العنوان من أجل إخافة المسلمين.. الروس يهزون العصا!!
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
مشاهدات 56
نشر في العدد 897
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
تشهد جمهورية أذربيجان بالاتحاد السوفييتي هذه الأيام قلاقل واضطرابات وصفت بأنها قومية، ورغم ما تدعيه وسائل الإعلام الرسمية من أن هذه الاضطرابات نتيجة الصراع بين أذربيجان وأرمينيا على منطقة كارباخ فإن الأمر يظل سرًا، إذ لماذا تكون المناطق الآهلة بالسكان المسلمين وحدها مسرحًا لهذه الاضطرابات في حين أن الاتحاد السوفياتي يتكون من قوميات متعددة.
غموض مقصود:
إن الكثير من الأحداث والمواقف السوفياتية في الفترة الأخيرة تثير الشكوك بسبب غموضها أو تناقضها أحيانًا، ومن هذه المواقف مثلًا الموقف الأخير من القضية الفلسطينية، حيث أوضح السوفيات أنهم يحبذون إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، ورغم ذلك فإن الوكيل الأول لوزير الخارجية ألكسندر بيسمرتنيج استعمل في بيانه صياغة مبهمة، كان القصد منها طمأنة الفلسطينيين وطمأنة شامير في نفس الوقت، فقد أشار البيان الذي سبق بيان الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى ضرورة إنشاء وطن للفلسطينيين وأمن يعتمد عليه لإسرائيل!!
وتحت قيادة غورباتشوف ألغى الكرملين قسمًا كبيرًا من ذلك العبء الأيديولوجي وأخذ يتحرك بسرعة في اتجاه تحسين العلاقات مع الدول التي يعتبرها «محافظة» مثل مصر والأردن وعمان والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة واليمن الشمالي وإيران والعراق.
ومنذ مدة والاتحاد السوفياتي يحاول أن يقيم علاقات أوثق مع حكومة العدو اليهودي فابتداء من تموز/ يوليو الماضي أخذ الإسرائيليون يتحادثون مع المسؤولين السوفيات في إطار ما يتفق المحللون الغربيون والسوفيات هنا على أنه قد يكون مقدمة لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الروس والإسرائيليين.
وكان غورباتشوف قد أدخل السرور البالغ إلى قلوب الإسرائيليين في العام الماضي حين رفع مستوى هجرة اليهود السوفيات إلى أكثر من عشرين ألفًا خلال 1988.
هز عصا لإخافة المسلمين:
أما بالنسبة لأحداث أذربيجان الأخيرة فهنالك دلائل على أن للحزب الشيوعي يدًا فيها، وهو بواسطتها يهز العصا للمسلمين في كافة أنحاء الاتحاد السوفياتي حيث أظهرت الدولة تحيزها العلني إلى جانب النصارى من الأرمن، وكأنها بذلك ترد على الصحوة الإسلامية التي لم تجد وسيلة لقمعها وإيقاف مدها، وقد اغتنمت وسائل الإعلام السوفياتية فرصة هذه الاضطرابات للنيل من جديد من المسلمين والاستهزاء بهم والتشمت من تخلفهم وكأن البيرويسترويكا التي تصالحت هذه الأيام مع الغرب المسيحي وأمريكا بشقيها الصليبي والصهيوني رأت أنه لا بد من الإفراج عن الكنيسة وتكريمها والاعتذار إليها عما أصابها وكذلك الشأن بالنسبة لليهود الذين أعطوا حريات وميزات لم يكونوا ليحلموا بها ولم يبق لهم سوى المسلمين للتضييق عليهم ومحاصرتهم ونعتهم بنعوت التخلف والرجعية.
ففي دستور الاتحاد السوفياتي مادة تنص بأن كل مواطن سوفياتي له حرية الاعتقاد والإيمان بأي فكر كان وبأي دين ومادة أخرى على أنه ممنوع بشدة من الترويج أو الدعوة لأي دين أو فكر غير الفكر الشيوعي وهكذا نرى أن المادة الثانية تلغي المادة الأولى، ولم يكن إيراد المادة الأولى في تقديرنا إلا لتظهر كواجهة للدعاية بأن الاتحاد السوفياتي يحترم حرية المعتقد!!
الإلحاد من جديد
إن السلطات في أوزبكستان وهي الأكثر ازدحامًا بالسكان بين الجمهوريات السوفياتية الإسلامية في آسيا الوسطى تخطط للقيام بعملية جديدة لنشر الإلحاد بين سكانها البالغ عددهم 18 مليون نسمة.
ففي الجلسة المكتملة الأخيرة للجنة المركزية للحزب الشيوعي في أوزبكستان انتقد السكرتير الأول رفيق نیخانوف «الشيوعيين العديدين» الذين انسحبوا من الصراع ضد الإسلام والديانات الأخرى وأولئك الذين كانوا يحاولون أن يزعموا بأن العادات الدينية وسلطة رئيس الجماعة أو القبيلة هي في الواقع متطابقة مع التقاليد الوطنية.. وحذر من أن عددًا من المسؤولين الشيوعيين قد طردوا من مناصبهم بسبب تعاونهم مع المسلمين.. وكان واحد من هؤلاء قد ساعد شخصيًا في إنشاء نصب ديني مزعوم وقام آخر بصورة غير مشروعة بتحويل مواد بناء تابعة للدولة لبناء جامع.
ومن جهة أخرى ورد مؤخرًا في إحدى صحف طشقند أن أفلامًا حول موضوع التعليم الإلحادي للصغار ستعرض في بلدة إندیشان على أطفال المسلمين.
كما أنه وفي شهر ديسمبر «كانون الأول» من العام الماضي نشرت عدد من صحف أوزبكستان مقالة للبروفيسور س. أوتانوف مدير دائرة الإلحاد العلمي وعلم الأخلاق وعلم الجمال في معهد التربية التابع لولاية نظامي في طشقند، فوصف قمع الدين بأنه مهمة معقدة: الدعاية الإلحادية يجب القيام بها بصورة علمية وطبقًا لمبادئ اللينينية، وكان لينين قد أوصى بأن الشيوعيين الذين اشتركوا في احتفالات دينية يجب إبعادهم عن الحزب الشيوعي، ويقول أوتاكوف:
هذه التوصية تبقى سارية المفعول. والواقع أن السكرتير الثاني للحزب الشيوعي في أوزبكستان رفع تقريرًا إلى الجلسة المكملة للحزب في شهر أغسطس «آب» 1987 بأنه تم في النصف الأول من العام الماضي إبعاد 53 شخصًا عن الحزب لأنهم اشتركوا في احتفالات دينية!! وفي الوقت ذاته قالت إحدى صحف تركستان بإن «14» شخصًا آخر قد طردوا من الحزب لأسباب مماثلة فيما تلقی 117 شخصًا آخر إنذارات.
وبالإضافة إلى ذلك– رغم أن الشيوعيين في آسيا الوسطى يضعون عضويتهم في الحزب في حالة من الشك إذا اشتركوا في احتفالات دينية- فإن المجلة السوفياتية وورلد مارکسیست ریفيو «عدد أغسطس» تشير إلى تصريح أدلى به لينين سنة 1920 مفاده أن من الضروري للأحزاب الشيوعية في الشرق المستعمر أن تكيف تكوينها وأهدافها وفقًا لمستوى اقتصادياتها الزراعية.. وفيما يختص بالأحزاب الأخوية التي كانت ممثلة في ندوة نيقوسيا تقول المقالة: «إن قوانين هذه الأحزاب تقضي بأن يكافح الشيوعيون بنشاط في سبيل أهدافهم السياسية ولكن عليهم أن يمتنعوا عن جعل الإلحاد شرطًا لهذه الأهداف.. فليس على الفرد أن يكون ملحدًا كي يكون عضوًا في الحزب أو حتى واحدًا من أعضائه البارزين».
هذا تصريح ملفت للنظر جدًا عندما يوضع إلى جانب إرشادات لينين... ففي شهر نوفمبر «تشرين الثاني» سنة 1913 أعرب لينين في رسالة له إلى مكسيم غوركي بوضوح لا يمكن إساءة فهمه قائلًا: «كل فكرة دينية، كل فكرة عن أي إله، حتى أضعف غزل بأي إله هي أمر بغيض لا يمكن وصفه»، وبعد ذلك بعدة أيام كتب إلى غوركي أيضًا يقول: «أي دفاع عن الدين، حتى ولو كان الأكثر تهذيبًا أو الأحظى نية، هو مبرر لرد الفعل».
وهكذا يتضح أن الشيوعية تلعب على أكثر من حبل، إنها تريد أن يظل المسلمون في الجمهوريات الإسلامية داخل القمقم.. وتريد للشيوعيين في العالم العربي والإسلامي أن يكونوا الإدارة المتحركة في يدها... وكيفما تشاء ولكن.. هل تستمر الأحزاب الشيوعية العربية في هذه اللعبة القديمة في عصر نضجت فيه عقول المسلمين متأثرة بصحوة دينهم المباركة؟