العنوان الحركة الطلابية في الأردن.. دور متقدم في تبني قضايا الأمـــة
الكاتب أسامة عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 62
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
• سيطر القوميون واليساريون على انطلاقة الحركة الطلابية في الخمسينيات، ومنذ منتصف السبعينيات سيطر الاتجاه الإسلامي بصورة مطلقة
• بعد سبع سنوات من الجهود والمحاولات لم تر فكرة الاتحاد العام لطلبة الأردن النور بسبب المعارضة الرسمية
الحديث عن الحركة الطلابية الأردنية يكتسب أهمية خاصة نظرًا إلى أن شريحة طلاب الجامعات والكليات المتوسطة والمدارس يشكل نسبة كبيرة من عدد سكان الأردن قد تصل إلى النصف.. والساحة الطلابية تمثل إلى حد كبير صورة المجتمع الأردني من حيث الاحتجاجات والتوجهات السياسية والفكرية.
وقد بدأ نشاط الحركة في الأردن في وقت مبكر نسبيًّا ومنذ الخمسينيات، لم يكن في تلك الفترة جامعات في الأردن، فظهرت بذور النشاط الطلابي في المدارس الكبيرة، وتمت الدعوة في ذلك الوقت عام ١٩٥٤م إلى عقد مؤتمر عام في المنتدى العربي في العاصمة عمان، إلا أن الأوامر الرسمية صدرت بإغلاق المنتدى وتم منع عقد المؤتمر، لكن الطلبة تمكنوا من عقد مؤتمرهم بعد أسبوعين في المعهد الإسلامي بعمان، وحضره مندوبون عن الطلبة في مختلف المدارس الأردنية، وخرج المؤتمر بعدة توصيات منها: العمل على إقامة تنظيم طلابي أردني، وفي نهاية المؤتمر تم انتخاب لجنة طلابية أطلق عليها اسم «المكتب» التنفيذي للطلبة عام ١٩٥٤م، وكان قيام هذه اللجنة مقدمة لقيام لجان وطنية أردنية متعددة، وعقد المؤتمر الطلابي الثاني بعد ذلك بعام ١٩٥٥م والمؤتمر الثالث عام ١٩٥٦م، وبعد ذلك تبلورت فكرة اتحاد الطلبة العرب.
وفي عام ١٩٥٧م أدت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي نظمتها قوى قومية ويسارية في الأردن إلى انتكاسة في الحياة السياسية، ونظرًا إلى أن بدايات الحركة الطلابية الأردنية ارتبطت بصورة أساسية بالحركات اليسارية والقومية، فكان من الطبيعي أن تتعرض الحركة الطلابية للاستهداف حيث اعتقل المئات من الطلاب وتم تعطيل اتحاد الطلبة وانتقلت الحركة الطلابية إلى العمل السري تمهيدًا لهجرة ثقل النشاط الطلابي خارج الحدود إلى العواصم العربية.
وكان الطلبة الأردنيون قد شكلوا ومنذ عام ١٩٥٥م رابطة للطلبة الأردنيين في القاهرة، وفي عام ١٩٥٩م انعقد المؤتمر التأسيسي الأول لاتحاد الطلبة الأردنيين في القاهرة، وعقد المؤتمر الثاني في بيروت عام ١٩٦٢م وقد حضره ممثلون عن طلبة المدارس الأردنية، وفي ذلك العام تم إنشاء الجامعة الأردنية أول جامعة في الأردن، وقد فشلت محاولة اتحاد الطلبة الأردنيين إنشاء فرع له في الجامعة، واستمر الحال كذلك حتى عام ١٩٦٧م حيث شكل فرع للاتحاد العام في الجامعة الأردنية يتصل مع الطلبة في بغداد وبيروت.
عقد الاتحاد العام لطلبة الأردن مؤتمره الثالث في دمشق عام ١٩٦٨م وحضره ممثلون عن الجامعة الأردنية، لينتقل مركز النشاط الطلابي بعد ذلك إلى الساحة الأردنية بعد غياب استمر نحو ۱۱ عامًا شهد خلالها العديد من الانقسامات التي أثرت على أداء الحركة الطلابية؛ حيث ظهرت ثلاثة اتحادات طلابية: الأول يمثل حزب البعث، والثاني يمثل الحزب الشيوعي، والثالث يمثل حركة فتح، وقد فشلت كل المحاولات لتوحيد هذه الاتحادات، وقد كان الصراع على أشده بين البعثيين والشيوعيين. وفي عام ۱۹۷۲م شكل في الجامعة الأردنية «اتحاد طلبة الجامعة الأردنية».
