العنوان في مؤتمر «حوار الحضارات بجامعة الخرطوم» الحوار العقلاني الطويل.. ضرورة حتمية
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003
مشاهدات 43
نشر في العدد 1544
نشر في الصفحة 56
السبت 29-مارس-2003
تزامنًا مع التهديدات العسكرية الأمريكية للأمة العربية والإسلامية، والاعتداءات اليومية الإسرائيلية على الفلسطينيين العزل، وتصاعد الدعوة من جهات مختلفة إلى حوار الحضارات بدلًا عن صراع الحضارات، عقد في الخرطوم برعاية جامعة النيلين - قسم الفلسفة بكلية الآداب - مؤتمر (حوار الحضارات تحت شعار أثر الحوار في إثراء التراث الحضاري الإنساني، بحضور ثلة من العلماء والباحثين من داخل السودان وخارجه. وقدمت في المؤتمر أبحاث وأوراق عمل مختلفة بلغت ٣٢ بحثًا حول الموضوع الذي يشغل كثيرًا من دول العالم في ظل الأحادية القطبية، والهيمنة والغطرسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه العرب والمسلمين.
ومن أهم أوراق المؤتمر ورقة د.حسن علي يوسف عن المتغيرات الدولية وانعكاساتها على الأبعاد الحوارية بين الحضارات، حيث أوضح أن الحضارة الغربية اتسمت بعدم التسامح مع بقية الحضارات فسادت في الغرب المذاهب المسيحية التي لا تعطي فرصة لغير المسلمين وعملت على استئصال فرق دينية كثيرة مثل شعوب الهنود الحمر واستعباد الزنوج في أمريكا والتطهير العرقي المسلمي البوسنة والهرسك، وبذلك حرم الأوروبيون من تجربة التعددية الدينية التي مارسها المسلمون في المدينة والأندلس والبلقان، واليوم تعج البلدان المسلمة بالكنائس وخلص الباحث إلى أن الأخطار المحيطة بالبشرية اليوم تجعل من تبني الحوار العقلاني الطويل حتمية تاريخية.
ومن الأردن شارك الباحث الدكتور أحمد إسماعيل بورقة المتغيرات الدولية وانعكاساتها على الوطن العربي حيث شرح حالة العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وقال إن سياسة التبعية في التوجه التي اختارتها الدول العربية مع أي من القوتين الأكبر عقب الحرب العالمية الثانية وحتى الآن لعبت الدور الأساسي فيما نعانيه من كل مظاهر السلبية في كافة جوانب الحياة، وننصح بمراجعة الذات وإعمال الفكر النقدي في تجربتنا على امتداد القرن لاستخلاص الدروس والعبر وإعادة صياغة مشروع النهوض العربي والنظام العربي من جديد وبناء نظام عربي متحرر من أخطاء الماضي ومن الرومانسية والعاطفية، مسلح بالعلم والموضوعية والواقعية وقادر على بعث شعلة الأمل والحماس في الذات العربية.
وفي محور فلسفة الحضارات قدم السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة السوداني ورقة بعنوان الحضارات الإنسانية تصارع أم تحاور؟ حيث تحدث عن سيادة منطق الصراع عالميًا، أما عربيًا فإننا ما زلنا ضحايا غياب الفرائض السياسية الإسلامية كالشورى والحرية.. الخ. وقال إن سبب حالة التدهور الحالية والاستعداد للاستعمار نتاج سيطرة الجمود وقفل باب الاجتهاد عند الخلف واتباع ما خطه السلف. وقال المهدي إن شعوب العالم وحضاراته أمام خيارين الاستقطاب فالمواجهة فالدمار في ظل عصر ظلامي جديد أو الحوار والوفاق في ظل نظام عالمي أعدل وأفضل.
ونقد د.حيدر إبراهيم في ورقته المكونات الحضارية الخصوصية والعمومية حوار الحضارات حيث قال إن الحديث عن الصراع الحضاري ليس علميًا أو فكريًا ولكنه تعبير عن أيديولوجيات مغلقة أو استراتيجيات تسعى إلى الهيمنة والسيطرة أو احتكارات ومصالح اقتصادية متنافسة، وأوضح أن حوار الحضارات لا يتم بهذه الصورة المفتعلة التي نراها الآن ولكنه يتم من خلال الانفتاح على العالم والتعامل مع الثقافات والأديان والأفكار بثقة وندية لا نخشى فيها الغزو الفكري أو أشباح المؤامرة الصليبية أو الامبريالية، فالحضارات -كما يقول- تتفاعل وتتعايش وتتلاقح والصراع وهم واضح يروج له خارجون عن التاريخ والإنسانية.
