العنوان تدوين البرامج الإسلامية.. ضرورة حتمية
الكاتب مجدي دواد
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012
مشاهدات 53
نشر في العدد 2010
نشر في الصفحة 46
السبت 07-يوليو-2012
نحتاج في هذا الوقت إلى البعد عن التعصب لغير كتاب الله تعالى وسُنة نبيه ﷺ وإعمال العقل وفقاً للضوابط والأصول
تعدد البرامج المستقاة والمنبثقة من الشريعة.. ضرورة شرعية
يكثر اليوم المنادون بتطبيق الشريعة الإسلامية والمنظرون لهذه الفكرة، حتى صارت عمل كثير من المنتسبين للتيار الإسلامي.. الكل يتحدث، والكل يطالب، لكن لا أحد لديه رؤية كاملة عن كيفية تطبيق الشريعة في الوقت المعاصر، ولا أحد لديه رؤية عن كيفية حل المشكلات والعقبات التي ستواجه الذين يعملون على تطبيق الشريعة، حتى إذا ما تحدث العاقلون وأكدوا أنه لابد من الصبر وبذل جهدٍ جهيد وعمل شاقٍ مضنٍ لتبيان كثير من الأمور، اتهم بمخالفة كتاب الله تعالى وسُنة رسوله ﷺ واتهم بالتمييع وغير ذلك من الاتهامات.
في هذه الفترة العصيبة من الزمن نحتاج، أكثر ما نحتاج، إلى البعد عن التعصب لغير كتاب الله تعالى وسُنة نبيه ﷺ، وإعمال العقل وفقاً للضوابط والأصول التي قررها أهل العلم وألا نقف عند ما وقفوا عنده، ونقول: هاهنا توقف العلم، بل نمعن النظر في الأدلة ونستخرج منها حكماً جديدة، وعبراً ودروساً وفوائد وسبلاً وطرقاً وأوامر ونواهي معاصرة.
حُكمي.. لا حكم الله
روى الإمام مسلم في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه أنه روى عن النبي ﷺ أنه (إذا أمّر أميراً على جَيْشٍ أو سريَّة أوْصَاهُ في خَاصّتهِ بِتَقْوَى الله ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خيَراً)، فقال: «... وإذا حَاصَرْتَ أهْلَ حِصْنٍ فأرَادُوكَ أنْ تُنزلهم على حُكْمِ الله فلا تُنْزِلُهُمْ على حُكْمِ الله ولكن أنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ فَإِنّكَ لاَ تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ الله فيهِمْ أم لا »، من هذا الحديث الشريف نخرج بفائدة مهمة أكدها أهل العلم والفقه؛ وهي أن كل شخص يؤخذ منه ويرد إلا المصطفى المعصوم ﷺ، وأن فهم العالِم والفقيه لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ليس لزاماً أن يكون عين مراد الله ورسوله، فهو قد اجتهد وفق الأصول والضوابط المقررة، ووفق قدراته العقلية البشرية، وهو في النهاية بشرٌ ومهما بلغ من الذكاء والفهم والعلم ففيه نقص، لم ولن يبلغ الكمال أبداً، من أجل هذا نهى رسول الله ﷺ أمراء الجيوش والسرايا أن يقولوا: هذا حكم الله، بل وجّههم إلى التفريق بين حكم الله وبين فهمهم لكلام الله وأمرهم بإنزال الناس على حكمهم الذي استنبطوه وفهموه من كلام الله.
الصحابة يقترحون
بل كان الصحابة رضوان الله عليهم يتقدمون بين يدي رسول الله ﷺ باقتراحات ونصائح، فيقبلها منهم ويفعلها ﷺ.. فتذكر كتب السيرة أنه في غزوة «بدر » عسكر النبي ﷺ قبل بئر «بدر »، فقال الخباب بن المنذر رضي الله عنه: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ﷺ: «بل هو الحرب والرأي والمكيدة ،» فقال الخباب: فليس هذا بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، فاستحسن النبي ﷺ رأي الحباب ومضى بأصحابه حتى نزل بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة وجيش قريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة.
