العنوان في السَاحة الإسلاميَّة.. نيجيريا: ضحية الأزمة الاقتصادية تقع في أحضان العسكر
الكاتب أبو بكر المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1984
مشاهدات 86
نشر في العدد 653
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 10-يناير-1984
في آخر يوم من عام ۱۹۸۳م ودعت نيجيريا الحكم المدني للمرة الثانية، بعد أربع سنوات قضتها في ظل ما عرف هنالك بالديمقراطية، في ٣١ ديسمبر أذاع راديو لاغوس عاصمة نيجيريا نبأ وقوع انقلاب عسكري، أطاح بالحكومة المدنية التي كان يرأسها شيخو شاغاري بعد انتخابه رئيسًا للبلاد لفترة رئاسية ثانية، وفي أول يناير ١٩٨٤م أعلن قائد الانقلاب الميجر جنرال محمد بخاري عن تشكيل حكومة فيدرالية من الضباط خلفًا لحكومة شيخو شاغاري، وقال الجنرال بخاري أن الأسباب التي أدت إلى الانقلاب اقتصادية، وأن القضاء على الفساد والرشوة على رأس الأولويات بالنسبة لحكومته.
نيجيريا هي عملاق القارة الأفريقية؛ حيث يتراوح عدد سكانها ما بين (٩٠- ١٠٠) مليون نسمة، أغلبهم من المسلمين، وهي دولة غنية بمواردها الطبيعية، وعلى رأسها الذهب الأسود الذي يدر عليها بنسبة (٩٠%) من دخلها القومي، أعلنت نيجيريا استقلالها عن بريطانيا في الأول من أكتوبر عام ١٩٦٠م، وشكلت أول حكومة مدنية برئاسة «السير» أبو بكر تافاوا باليوا من الشمال، والذي بدأ أول تجربة للديمقراطية الليبرالية في نيجيريا على الطريقة الأمريكية، وشهدت البلاد في عهد هذه الحكومة التي كان على رأسها زعماء مسلمون ازدهارًا وشهرة عالمية على المستوى السياسي والاقتصادي، وشعر المواطن النيجيري في ظل تلك الحكومة بالأمن والطمأنينة، إلى أن أطاح بحكومته أول انقلاب عسكري في نيجيريا في يناير سنة ١٩٦٦م قادة الجنرال «إجو يبي ايرونس» من الشرق النيجيري، وكان انقلابًا دمويًا أنكرته معظم بلاد العالم فقد قتل فيه رئيس الوزراء تافاوا باليوا، وكثير من القادة السياسيين من بينهم الزعيم المسلم المشهور أحمد بيللو، وجاء هذا الانقلاب ليضع حدًا لست سنوات مزدهرة من الحكم المدني الديمقراطي في نيجيريا، ومنذ ذلك التاريخ بدأت نيجيريا تتخبط في ظلام دامس من الحكم العسكري باختلاف ألوانه واتجاهاته، فالانقلاب الذي قاده الجنرال إيرونس المسيحي ضد حكومة تافاوا باليوا لم يكتب له عمر مديد، فقد وقع انقلاب جديد في شهر يوليو من نفس عام ١٩٦٦ قتل فيه الجنرال ايرونس وكثير من الضباط الذين كانوا يشاركونه في الحكم، قاد ذلك الانقلاب الجنرال يعقوب غوون وهو مسيحي أيضًا، وقد تمكن من البقاء في الحكم حتى يوليو ١٩٧٥م، وهي أطول فترة يقضيها رئيس نيجيري في الحكم حتى الآن، في عهد يعقوب غوون شهدت نيجيريا التي تتكون من (۱۹) ولاية أخطر حدث دموي كاد أن ينسف بالاتحاد الفيدرالي النيجيري، ففي يوليو ١٩٦٧؛ أي بعد سنة واحدة من تولي غوون للسلطة اندلعت حرب أهلية انفصالية في إقليم بيافرا بقيادة الكولونيل أو جوكو، استمرت حتى يناير ۱۹۷۰، انتهت بهزيمة الانفصاليين، وفرار قائدهم للجوء إلى جمهورية ساحل العاج، وقد أعطى ذلك الانتصار بريقًا لعهد يعقوب غوون، جعلت الشعوب الأفريقية تنظر إليه كبطل وطني، استطاع أن يمنع تمزق أكبر دولة إفريقية، ولعل هذا هو السر في امتداد فترة رئاسته وحكمه العسكري أكثر من أي رئيس آخر في نيجريا، الشيء الذي جعله يتلذذ طعم السلطة، ويخالف الوعود التي كان يقطعها على نفسه بعودة الحكم إلى المدنيين؛ مما دفع بعض الضباط إلى الانقلاب عليه بقيادة الجنرال مرتضى محمد وكان مسلمًا، وذلك في يوليو ١٩٧٥م، وقد اتهمه زعماء الانقلاب بالفساد وعدم الكفاءة، وكان الجنرال مرتضى محمد ذا شعبية كبيرة لكفاءته وحرصه على المصالح الوطنية لنيجيريا، وقد عرف بالعمل الدؤوب المستمر، وجديته في القضاء على الفساد الإداري، لكنه تعرض لمحاولة انقلاب فاشلة في فبراير ١٩٧٦م، لقي فيها مصرعه، وأدى ذلك إلى استياء جماهيري في البلاد، وقد استمر زملاؤه في حكم البلاد؛ حيث تسلم الحكم بعده الجنرال أوباسانجو الذي مهد الطريق للحكم المدني في البلاد، وأعاد الحكم بالفعل إلى المدنيين في أكتوبر ۱۹۷۹م، من خلال انتخابات حرة خاضها ستة أحزاب، وانتهت بفوز الحزب الوطني النيجيري بزعامة شيخو شاغاري، الذي أصبح بعد ذلك رئيسًا للبلاد وهو مسلم.