وكذلك فند د.نادر بابكر نظرية نهاية التاريخ، الفوكوياما في ورقته أطروحة نهاية التاريخ. بحث في مفارقات النظرية وبيّن أن نظرية نهاية التاريخ كنظرية علمية غير متماسكة وغير اقتصادية وعاجزة عن تفسير ظاهرة نهاية التاريخ. وقال الباحث إن نهاية التاريخ وتفكيك مكوناته ومنطلقاته وآلياته نلاحظ أنه يعكس بوضوح مركزية الحضارة الغربية المنحازة للقيم والثقافة الغربية ومصالحها الاستراتيجية والعسكرية وهي بالتالي رؤية انتقائية، بجانب أن منطقة العالم الإسلامي مهبط الرسالات السماوية ومنشأ كثير من الحضارات القديمة وأسهمت كثيرًا في إثراء التراث الإنساني.
وتحدث أيضًا د.محمد عثمان خلف الله عن الاعتقاد الخاطئ حول نظرية صمويل هنتنجتون عن صراع الحضارات في ورقته «جدلية الحوار في ظل التهديد والحصار» وقال إنه اعتقاد خاطئ ومختلق لا يجد برهانًا في وقائع التاريخ ولا يسنده المنطق. وذهب الباحث إلى أن الصدام بين العقائد السماوية ليس بالأمر المحتوم كما يزعم هنتنجتون، بل إن الحوار والتفاهم بين علماء وحكماء العقيدتين الإسلام والمسيحية أصبح من الظواهر الملحوظة خلال القرن الماضي وأوائل هذا القرن.
وشرح أن فناء واستمرار الأمم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأساس الذي يرتكز عليه بناء كل حضارة من أيديولوجية وخصائص روحية ومعنوية وعطاء مادي، ويلعب العدل والإنصاف ونقيضه الظلم والإجحاف دورًا أساسيًا وحاسمًا في بقاء واستمرار أو اضمحلال وفناء حضارة معينة.
وعن نظرية الحوار الحضاري بين الشرق والغرب كانت ورقة د.علي عثمان محمد الذي قسم فيها العالم إلى ثلاث حضارات: الشرق الأقصى -الشرق الأدنى –والغرب، موضحًا أن حضارة الشرق الأدنى هي الأوفر حظًا في العلو -مستقبلًا- لأن طبيعتها تختلف عن الحضارتين الأخريين، فقد اختارت الحضارة الغربية المادة والشرق الأقصى الروح، أما حضارة الشرق الأدني، فقد اختارت التوازن بين المادة والروح، بجانب أنها أكثر قدمًا ورسوخًا وأقرب إلى الصفات الإنسانية الأصيلة عبر تطورها من الثقافات الإنسانية الأولى إلى حضارات إقليمية صغرى إلى حضارات عالمية كبرى عبر الرسالات الإلهية العديدة التي جاء إليها -دون غيرها- وعبرها الإبداع الإنساني الفاعل المتمثل في التعددية والتنوع والحركة.
وهاجم الباحث د.عوض السيد موسى في ورقته «نحو منهج قرآني لحوار الحضارات الحضارة الغربية»، وقال إن أمريكا والدول الرأسمالية المتقدمة لن تفعل شيئًا لتغيير التناقضات والصراعات التي فجرتها لأن الحفاظ على مصالحها يتطلب استمرار ذلك وستكسب الأصولية الإسلامية والمسيحية والهندوسية أرضًا جديدة وستتضاعف حدة الصراعات الإثنية والدينية لا لأسباب ثقافية ولكن لأن هذا العالم غير العادل الذي خلقته المصالح الرأسمالية لن ينتج سوى البؤس والشقاء لشعوب الجنوب.
وقال د.سيد أحمد العقيد في بحثه «الإسلام وحوار الحضارات» إن سدى الإسلام ولحمته تقوم على الحوار، وأورد كثيرًا من الأدلة مما يشير إلى أن كتاب الله تعالى مليء بالحوار وهو حوار مع الآخر، وقد حاور الله سبحانه وتعالى المشركين وأهل الكتاب والملائكة بل حتى الشيطان وحاور الأنبياء وأقوامهم، مما يؤكد أن باب الحوار في الإسلام مفتوح على مصراعيه، موضحًا أن مصطلح حوار مصطلح جذاب نخشی أن يكون شأنه شأن كل المصطلحات الأخرى التي تم تمريرها وهي خناجر وجهت إلى صدور الشعوب المستضعفة بغية استغلالها وطمس معالم هويتها، وذلك لأن الحوار القائم هو حوار بين طرف معتدٍ هو الغرب الذي يمثل الحضارة الغربية وطرف معتدى عليه وهو العرب والمسلمون.
وذكر د.مصطفى عبده محمد أثر العلماء والمفكرين المسلمين على حضارات الشعوب في ورقته أثر التعامل الحضاري للمسلمين الأوائل لثقافات الشعوب وتحضرها في كثير من إسهامات علماء العرب والمسلمين في المجال العملي والعلمي والفلسفة والفقه والهندسة والمعمار وفي شتى المعارف والعلوم وقال الباحث إن التعامل الذكي والحضاري لثقافات وتراث الأمم الأخرى من خلال حوار حضاري أكسب الحضارة الإسلامية مصادر جديدة وأكسب الحضارة الأخرى قوة دافعة. فمن خلال التأثير والتأثر المتبادل للتزاوج الحضاري أمكن بناء حضارة إنسانية.
وخلص إلى أن الحوار الحضاري في تمازج أبقى للحضارات وأدعى لانطلاقها الحضاري ليس بالتنافر والتصارع والهيمنة والتسلط كاشفًا في النهاية أن التعامل الحضاري للمسلمين الأوائل كان له الأثر البالغ للتقدم الحضاري المعاصر، إلا أن الحضارة المعاصرة أخذت بالجانب المادي طارحة الجانب الروحي، متناسية أن الإنسان نفسه باني الحضارة والإنسان مكوناته أربعة: الجسم والنفس والعقل والروح، فيجب أن تتناسق هذه المكونات ليتزن الإنسان ويستقيم، فباستقامته تستقيم الحياة، عندما يكون مبدعًا تقيًا وحرًا وفيًا.
قراءة في «حصاد الفكر»:
صدر العدد الجديد من تقرير حصاد الفكر، رقم ۱۳۰ عن مركز الإعلام العربي بالقاهرة في وقت تتصاعد فيه نبرة العداء للعرب والمسلمين، وتزداد وتيرة القلق من جراء التهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية للعراق باعتباره أحد محاور الشر في تهديد المصالح الأمريكية والغربية وفي ممارسة الإرهاب ضدها وضد حلفائها في المنطقة.
فهل الإسلام والمسلمون يمثلون تهديدًا حقيقيًا للغرب وأمريكا إجابة هذا السؤال هي محور ملف هذا العدد الذي يتضمن خمس دراسات «عروض» تناقش إشكالية التهديد الإسلامي للغرب، وترصد حقيقة العلاقة بين الإسلام والمسيحية والغرب في العصر الحديث وإمكانات نجاح أو فشل حوار الحضارات وبخاصة بين الحضارتين العربية والإسلامية والغربية، وفي باب سياسة واقتصاد يعرض الدكتور الهادي الدالي في كتاب دراسة في حركات التبشير والتنصير بمنطقة إفريقيا فيما وراء الصحراء، لأحد مظاهر العداء الغربي التاريخي للإسلام في أفريقيا وجهود هذه الحركات في ظل الاستعمار الغربي -الفرنسي في محو الثقافة العربية الإسلامية وتهميش اللغة العربية، وتكوين نخب إفريقية موالية للاستعمار فكرًا وثقافة، ودينًا ولغة.
وتحت عنوان قرآن وسيف من الأفغان إلى بن لادن، يتناول كتاب دكتور رفعت سيد أحمد ظاهرة العنف السياسي المغلف بالدين وتطوراتها على الساحتين الإقليمية والدولية، وعلاقة الداخل بالخارج في هذه الظاهرة.
وينعش دكتور محمود عبد الفتاح المقيد الذاكرة بتاريخ القدس، وتأكيد ثبوت الحق العربي فيها منذ ما قبل الإسلام وبعد الفتح الإسلامي، وتأتي فاعليات ندوة اتحاد الأطباء العرب بعنوان دور الإعلام العربي في دعم الصمود الفلسطيني، ضمن الجهود التي يبذلها الإعلاميون العرب وأصحاب الفكر والغيرة الإسلامية لدعم قضايا الأمة وإدارة صراعاتها، وبخاصة العدو الصهيوني من خلال مباركة ودعم الصمود الفلسطيني في مقاومته الباسلة، ويقدم ديك جروت في باب الإدارة استراتيجية مجربة وناجحة، لأداء إداري فائق الجودة دون مشكلات وظيفية، وذلك بتطبيق سياسة الانضباط دون عقاب، ثم يصحبنا الدكتور محمد أحمد الشهاوي في رحلة علمية غرضها استكشاف الفضاء الخارجي، ورصد الجهود والنجاحات التي تحققت في هذا المجال، موجهًا من خلالها رسالة إلى علمائنا العرب والمسلمين عنوانها ارتياد الفضاء ضرورة حتمية للتصدي للأخطار الفضائية المحيطة بالكوكب الأرضي، وإذا كان ارتياد الفضاء سياحة علمية فإن قراءة سيرة «عبد الرحمن الكواكبي» تعد سياحة فكرية في فضاء الحرية والاستقلال والهجرة في أرجاء الأرض.
وبعد فهذا العدد حافل بمزيد من العناوين الجذابة والخلاصات الأمنية «العقل قبل الهوية» و«ذكريات جندي ميدان في CIA»، و«نقاط على حروف السلام»، و«الشخصية المصرية.. التطور النفسي في خمسين قرنًا».