ومن هذا نخرج إلى ضرورة وجود صياغة لبرامج سياسية لإدارة الدولة في ظل حكم الشريعة الإسلامية، تتضمن الخطوط العريضة والأسس التي يجب أن يبنى عليها النظام السياسي الإسلامي، ثم تتضمن تفصيلاً لكيفية إدارة الدولة بالشريعة الإسلامية في كافة المجالات؛ ا سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية وتعليمية وثقافية بما تتضمنه تلك الجوانب من مشكلات كبيرة وكثيرة.
إن وجود مثل هذه البرامج ضرورة حتمية، لأن الكلام النظري سهل يسير، ولكن التطبيق العملي تصاحبه دائماً عقبات ومشكلات، وقد ينتهي بالنجاح أو بالفشل، وقد يكون الأساس صحيحاً، ويأتي التطبيق خاطئاً، فيُنسب الخطأ إلى الأساس الصحيح بدلاً من نسبته إلى طريقة التطبيق، خاصة عندما نتحدث عن المنهج الإسلامي حيث يقف أعداؤه بالمرصاد ينتظرون الهفوة، ليشنوا حملات التشويه التي يجيدونها ويبرعون في أساليبها، لكي يقولوا للناس: ها هو الإسلام قد فشل في معالجة مشكلاتكم، ومع أنهم فشلوا مراراً وتكراراً، لكنهم ينسبون خطأهم للتطبيق، وينسبون نجاحهم لمنهجهم.
تعدد البرامج
ومن الضروري أن تتعدد البرامج وتتعدد طرق ووسائل تطبيق المنهج الإسلامي القويم، ففي هذا التعدد يبدع المبدعون، ويكون هناك ثراء فكري، وما يتبعه من اكتشاف سبل جديدة ووسائل علاج لما قد يقع من مشكلات نتيجة خطأ البعض في التطبيق، والإسلام يدعونا إلى دوام البحث عن الأفكار الجديدة المفيدة، والمسلم لا ينكر على صاحب فكرة حتى لو كانت خطأ بل يبين له خطأها دون أن ينال منه أو ينهاه عن التفكير.
كما أن التعدد في هذه البرامج المستقاة والمنبثقة من الشريعة ضرورة شرعية أيضاً، لأنه إن كان البشر مختلفين في إفهامهم وعقولهم، فهم مختلفون أيضاً في النتيجة التي يصلون إليها، وعندما يكون هناك أكثر من برنامج يتفق مع الشريعة ولا يخالفها، فإن أهل العلم والخبرة يختارون من بينها ما يناسب المكان والزمان، ولا يمكن لنا أن نلزم الناس جميعاً بفهم عدد محدود من البشر للشريعة الإسلامية، في حين أنه قد يكون هناك مَنْ هو أكثر فهماً وأكثر قدرة على صياغة برامج لتطبيق الشريعة تتناسب أكثر مع الواقع.
يجب أن تكون البرامج مكتوبة ومتاحة للناس، حتى يستطيع أبناء وأنصار التيار الإسلامي أن يحدثوا الناس عنها، وأن يبرهنوا على أن التيار الإسلامي لا يتاجر بالدين كما يدعي العلمانيون والليبراليون، بل سيكون التيار الإسلامي قادراً على مجابهة العلمانيين والرد على شبهاتهم وتفنيدها من خلال تلك البرامج المكتوبة، وحينها سيتبين للناس حسن المناهج والبرامج المستمدة من الشريعة الإسلامية، ويستيقنون أن الشريعة الغراء تسمح بمساحات من الاختلاف ضمن إطارها العام، وأنها ليست جامدة ولا متحجرة كما يروج لذلك التيار العلماني والليبرالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل