; لا تعوّلوا كثيرًا ..!! | مجلة المجتمع

العنوان لا تعوّلوا كثيرًا ..!!

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2008

مشاهدات 73

نشر في العدد 1827

نشر في الصفحة 21

السبت 15-نوفمبر-2008

استمعت مع الملايين حول العالم لخطبة الفوز والنصر التي ألقاها «باراك حسين أوباما» الرئيس الأمريكي الجديد المنتخب، وهزتني لغته السلسة وعباراته القوية  و«كاريزميته» الطاغية, وسلوكه التمثيلي «التبشيري» وهو يشير بأصابعه ويده إلى بعض الأفراد، ولم أكن وحدي الذي تأثر؛ بل تأثر كل من استمع لذلك الشاب الذي حقق حلمًا عزيز المنال في بلد عنصري كان البيض من عصابات «كوكلوكس كلان» يقتلون فيه السود منذ ٤٠ سنة فقط، وكانت المطاعم فيه تمتنع عن قبول دخول السود.

لقد ساعدت عوامل كثيرة على النجاح المذهل لـ«باراك أوباما»، ولكن الضربة القاضية كانت هي الإعصار المدمر الذي أصاب أسواق المال، والذي ما زال مستمرًا حتى يومنا هذا ويهدد مستقبل «أوباما» نفسه.

اعترف «أوباما» بالتحديات التي تواجهه وصعوبتها، وطالب بولايةٍ ثانيةٍ قبل أن تبدأ ولايته الأولى، وحاول رأب الصدع الذي أصاب، وما زال يؤثر في المجتمع الأمريكي, ودعا الجميع إلى مساندته وإلى العمل بجد, وتساءل في نهاية خطابه بلهجة مؤثرة عدة أسئلة كانت إجابة الحشد الأمثل عليها معه «Yes, we can»:«نعم، نحن نقدر».

لقد ألهب نجاح «أوباما» خيال الملايين حول العالم وحرك مشاعرهم، وأعاد إليهم طعم النجاح من جديد بعد ثماني سنوات عجاف لإدارة أمريكية يمينية متطرفة «التحالف الشيطاني بين المحافظين الجدد واليمين المسيحي المتشدد».. فإذا كان «باراك أوباما» استطاع بمساعدة الشعب الأمريكي العازف أساسًا عن السياسة والتصويت هزيمة تلك المؤسسة الحاكمة، والقابضة على مفاصل أقوى دولة في العالم؛ فإننا أيضا نقدر على التغيير بعون الله وتأييده أولًا وأخرًا، وبوفائنا للعهد مع الله عز وجل، ثم بإرادتنا الحرة القوية التي لا يتطرق إليها ضعف أو خَوَرٌ, وبتضحياتنا المستمرة، وبحملنا لدعوتنا الهادية السامية، وإعلائنا لديننا السمح الحنيف الذي يدعو إلى الحق والخير والسلام.

إن العالم يبحث الآن عن منقذ بعد الأزمة المالية العاصفة التي ستدمر الاقتصاد العالمي كله الذي دخل بالفعل في ركود ، في «بريطانيا», و«آسيا»، ثم سينتقل إلى «أوروبا» وينتهي بـ«أمريكا»، ونحن أمام مسؤولية تاريخية، فهل نقدر على تقديم الحل الإسلامي للعالم كله؟!

لا تعوّلوا على جهود «أوباما» ليحقق لكم أمانيكم، ولا تنتظروا منه الكثير بالنسبة لقضاياكم ومشكلاتكم؛ سواء أكانت تتمثل في إنهاء الاستبداد والطغيان، أم في حل القضية الفلسطينية، أم في الخروج من العراق ليتعافى هذا القطر الشقيق من جديد!! ولكن تعلموا منه الدرس التاريخي.

بجهودنا نحن وبقدراتنا المتواضعة وبإرادتنا القوية وعزيمتنا التي لا تهن، وبإصرارنا الذي لا يلين، نستطيع أن نقول كما قال «أوباما» وهتف الحشد خلفه: «نعم، نحن نقدر«Yes, we can» «، ونستطيع أن نغير ونتغير.

لقد كان أول اختيار«أوباما» لرئيس موظفي البيت الأبيض الذي يسمونه حارس البوابة، والذي يمتلك أذن الرئيس ويحدد له ما يقرأ ومن يلتقي, رسالة واضحة إلى العرب والفلسطينيين.

لقد اختار «رام إيمانويل» الأمريكي الصهيوني ذا الحشية المزدوجة، الذي خدم بالجيش الصهيوني، والابن البار لأبيه أحد قادة عصابة «أرجون» الصهيونية الإرهابية.

إذن.. هذا رجل حليف قوي لبلده الأصلي الكيان الصهيوني قبل بلده الذي هاجر إليه مع أسرته «أمريكا»، ولاؤه للكيان الصهيوني قبل ولائه لأمريكا؛ لا يؤمن بالحرية والانتخابات الديمقراطية أو احترام نتائجها، ضد المقاومة المشروعة للاحتلال.

أعلم أن الحكمة تقتضي أن ننتظر لنرى بقية التعيينات والاختبارات, خاصة من سيتولون ملف الشرق الأوسط، وأن نعطي الرجل فرصته، مع إدراك قلة خبرته، وأن ندرك أن أولى الأولويات الآن بالنسبة له هي الأزمة المالية، ورأب الصدع داخل المجتمع الأمريكي.. لكن الرسالة واضحة، وهي أننا بمقاومتنا للمشروع الأمريكي الإمبريالي المتحالف مع العدو الصهيوني قد أنهينا عهد بوش، ونكاد نكون قضينا على الحلم الإمبراطوري بالانفراد بقيادة العالم؛ إذ أصبحت أمريكا الآن مدينة بأكثر من ۱۲ تريليون دولار.

إن المقاومة في «فلسطين»، و«العراق», و»أفغانستان»، و«الصومال» التي أرهقت الجيوش المتحالفة وكبدتها الهزائم المتتالية... هذه المقاومة ساعدت على نجاح«أوباما» عندما أدرك الأمريكيون أنهم في مأزق وأنهم بحاجة إلى مخرج.. إلى منقذ؛ فرأوا في «أوباما»، فرصتهم لالتقاط الأنفاس أو مراجعة النفس، أو لعله لإحداث التغيير الحقيقي والبدء من جديد .

نحن نقدر أن نساعد «أوباما» بأن نسترد حريتنا بأيدينا ونبني ديمقراطيتنا بجهودنا على مقاسنا ومن ثقافتنا وعقيدتنا، ونحقق تنمية بلادنا بسواعدنا وأموالنا وعقولنا ووحدتنا، ونحمل رسالتنا إلى العالم كله من موقع المشارك لا التابع، من موقع المساند لا المنتظر, من موقع اليد العليا لا اليد السفلي.. إن احترمنا أنفسنا فسنجبر العالم كله على احترامنا، ونستطيع أن نشارك في صنع قيم إنسانية عالمية واحدة؛ تكون لقيم الإسلام فيها الدور الأكبر بعد انهيار القيم المادية مع انهيار أسواق المال.

هل نستطيع؟.. نعم؛ حيث يقول الله تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ (الرعد:11).

هل نقدر ؟.. نعم، إذا اعتمدنا على الله وتوكلنا عليه، ووحدنا جهودنا، ومضينا إلى الأمام دون النظر إلى الخلف، واستفدنا من عثراتنا وأخطائنا.. والله المستعان .

الرابط المختصر :