العنوان ما يجري في مالي اليوم محاولة إحياء لمشروع «صليبي» قديم
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013
مشاهدات 81
نشر في العدد 2040
نشر في الصفحة 16
السبت 16-فبراير-2013
- قاد «الفاتيكان» قديما الدعوة لاحتلال أفريقيا ومحاصرة الدولة الإسلامية.. وهو الدور نفسه الذي يقوم به اليوم
- فرنسا تسعى للسيطرة على «تومبوكتو» التي استعملها «السعديون» مركزًا ومنطلقًا لنشر الإسلام في أفريقيا
- لن يتوقف الأمر عند مالي.. فهناك نظامان على الأقل مرشحان للإطاحة بهما هما موريتانيا والنيجر
الحقيقة أن «الربيع العربي» لم يكن منطلقه الأول من بلدة «سيدي بوزيد» التونسية، بل إن زهوره بدأت من الجزائر، فقد كانت انتفاضة أكتوبر ۱۹۸۸م سببًا في إعلان الرئيس الجزائري «الشاذلي بنجديد» - يرحمه الله تعالى - عن دستور جديد للبلاد، وعن إلغاء نظام الحزب الواحد، وإقرار مبدأ التعددية؛ لتدخل البلاد في مسلسل «دمقرطة» انتهى إلى أول انتخابات نزيهة وشفافة في كل المنطقة العربية.
ولكن الديمقراطية في صيغتها الغربية عندما طبقت في بلاد المسلمين حملت إلى السلطة التيار الإسلامي الذي اكتسح صناديق الاقتراع؛ مما أرعب المستعمر «القديم - الجديد» وأتباعه؛ فأوعز بضرورة إيقاف المسلسل الانتخابي، بانقلاب أبيض أرغم من خلاله قادة العسكر.. وأذكر أن مجلة «ليكسبريس» الباريسية كانت حينها قد أجرت استجوابا مع المفكر الفرنسي «فرانسوا بورجات» قال فيه: «إنه كان يفضل أن تترك للإسلاميين فرصة ممارسة الحكم بما أن صناديق الاقتراع هي التي أوصلتهم إلى ذلك؛ لأن في الانقلاب عليهم استهتارًا بمبادئ الديمقراطية التي طالما تغنى بها من أوعزوا بهذا الانقلاب ومن نفذوه»، فبادره الصحفي بالقول: «ولكن هذا لا يمنع أن ما يقوم به الإسلاميون سيئ للغاية»، وهنا أجاب المفكر الفرنسي بقولة يجب أن نستحضرها في ظل ما تشهده مالي اليوم؛ وكذلك ما تشهده مصر وتونس، قال «فرونسوا بورجات»: «نعم، سيئ ولكنه سيئ لنا نحن فما الذي يسعى إليه الإسلاميون بالضبط؟ إذا حللنا عمق الأمور، فإن الإسلاميين يسعون في الحقيقة إلى استئناف مسلسل تصفية الاستعمار الذي تم إيقافه منذ ما يقارب النصف قرن بأشباه استقلالات».
السيناريو يتكرر
فـ «الربيع العربي» كما «انتفاضة ۱۹۸۸م» في الجزائر انتهى بثورات، انتهت بدورها إلى نفس ما انتهت به انتفاضة الجزائر، من دساتير جديدة وانتخابات نزيهة أدت هي الأخرى إلى ما أدت إليه انتخابات الجزائر من فوز للإسلاميين، ووصولهم إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع في كل من تونس ومصر والمغرب.
إن التدخل الاستعماري في مالي ليس بعيدًا عن نفس المخططات الاستعمارية؛ فهذا التدخل إنما هو إحياء لمشروع صليبي قديم كان قد أفشله الانتصار الماحق للإسلام على الحملة الصليبية التي قادها البرتغاليون في معركة «وادي المخازن»، التي كانت لحظة فاصلة بين الإسلام والتغلغل المسيحي في أفريقيا.
وحتى نفهم جيدًا معنى أن يكون التدخل الفرنسي هذه المرة هو تكرار لمحاولة التدخل البرتغالي في «غشت» سنة ١٥٧٨م، لا بد لنا من أن نرجع إلى ذلك العهد عندما كانت الدول الإسلامية رغم اختلافها وتفرقها تحكم نفسها وتتمتع بكامل سيادتها واستقلالها، فبعد أن قهر صلاح الدين الأيوبي جيوش الصليبيين في البر؛ حوصر أسطوله الضعيف في المياه الشرقية للبحر الأبيض المتوسط من طرف الأساطيل الأوروبية الهائلة؛ ففكر في الاستنجاد بملك المغرب يعقوب المنصور الموحدي، الذي كان له أسطول بحري هائل، ولكن بعض رجاله نبهوه إلى أن يعقوب المنصور قد يرفض طلبه نظرًا للخلاف العقائدي العميق بينهما، إلا أن آخرين نصحوه بأن يبعث إلى يعقوب المنصور طالبًا النصرة ويترك لهذا الأخير أن يقبل أو يرفض، فكان رد يعقوب المنصور أن أوقف بناء أكبر مسجد في العالم كان قد شرع في بنائه وهو مسجد «حسان»، وحول كل الخشب الذي هيأه للتسقيف حتى يعيد به بناء سفن أخرى تعوض المائة وثمانين قطعة بحرية التي أرسلها إلى صلاح الدين مع رسالة تقول ما معناه: «لا أستطيع أن أرسل إليك كل أسطولي، ولو استطعت لفعلت، ولكنني على ثغر في غرب بلاد الإسلام يتربص به الإسبان ومن ورائهم قومهم من الإفرنج، ولا ينتظرون إلا فرصة كهاته لينقضوا على بلادنا، ولا أستطيع أن أترك الصليبيين يحيطونك، فأنت على ثغر في شرق بلاد الإسلام، وأرسل لك هذه المائة وثمانين قطعة حربية بحرية لعلها تفي بالغرض».