في عهد الجنرال أولوو أو بانسجو الذي امتد من يوليو ۱۹۷5 حتى أكتوبر ۱۹۷۹ طرأت تطورات عديدة في قالب الحكم في نيجيريا، فقد تم تشكيل لجنة خاصة لصياغة دستور جديد للبلاد، عرضت مسودته على برلمان تأسيسي منتخب، وافق عليه بعد مناقشة استمرت شهورًا كاملة، وتمخضت عن تبني دستور على شكل الدستور الأمريكي، تقرر بموجبه تقسيم البلاد إلى (۱۹) ولاية، وإعطاء السلطة التنفيذية لرئيس الجمهورية، وتميزت عنها السلطتان التشريعية والقضائية، وسمح لرئيس الجمهورية بفترتين رئاسيتين فقط، وأعطى الدستور سلطات واسعة لحكام الولايات المتحدة، وقد امتاز حكم الجنرال أو باسنجو باللامركزية في توزيع المشاريع التنموية في البلاد، وإعلاء صوت الوطنية على النعرات القبلية التي كادت أن تقضي على وحدة البلاد واستقرارها في عهد يعقوب غوون.
واتجه أو باسنجو نحو الترتيب لعودة الحكم المدني إلى البلاد؛ فشجع على تعدد الأحزاب، وأنشئت بالفعل ستة أحزاب، خاضت معركة انتخابية في عام ۱۹۷۹، عاد الحكم بموجبها إلى المدنيين بطريقة سلمية، أدت إلى وصول شيخو شاغاري زعيم الحزب الوطني النيجيري إلى قمة السلطة.
بدأت فترة رئاسة شاغاري الأولى بداية طبيعية حيث التفت حوله الجماهير الشعبية التي علقت عليه آمالًا كبيرة، وقد ازدهرت الحريات الشخصية في هذه الفترة وخلت المعتقلات السياسية من نزلائها وانطلقت الصحافة الوطنية تمارس حريتها مطلقة، وسعى الرئيس شاغاري إلى مصالحة كل من زعيم الحركة الانفصالية في بيافرا الكولونيل أوجوهو، والرئيس النيجيري السابق يعقوب غوون الذي كان يعيش في بريطانيا، وعلى مستوى العالم الخارجي كانت علاقات نيجيريا في عهد شاغاري جيدة مع الدول العربية، وقد رفضت حكومته كل الضغوط المباشرة وغير المباشرة التي مارستها إسرائيل لعودة العلاقات الدبلوماسية بينهما.
وكانت نيجيريا في عهده تبذل قصارى جهدها للقيام بالتزاماتها الدولية خير قيام، وكان لذلك انعكاساته السيئة على الأوضاع الداخلية، فعندما تعرضت منظمة أوبك للكساد النفطي الذي أدى إلى هبوط سعر النفط العالمي كانت نيجيريا التي تحصل على (٩٠٪) من دخلها القومي من النفط ضحية هذه الأزمة دون سواها من الدول الأعضاء الأخرى في المنظمة، فنيجيريا أكبر دول منظمة الأوبك سكانًا (٩٠) مليون نسمة، وكانت حصتها من الإنتاج النفطي -حسب طريقة توزيع الحصص للمنظمة- لم تكن كافية ولا متكافئة مع كثافتها السكانية أو متطلباتها الاقتصادية في ظل انخفاض سعر النفط، وفضلت حكومة شاغاري القيام بتعديلات في سياساتها الداخلية، بدلًا من شق عصا الطاعة على الأوبك وانسحابها من المنظمة لتكون لها الحرية في اختيار كمية إنتاجها النفطي، وفرض الأسعار التي تجدها ملائمة لظروفها الاقتصادية.