ظهور التيار الإسلامي الطلابي
عام ١٩٧٤م كان بداية بروز الإتجاه الإسلامي في الساحة الطلابية، والذي أصبح فيما بعد الاتجاه الأكبر والأقوى، حيث سيطرمنذ ذلك الوقت على قيادة الحركة الطلابية، ففي هذا العام سيطر الاتجاه الإسلامي على اتحاد طلبة الجامعة الأردنية الذي لم يلبث أن تم حله بعد ذلك بقرار من رئاسة الجامعة بحجة أنه تدخل في أمور خارج اهتمام الطلبة، وفي عام ١٩٧٦م نشأت الجمعيات الطلابية التي بقيت هي صيغة العمل الطلابي في الجامعات الأردنية حتى عام ١٩٨٩م.
وقد شهدت هذه الفترة تنافسًا حادًّا بين الاتجاه الإسلامي وبين القوى اليسارية والقومية التي تجاوزت خلافاتها وكانت تتحد في غالب الأحيان لمواجهة الاتجاه الإسلامي دون جدوى، وقد كان هذا التنافس انعكاسًا وصدى للتنافس بين التيار الإسلامي والقوى الأخرى خارج أسوار الجامعات.
الحركة الطلابية والتحول الديمقراطي
شكل عام ١٩٨٩م نقطة تحول في مسار الحياة السياسية الأردنية، حيث تم العودة إلى الحياة الديمقراطية وألغيت فيما بعد الأحكام العرفية، ولذلك كان من الطبيعي أن تسعى الحركة الطلابية التي رضيت مرغمة بصيغة الجمعيات الطلابية، للحصول على مكتسبات أكبر باتجاه تمثيل موحد لطلبة مختلف الجامعات الأردنية بدلًا من الجمعيات الطلابية «الموقعة» في كل جامعة.
وقد بذلت الاتجاهات السياسية الطلابية جهودًا حثيثة من أجل العمل على إقامة اتحاد عام لطلبة الأردن، وأجريت انتخابات للجنة التحضيرية للاتحاد العام لطلبة الأردن في الجامعات وكليات المجتمع المتوسطة في عام ۱۹۹۰م، وفاز الاتجاه الإسلامي بغالبية مقاعد اللجنة، ففي الجامعة الأردنية حصل الاتجاه الإسلامي على ۸۱ مقعدًا من أصل ٨٤، وفي جامعة اليرموك حصل على ٤٦ من ٤٨ مقعدًا، وفاز بغالبية المقاعد في جامعة العلوم والتكنولوجيا وفي جميع كليات المجتمع المتوسطة التي أجريت فيها الانتخابات.
وكانت المهمة الأولى للجنة التحضيرية صياغة اللوائح الداخلية للاتحاد العام لطلبة الأردن لتبدأ بعد ذلك رحلة المطالبة بإقرار فكرة الاتحاد رسميًّا، حيث فشلت الجهود لاستصدار قانون بهذا الخصوص من مجلس النواب لسبب معارضة الحكومات المتعاقبة، رئيس اتحاد جامعة العلوم والتكنولوجيا قال: إن الاتحاد العام لطلبة الأردن هو مطلب عام ومشروع حضاري... وقد شكلنا المجلس التأسيسي للاتحاد العام منذ فترة والذي أثار القضية مع مجلس النواب، إلا أن الموضوع بقي في أدراج المسئولين، ولا بد من الإشارة إلى أن هناك عدم ارتياح أو عدم قبول من بعض الأطراف للاتحاد العام، بل وهناك تخوف من هذا الاتحاد، ويشير رئيس اتحاد جامعة اليرموك إلى أن هناك معوقات كثيرة تجثم أمام هذا الحلم الطلابي الكبير، فالحديث عن المعوقات طويل جدًّا. أما نائب رئيس مجلس طلبة الجامعة الأردنية عزام يونس فيشير إلى أن اللامبالاة بفكرة الاتحاد ظهرت وبشكل واضح، وينقل عن أحد رؤساء الوزراء السابقين قوله: «هل أنا مجنون لأعطيكم اتحادًا عامًّا؟!».
وعلى الرغم من وجود مجلس تأسيسي للاتحاد العام لطلبة الأردن إلا أن الاتحاد لم ير النور حتى اللحظة، والحال كذلك بالنسبة لفكرة نقابة المعلمين التي ما زالت الجهات الحكومية تعارض قيامها، وقد فسرت أوساط سياسية المعارضة الرسمية لإقامة اتحاد عام للطلبة ونقابة للمعلمين بخشية الحكومات من التأثير الكبير المتوقع لهاتين الواجهتين نظرًا لضخامة الشريحة التي تمثلها كل منها.
وفي ظل غياب الاتحاد العام فقد اقتصر التطور الذي حصل بعد انطلاقة الديمقراطية على قيام اتحادات طلبة موقعين في كل جامعة، ويلاحظ أن هناك خمس جامعات حكومية وأكثر من عشر جامعات أهلية خاصة سمح بإنشائها، والتوجهات السياسية الموجودة في هذه الجامعات تنقسم إلى ثلاثة توجهات:
الأول والأكبر: الاتجاه الإسلامي الذي يخوض الانتخابات باسم «كتلة الائتلاف الإسلامي».
الثاني: الاتجاه اليساري: ويخوض الانتخابات في «قائمة العمل الطلابي».
والثالث: الاتجاه الرسمي الحكومي الذي يخوض الانتخابات في «التجمع الوطني الطلابي- وطن».
وقد شهدت السنوات الماضية سيطرة مطلقة للاتجاه الإسلامي على جميع اتحادات الجامعات الأردنية، بحيث اعتبرت الساحة الطلابية مغلقة لصالح التوجه الإسلامي، فيما تراجعت قوة التوجه اليساري الذي انحسر بصورة كبيرة وتأخر حتى عن الاتجاه الإسلامي بعد أن كان المنافس الرئيسي والتقليدي للاتجاه الإسلامي، ويلاحظ أن نشاط الحركة الطلابية المنظم يكاد يقتصر على طلاب الجامعات، رغم أن طلبة المدارس في الأردن يشكلون الجزء الأكبر من شريحة الطلبة بخلاف الحال وقت الانطلاقة حيث كانت المدارس هي الساحة التي بدأ منها النشاط الطلابي.
ونظرًا إلى أن الشريحة الطلابية، وبخاصة في الجامعات تشكل جزءًا مهمًّا من النخبة المثقفة فقد لعبت دورًا طليعيًّا متقدمًا في تبني قضايا وهموم وطنها وأمتها، وكانت لها على الدوام مواقف إيجابية وبشكل خاص تجاه عملية التسوية السياسية في المنطقة، حيث عبرت مختلف اتحادات الطلبة عن موقفها الرافض للمفاوضات ولاتفاقيات السلام التي وقعت مع العدو، وقد وضعت الحركة الطلابية الأردنية برامج مفصلة لمقاومة التطبيع وبخاصة مع إسرائيل وأفشلت محاولات لاستضافة وفود طلابية إسرائيلية، وحين استضافت إدارة الجامعة الأردنية رئيس الوزراء السابق شيمون بيريز تم ذلك بصورة سرية وفي يوم الجمعة حيث العطلة الأسبوعية، وعندما علم الطلاب بذلك نظموا حملة لتنظيف أروقة الجامعة بالماء والصابون مما اعتبروه دنسًا صهيونيًّا في جامعتهم.
وتعتبر مناصرة القضية الفلسطينية إحدى الاهتمامات الأساسية للحركة الطلابية الأردنية، وقد أشارت أنظمة وتعليمات الاتحادات الطلابية إلى أن أحد أهدافها هو «مناصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص».
ولكن على الرغم من كل ذلك فإن قادة الحركة الطلابية يرون أن دورهم في المجتمع لا يزال محدودًا ويكاد ينحصر في الشريحة الطلابية. أحد رموز الحركة الطلابية قال: «نحن في الأردن لا يتجاوز دورنا حدود أسوار الجامعة، وذلك بسبب المعوقات» مشيرًا إلى أن دور الحركة الطلابية ما زال دون المأمول والمتوقع، ولكنه يشير إلى أن هناك توعية جيدة في أوساط الطلبة على الصعيد الفكري والسياسي تسهم في زيادة تفاعل الطلبة مع قضايا أمتهم ووطنهم.
وقد أسهمت الحركة الطلابية في الأردن بدرجة كبيرة في رفد الحركات السياسية وبخاصة الحركة الإسلامية بنخب واعية ومتقدمة من حيث قدراتها القيادية والإدارية، وقد لعبت الساحة الطلابية باستمرار دورًا مهمًّا في إبراز كثير من رموز العمل السياسي والاجتماعي، وهو ما دفع القوى السياسية إلى إيلاء اهتمام أكبر للعمل الطلابي، وإن كانت الحركة الإسلامية هي الأكبر اهتمامًا بالعمل الطلابي والأقدر على تفعيل طاقات الطلبة، رغم التضييقات الرسمية المفروضة على نشطاء الحركة الطلابية.