولم
يجدوا في أنفسهم القدرة على التجاوب مع الدفعة الإيمانية -التي يسمونها الانتفاضة-
فراحوا يمدون ألسنتهم، ويسخرون أقلامهم للتنديد بها والتشكيك بدوافعها، كما فعلوا
ويفعلون بالنسبة إلى الجهاد الأفغاني، الذي نفخ روح العزة في قلوب المسلمين بعد
أحقاب من السبات المهين الذي أطمع به حثالة العالمين.
ولكن المؤسف
والمحير هو أن أولئك الفرسان لم يهتدوا حتى الساعة إلى الوسيلة المثلى للإفادة من
هذه الفرصة التي أتاحتها ثورة الإيمان، فاكتفوا بالصراخ والسباب للعدو، الذي قرر
المضي في عملية التقتيل والتكسير، والتهديم على مسمع ومرأى من العالم كله،
ومعتمدًا على الفيتو الأمريكي المستعد أبدًا لتدمير كل تحرك يسيء إلى إسرائيل.
وتبلغ الحيرة
قمتها عندما نرى أحد هؤلاء الفرسان يتقدم بعرضه العجيب لإخماد تلك الثورة المقدمة؛
إذ يقترح قيام هدنة بين حكومة الذئاب والمدافعين عن الحرم المستباح لمدة 6 أشهر،
يقف خلالها عمل المجاهدين والقتلة، ريثما يولد الحل الذي سيقرره المؤتمر الدولي
الذي لن يعقد أبدًا. وهو بذلك لا يزيد على أن يبعث من جديد هدنة النقراشي، التي
منحت المجرمين فرصة العمر لتمزيق الصف العربي، ولتفتيت القوى المؤمنة التي زلزلت
الأرض تحت أقدام صهيون وحلفاء صهيون.
وإلى جانب ذلك
الاقتراح الوارد من وراء البحار، يرتفع صوت مماثل من أعماق الأرض المحتلة يدعو
إسرائيل لضم الضفة والقطاع معللًا اقتراحه العبقري بأنه العلاج الوحيد لمعاناة
سكانهما، والخطوة السحرية التي ستجعل للعرب نوابًا في الكنيست الإسرائيلي يشكلون
القوة الشرعية، التي تستطيع الدفاع عن حقوقهم المهضومة وأرضهم المغصوبة.
وقد نسي هؤلاء
وأولئك أن جيل المأساة في الأرض المحتلة قد بلغ الرشد الذي حرره من قيود التبعية
والانتظار، فليس لأحد بعد اليوم أن يتصدر للكلام عنه، وهو إنما اختار طريق
المقاومة المستميتة نتيجة للتجارب المرة التي انتهت به إلى اليقين الحاسم بأن
خلاصه من القهر والفقر والذل موقوف على إيمانه بوعد الله للمجاهدين في سبيله، ثم
الاعتماد على نفسه في مواجهة العدو الغدار بكل ما استطاع من قوة، ولو باللحم
الأعزل، والحجارة المقدسة دون أي شيء آخر. وفي قلب كل مجاهد كلمة الصديق لسيف الله
خالد "اطلب الموت توهب لك الحياة"، وأنه والله للطريق الأقوم الموصل إلى
الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة، شقه جيل المأساة بتصميمه الذي أدهش الدنيا،
وكتب ميثاقه الجديد بالدم المتدفق من كل شهيد. فعلى كل من يهمه أمر هذا الشعب
العظيم بعد اليوم أن يلتزم بكل حرف من ميثاقه الذي يحدد الهدف الأعلى بأنه تحرير
الوطن السليب مهما طال الطريق، وتفاقمت التضحيات، وليس لحكام العرب والمسلمين من
مهمة في هذه المرحلة سوى أن يكونوا الجناح السياسي لثورة الإيمان، يمدونها بالعون
المادي والمعنوي، ويقفون وراءها صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص، ومن شذ عن حدود هذا
الميثاق شُدّ في النار.
وأما أنتم أيها
الأبطال الذين أيقظوا في أعماقنا روح العزة، وقد كادت تندثر تحت ركام الهوان،
فامضوا على بركات الله تحفكم عنايته، وتحوطكم دعوات المؤمنين، ويؤيدكم الأحرار
الشرفاء من سائر الأمم ومختلف أرجاء العالم، وأعلنوها مجلجلة مدوية أن الخزي
للمساومات الذليلة والحلول الزائفة، ومرحبًا بالجهاد والاستشهاد في سبيل الله.
أيها المجاهدون
الأعزة تذكروا أنكم في معركتكم المقدسة:
وقفـتم بين موت
أو حياة *** فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
وللحرية الحمراء
باب *** بكل يد مضرجة يدق
وحذار ثم حذار
أن تشغلكم عن زحفكم الأصوات الرسمية؛ فهي مقيدة بالاعتبارات الدبلوماسية ومصالح
الحكم. واجعلوا نصب أعينكم قول ربكم في وصف أسلافكم السابقين إلى الجَلَد:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران:173). وليكن شعاركم في مواجهة أسلحة العدو قوله تعالى
لأولئك الصابرين في البأساء وحين البأس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف:4)،
﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:35).
وحسبكم من
السعادة أن تكونوا من الذين يحبهم الله، والذين هم في معية الله ورعايته، وإنها
والله للمنزلة التي: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا
يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت:35).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل