العنوان أولادُنا.. والأدَبُ الحَسَن (٦).. الرَّضِيع
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 18-مايو-2013
مشاهدات 66
نشر في العدد 2053
نشر في الصفحة 54
السبت 18-مايو-2013
- الرضاعة من الأم من حقوق الطفل.. فالرضاعة الصناعية تجعله أكثر ميولًا للعدوانية وأكثر استعدادًا للانطوائية والعزلة
- الرضاعة الطبيعية سهلة التحضير قريبة المنال لا تحتاج لشراء ولا لتعقيم ولا لتدفئة أو تبريد ولا يطالها التلوث أو الحشرات
- مهمة الأم الأساسية أن تكون أمًّا صالحة تبني أجساد أولادها وتغذي أرواحهم ليكونوا عبادًا لله وعمارًا للأرض
احتضنته بكل حنان وحب، وضمته بكل شفقة وعطف، إنه يأخذ منها وهي سعيدة، ويتعلق بها وهي مبتسمة، ويقلق نومها وهي راضية.. تالله إنها لعلاقة عجيبة تلك التي تربط الأم برضيعها الصغير، فتأكل ليطعم، وتشرب ليرتوي، وترتاح ليأتيه رزقه وتلصقه ببطنها وصدرها لترضعه فتتعانق الأحاسيس وتتداخل المشاعر بطريقة لا توصف، ولا يشعر بها إلا من ذاقها.
أليس في ذلك رحمة من الله تعالى بهذا الوليد الضعيف، إذ أعطى الأم هذه الشفقة وملأ قلبها بالرحمة حتى أنها تفديه بنفسها وتهبه وقتها وحياتها.
دعوة
ومع إيقاعات الحياة السريعة هذه الأيام، وانشغال الأم وخروج المرأة للعمل وعدم تفرغها الكامل لرعاية صغيرها، أثَّر ذلك سلبًا على إرضاع المولود الرضاعة الطبيعية ليحل مكانها قنينة جامدة من البلاستيك، لا روح فيها ولا إحساس، تُملأ بلبن من ألبان الحيوان، تلك القنينة لا تحمل مع لبنها حنان الأم ولا نبضات قلبها الرقيق، إذ تُلقم فاه الرضيع وهو جالس على الأرض أو نائم فوق السرير، يتناولها بيد أمه أو أبيه، أو أخته أو أخيه، وإلا أخذها هو بيديه وبين رجليه فيرضع ما فيها بلا رابطة التلاصق الوثيق بينه وبين صدر أمه، وكأنه صار له نصيب هو الآخر من الوجبات السريعة بهذه الرضاعة التي تشبهها إلى حدّ ما، ولم يعد الطفل يسمع دقات قلب أمه تعانق دقات قلبه الضعيف فتقويه وتطمئنه ويرى فيها عطفها وحبها، وليس له كلما رضع أن ينام متدللًا على صدرها يرضع تارة ويلعب أخرى، يداعب أنفها بيديه، أو تتلاقى عيناه مع عينيها ويحاول إمساك لسانها والعبث بشفتيها! أليس لهذا الرضيع حق مشروع في كل تلك المشاعر والأحاسيس التي لا تتولد إلا في لحظات الرضاعة الطبيعية من ثدي أمه؟!
المولود.. والرضاعة الطبيعية
لقد أجل النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم حدًا من حدود الله حفاظًا على حق مولود ضعيف فيها، وقال لأمه: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه»، وكان بإمكانه أن يدفعه لأي امرأة أخرى ترضعه أو يتركه ليرضع أي لبن.
ومع عدم الاهتمام بالرضاعة الطبيعية صار الأطفال أكثر ميولا للعدوانية وأكثر استعدادًا للانطوائية والعزلة، وأبعد عن الأم والتعلق بها، حتى أن بعض الأطفال ربما ظن أن الخادمة أو أخته الكبرى هي أمّه، فاستلقى في أحضانها طلبًا للإشباع العاطفي الذي يفتقده، وبكى عند فقدها، وله العذر فإنه يقضي معها معظم يومه ونومه.
ألا وإن من حق المولود على أمه أن ترضعه وتطعمه رزق الله المؤتمنة عليه، والذي لا يصله إلا بسببها، وقد ذكر الله ذلك في كتابه الكريم فقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لَمَنْ أَرَادَ أن يُتمَ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة :۲۳۳)، قال ابن كثير في تفسيره: هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي سنتان، وقال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد فأرضعت له ولده وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
الرضاعة الطبيعية والمصلحة المتبادلة
ذُكرت الرضاعة في القرآن، وذُكِر الفطام، وجعل الله الحمل والرضاعة من موجبات البر على الأبناء، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان:14)، وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: ١٥).
والرضاعة الطبيعية سهلة التحضير قريبة المنال لا تحتاج لشراء ولا لتعقيم ولا لتدفئة أو تبريد، ولا يطالها التلوث أو الحشرات، ويرضع الطفل حتى يشبع ويرتوي، فرزقه مخبوء وهو من صنع الله عز وجل العليم بحاجته، كما أن فيها المصلحة المتبادلة بين الرضيع وأمه.
بالنسبة إلى الأطفال، فإنها تعود عليهم بفوائد جمّة، منها: ارتفاع معدل الذكاء، وبناء عظام أفضل وهيكل عظمي أقوى، والحماية من السمنة والوقاية من أخطار الربو وسواه من مشكلات الجهاز التنفسي، والمناعة ضد عدد كبير من الأمراض، وهو أمر أكده الأطباء دومًا.
أما بالنسبة للأم، فإنها تعطيها إحساسًا عميقًا بالراحة والهدوء نظرا لارتفاع نسبة هرمون الـ «Oxytocin» الذي يساهم في إنتاج الحليب، وتساعد في تقليص الرحم وعودته إلى ما كان عليه قبل الحمل، كما أنها تشارك في تخفيض خطر الإصابة بالاكتئاب الذي غالبا ما يلي عملية الوضع أو بالنزف الغزير في الرحم الذي يصيب بعض النساء في مرحلة ما بعد الولادة.
أما أبرز الفوائد التي تظهر على المدى البعيد فهي، ضبط مستوى السكر في الدم ورفع مستوى الكوليسترول الجيد فتحد من خطر الإصابة بأمراض القلب.. كما أن عملية الإرضاع، ولو لأشهر قليلة فقط، تساهم في تقليص خطر الإصابة بسرطان الثدي وسرطان الرحم، كما أنها تقوّي العظام وتحميها من الترقق. «عن جريدة «الخليج» الإماراتية بتصرف - موقع مقالات «إسلام ويب»».
فهم خاطئ ودور منقوص
إن بعض الأمهات لا تستطيع إرضاع طفلها؛ وذلك لأسباب مانعة لا حيلة لها فيها كالمرض أو قلة اللبن عندها، فهذه تُعذر وعليها الأخذ بأسباب العلاج حتى يزول السبب، لكن بعضهن تظن أن الرضاعة الطبيعية عقبة في طريق المحافظة على جمالها ورشاقتها وصحتها، وأنها لا تليق بمكانتها وحسبها، أو أنها تقف أمام حرية حركتها وتعلقها بالطفل فلا تستطيع عنه فكاكًا، وقد تحرمها من العمل خارج بيتها نظرًا للزوم تواجدها مع طفلها الرضيع.. ولو أنصفت هذه الأم لأيقنت أن مهمتها الأساسية الأولى في المجتمع هي أن تكون أمًّا صالحة تبني أجساد أفراده وتغذي أرواحهم، ليكونوا عبادًا لله وعمارًا للأرض فمهمتها أعظم مهمة وهي الأولى بالرعاية والاهتمام، وما بعد ذلك هو من نافلة الأعمال بالنسبة لها، ومن فروض الكفايات بالنسبة لمجتمعها، فلم يفرض الله نفقة عليها لولدها ولا لنفسها، وحين تفتقد الولي المنفق فإن على المجتمع أن يكفل لها ذلك ويوفر لها ولولدها الرعاية الكاملة حتى تستطيع أن تقوم بمهمة البناء والتربية التي هي أشق وأصعب مهمة.
إننا نريد عودة حميدة إلى الفهم الصحيح لدور كل من الرجل والمرأة، كما نريد أن تيسر مجتمعاتنا للمرأة الأم ما يعينها على حسن التربية من رعاية صحية ونفسية واجتماعية ومالية وتعليمية وتوعوية، وأن توفر لها من الأعمال ما يناسبها كأم حتى لا تغيب طويلًا عن طفلها، وإذا ما تحتم عليها العمل أوجدت لها محاضن تربوية مأمونة وصالحة للطفل.
حقوق متعددة للرضيع
إن واجب الأدب الحسن على الوالدين يستمر في سيره مع الطفل جنينًا ثم مولودًا فرضيعًا، ويكبر معه كلما كبر، ومن ثم وجب علينا أن نعينهما ولا سيما الأم على القيام بذلك.
ومن حق الرضيع على والديه:
السهر على راحته والاهتمام بنظافته وصحته، والصبر على ذلك:
قدوتنا في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، «فعنْ أُمَّ قَيْس بِنْتِ مِحْصَنِ أَنْهَا أَتَتْ بِابْنِ لَهَا صَغِيرِ لَمْ يَأْكل الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلَهُ» (رواه البخاري).
رعايته وحفظه: وقد ثبت في الصحيحين عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي لأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها، وعند مسلم: حملها على عنقه.
فأين هذا مما يحصل من بعض الأمهات - وقد رأيت ذلك - حين تصر على الصلاة في المسجد مما لم يفرض عليها، كصلاة الجمعة والتراويح وتدع ولدها يبكي بكاء يقطع نياط القلوب وهي في صلاتها، فتؤذيه وتضيع حقه الواجب، وتؤذي معه المصلين، ألا فلتنتبه كل أم.
تعويذه بالله من الشيطان الرجيم:
فقد دعت أم مريم لها ولذريتها وقالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾
(آل عمران:36)، فاستجاب الله لها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذُ الحسنَ والحسينَ، ويقولُ: «إنَّ أباكما كان يعوذُ بها إسماعيلَ وإسحاقَ: أعوذُ بكلمات الله التامة، من كلَّ شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كلَّ عينِ لامَّةٍ» (رواه البخاري).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل