; مداد القلم: العدد (996) | مجلة المجتمع

العنوان مداد القلم: العدد (996)

الكاتب د. أحمد عبدالرحمن

تاريخ النشر الأحد 05-أبريل-1992

مشاهدات 62

نشر في العدد 996

نشر في الصفحة 50

الأحد 05-أبريل-1992

• قبل أن نسارع إلى الاعتراض أو النقد أو الإدانة يتحتم أن نعرف الأمر موضع الخلاف معرفة جيدة، وإلا فإن اعتراضنا سيكون ناشئًا عن الجهل، ويكون إدانة لنا، لا لمن نعترض عليهم.

  • هذا الدرس العظيم نتعلمه من سورة الكهف «الآيات 65-82» فقد قابل نبي الله موسى عليه السلام ذلك الإنسان الحكيم، الذي وصفه القرآن الكريم فقال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65) وأراد نبي الله موسى أن يلازمه ويتبعه لكي يتعلم منه. وقد حذره العبد الحكيم، العالم، بأنه لن يستطيع السكوت على تصرفاته أو الصبر على أعماله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (الكهف: 68). وقد ركبا السفينة فخرقها، ثم قتل الغلام دون جريرة، ثم أقام الجدار لقوم بخلاء رفضوا أن يقوموا لهما بواجب الضيافة! فهذا عدوان، ثم جريمة قتل، ثم معروف في قوم نكصوا عن المعروف، ولذلك تساءل موسى عليه السلام منكرًا عليه ذلك، ومتناسيًا الشرط الذي قطعه على نفسه حين ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: 69).

وقد شرح العبد الحكيم العالم لنبي الله موسى ما كان يخفى عليه من تلك الأمور؛ فهو لم يخرق السفينة ليغرقها، بل لينقذها من الملك الذي كان يغتصب السفن السليمة الصالحة، وقد أقام الجدار لأنه كان يعلم أنه ملك غلامين يتيمين: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ (الكهف: 82). وهذا العمل الطيب لا اعتراض عليه في مقاييس الأخلاقيات الدينية، وموسى لم يعترض عليه، بل لفت انتباهه إلى أنه كان يمكن أن يطلب منهم أجرًا على إقامته، خصوصًا وأنهم تقاعسوا عن واجب ضيافتهما. والإحسان إلى المسيء أو مقابلة الشر بالخير، هو ذروة الإحسان، وهو ليس بمستغرب على نبي الله موسى، وتفسير العبد الحكيم العالم مقنع تمام الإقناع، والعمل ذاته -أعني الإحسان إلى المسيء- لا يحتاج إلى تفسير في أخلاقيات الأنبياء.


أما قتل الغلام فهو أنكر الأعمال، خصوصًا حين يقترفه رجل حكيم، عالم، صالح. والتفسير الذي قدمه لا يسوغ القتل، بل يسوغه فقط أنه لم يفعله من تلقاء نفسه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (الكهف: 82). فالشرائع الإلهية لا تجيز قتل إنسان لمجرد الخشية من أن يرهق والديه طغيانًا وكفرًا، فقتل الغلام لم يكن بسبب تلك الخشية وحدها، بل لأن الله تعالى أمره بذلك، وهو لا يعرف كل الأسباب والمسوغات التي قتل الغلام من أجلها، فكان الافتقار إلى المعرفة هو سبب إنكار سيدنا موسى، بل إن معرفة ذلك الحكيم العالم لم تكن تكفي أيضًا لتفسير قتل الغلام، لا بحسب شريعة موسى، كما نعرفها من القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (المائدة: 45) ولا بحسب شرائع الله العادلة منذ آدم إلى محمد صلى الله عليهما وسلم.. تلك الشرائع التي لا تبيح القتل لمجرد الخشية بحال من الأحوال.


وفي تاريخنا الإسلامي يواجهنا موقف مهول شبيه بهذا، أفضى إلى الاعتراض بسبب الافتقار إلى العلم والمعرفة، وأعني بذلك صلح الحديبية؛ فقد كانت شروط الصلح بين المسلمين والمشركين تبدو مجحفة بالمسلمين، فهي تحول بينهم وبين البيت الحرام ذلك العام، وتعطي المشركين الحق في احتجاز المؤمنين الجدد، وتحتم على المسلمين رد كل من يفر بدينه من مكة إلى المدينة، ولذلك مال الصحابة رضي الله عنهم إلى رفض تلك الاتفاقية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها، وأثبتت الأيام أنها كانت صلحًا وفتحًا عظيمًا للمسلمين.


ونقص المعرفة هو سبب اعتراض الفلاسفة الملحدين على الدين، وعلى وصف الخالق سبحانه وتعالى بالحكمة، وفي هذا يقول الإمام الغزالي رحمه الله: «لعلك تقول: ما معنى كونه رحيمًا، وأرحم الراحمين، والدنيا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا، وهو قادر على إزالتها جميعًا، وتارك عباده ممتحنين؟ فجوابك: إن الطفل المريض قد ترثي له أمه فتمنعه من الحجامة، والأب العاقل يحمله عليها قسرًا، والجاهل يظن أن الرحيم هو الأم دون الأب». وينتهي الغزالي إلى القول أنه: «ليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير، ولو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمن ذلك الخير» فالجهل بطبيعة الوجود هو أساس فلسفة الشر الإلحادية، وتمايز فرد من البشر بمزيد علم ومعرفة يتبعه وينتج عنه «أن يأتي بما لا يعرفون» وعندئذ يسارع الكثيرون إلى الاعتراض عليه واستنكار أعماله، ظانين أنهم هم المصيبون المحسنون. ومن هذا النمط كانت اعتراضات البشر الجاهلين الملحدين على تدبير الله العليم الحكيم.



الرابط المختصر :