حكمة «عبد الملك السعدي»
وبعد ذلك بأربعة قرون، بعد أن قضى «السعديون» على «الوطاسيين» الذين كانوا أسوأ وأفسد سلالة حكمت المغرب، وفي عهدهم سقطت الأندلس أرسل سليمان القانوني إلى الملك السعدي محمد الشيخ يطلب منه أن يجعل خطباء الجمعة يدعون له في المساجد، وأن يصك النقود باسم الدولة العثمانية وصورة السلطان «سلیمان»؛ على أن يستقل بحكم المغرب ولكن تحت السيادة ولو رمزيًا للدولة العثمانية، فكان رده على رسول سليمان أن لا جواب لك عندي حتى أكون بمصر إن شاء الله، وحينئذ أكتب لسلطان قوارب الصيادين، وبعد أن عاد الرسول إلى سليمان وأبلغه برد محمد الشيخ لم يستسغ السلطان العثماني هذا الرد والجواب فاجتمع بمستشاريه ووزرائه يستشيرهم في هذا الأمر، وقرر أن يهيئ العمارة والعسكر لكي يغزو المغرب، غير أنهم لم يحبذوا هذه الفكرة ربما لأن في الأمر خطورة وصعوبة، فكما قالوا له: إنها مهلكة فلیست تمر سفينة من المضيق بين طنجة والأندلس، فرنسية كانت أو إسبانية أو برتغالية؛ إلا بإذن من المغاربة، غير أنهم اقترحوا عليه فكرة بسيطة أن يتم اغتيال السلطان «السعدي»، وهي الفكرة التي استحسنها السلطان «سليمان العثماني»، فكلفوا جماعة من الأتراك للقيام بهذه المهمة، وقد فعلوها بعد أن خدعوا «السعدي» وقطعوا رأسه وحملوها إلى السلطان العثماني «سليمان» الذي كان في إقامته بالقسطنطينية، فأمر بجعله في شبكة نحاس وتعليقه على باب القلعة، وظل هناك إلى أن قدم ابنه «عبد الملك المعتصم»، وابن أخيه «أحمد المنصور» على السلطان «سليم ابن سليمان» يطلبان مساندتهما في مواجهة البرتغاليين والملك المخلوع «المتوكل»، وهي معركة «وادي المخازن»؛ وطلبا منه أن يعطهما رأس أبيهما لدفنه في المغرب.
غزو الصليبيين لأفريقيا
ومن حسن حظ «سليمان»، وكذلك من حسن حظ الإسلام، أن ابن محمد الشيخ عبد الملك وابن أخيه أحمد المنصور كانا أعقل منه؛ فعوض الزحف شرقًا لمحاربة العثمانيين، زحفوا جنوبًا بعد معركة «وادي المخازن»، وهي المعركة التي كانت حدًا فاصلًا بين الإسلام والمسيحية في أفريقيا، فبعد أن حصنوا حدود المغرب شمالًا مع إسبانيا والبرتغال انطلقوا لنشر الإسلام في أفريقيا.. فالمخطط، كان أن يبادر البرتغاليون لاحتلال المغرب بعد طرد المسلمين من الأندلس؛ ثم ينضم إليهم الإسبان وغيرهم من الصليبيين؛ بإيعاز من «الفاتكان» للزحف جنوبًا إلى أفريقيا لمحاصرة كل المسلمين من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر من جهة الجنوب ومن جهة الشمال؛ للقضاء على دولة الإسلام نهائيا.
ما أشبه اليوم بالبارحة
هذه النبذة التاريخية كان لا بد منها لتحاول فهم حقيقة ما يجري اليوم في مالي، وخصوصا في «تومبوكتو» التي استعملها «السعديون» مركزًا ومنطلقًا لنشر الإسلام في أفريقيا، فصحيح أن الهدف غير المعلن هو الاستيلاء على ما تحت الأرض من مناجم، وخصوصًا يورانيوم النيجر ومالي، ولكن الهدف الخفي الآخر هو إحياء المشروع الصليبي القديم، وليست فرنسا إلا طليعة أولى ستتبعها أمريكا ودول استعمارية غربية أخرى، كما كانت البرتغال طليعة أولى، لزحف صليبي كبير، ولن يتوقف الأمر عند مالي، فهناك نظامان على الأقل مرشحان للإطاحة بهما؛ موريتانيا والنيجر، وربما كذلك تشاد التي يدور نظامها أصلا في فلك فرنسا لتلتحق بالكيان الذي أحدث جنوب السودان، فيكتمل فصل شمال أفريقيا المسلم عن عمقه الإستراتيجي في أفريقيا جنوب الصحراء.
فدول الاستعمار الجديد؛ كما أشار إلى ذلك «فرونسوا بورجات» في استجوابه مع مجلة «ليكسبريس» تعرف أن زمن التحكم عن طريق تسليط نخب متغربة على رقاب الشعوب العربية والإسلامية قد ولى، وأننا اليوم ومستقبلًا في زمن «الشعب يريد» والشعوب تريد أن تحكم بالإسلام، وما دامت أي انتخابات قادمة لن تحمل إلى السلطة إلا الإسلاميين؛ فالواجب محاصرتهم من كل جانب ومنعهم من تحقيق أي تنمية تغني عن الغرب وتضمن الاستقلال الحقيقي عنه.