بدأ شاغاري تلك الإصلاحات الداخلية بطرد المخالفين لقوانين الإقامة والعمل في نيجيريا لإتاحة فرص العمل لمواطنيه، الذين كانوا يواجهون البطالة من جراء إغلاق مؤسسات نفطية حكومية أو خاصة؛ بسبب انخفاض الإنتاج النفطي للبلاد، الذي أدى أيضًا إلى وقوف العمل في كثير من المشاريع التنموية للحكومة، وعلى رأسها مشروع العاصمة الجديدة.
وكان الشعب النيجيري يتوقع إتاحة فرص عمل أكثر مما توفرت له بعد طرد الأجانب، وبدأت آثار الأزمة الاقتصادية تتفاعل بشدة مما جعل الناس يغيرون موقفهم من حكومة شاغاري من التأييد إلى النقد أو الإدانة بالفساد والتسبب في تفشي البطالة.
في أغسطس الماضي جرت انتخابات رئاسية ثانية في نيجيريا في ظل إجراءات أمنية شديدة، فاز فيها الرئيس شاغاري لتتاح له فترة رئاسية ثانية بعد فوزه الساحق على منافسه زعيم حزب الوحدة النيجيري بفارق أربعة ملايين صوت، وتبعت ذلك انتخابات حكام الولايات المتحدة التي انتصر فيها عدد كبير من الحكام القدامى الموالين لحزب شاغاري، وقد طعن البعض في نزاهة هذه الانتخابات، وتمت إعادة الانتخابات في بعض الولايات بالفعل.
بدأ شيخو شاغاري في ممارسة سلطاته الرئاسية في فترة ولايته الثانية، مطمئنًا على أن الديمقراطية تحميه؛ فألقى بثقله في سبيل إنقاذ الاقتصاد، واتبع سياسة تقشف شديدة، بدأها بتشكيل فريق حكومي صغير بالمقارنة مع حكومته السابقة؛ حيث ألغي (٣٨) حقيبة وزارية من أصل (٤٥) حقيبة، وأعفى (٨) مستشارين للرئاسة عن مناصبهم من أصل (١٠) استشاريين، وفرض على وزرائه ومساعديه الجدد تعهدات صارمة بعدم الجمع بين الوزارة والعمل بأجر أو التجارة، وأداء الواجب الوزاري بولاء كامل للحكومة وبأكبر طاقة ممكنة، والحرص الشديد على الأمانة والإخلاص في أداء الواجب الوطني، كما أن شيخو شاغاري أعد إجراءات تقشفية وصفت بالتشدد أشار إليها بالتلميح خلال خطابه أمام الجمعية الوطنية، ولم يفصح شاغاري عن خططه الاقتصادية في ذلك الخطاب الذي ألقاه قبل الانقلاب عليه بأسبوع، لكن كان متوقعًا وقف الدعم الحكومي عن البنزين والكهرباء، وقال شاغاري إن من ضمن خيارات حكومته أنها ستتخلص من بعض ممتلكاتها في الشركات، وكان ذلك من ضمن مطالب تقدم بها صندوق النقد الدولي الذي تتفاوض معه نيجيريا حاليًا بشأن الحصول على قرض قدره (2,5) بليون دولار.
لكن العسكر رأوا هذا هو الوقت المناسب للعودة إلى الحكم بعد التخلي عنه بأربع سنوات كانوا يراقبون فيها التجربة الديمقراطية القاسية في بلادهم، وفي صبيحة آخر يوم من عام ١٩٨٣م قاد الميجر جنرال محمد بخاري ومجموعة من الضباط انقلابًا ناجحًا دون إراقة دماء، وصرح أول متحدث باسم الانقلابيين أن النظام الاقتصادي للرئيس السابق شيخو شاغاري كان فاسدًا، وقد بلغ عجز ميزانية العام الحالي حوالي (6,2) بليون نيرا؛ أي (8,2) بليون دولار على الرغم من أن عجز ميزان المدفوعات انخفض من (4,9) حتى (2,9) بلیون نیرا، من (6,2) إلى (3,6) بليون دولار.
وقد تعهد الميجر جنرال بخاري بأن أول أولويات حكومته العسكرية هو القضاء على الفساد الإداري والاقتصادي، لكنه قال إن حكومته ستواصل المحاولات التي بدأتها الحكومة المدنية للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، تزيد قيمته على ملياري دولار، وأبدى استعداده لتخفيض العملة النيجيرية، كما طالب بذلك الصندوق الدولي كشرط للحصول على القرض، فهل يكفي ما أعلنه الجنرال بخاري ومساعدوه لإنقاذ اقتصاد مريض؟ وهل يكفيه رصيده من التجربة النفطية والإدارية التي اكتسبها خلال إدارته لوزارة النفط في إحدى الحكومات العسكرية ليحقق لشعبه من الازدهار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ما عجز عنه الرئيس السابق شيخو شاغاري وتجربته الديمقراطية الفاشلة؟ هذا ما سوف تكشفه الأيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل