; الجواسيس الكبار | مجلة المجتمع

العنوان الجواسيس الكبار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 23-فبراير-1999

الصومال

  • كيف أفرزت الحرب طائفة من «الزعامات» تعمل لحساب إثيوبيا؟

     بعد مرور تسع سنوات أو أكثر على بداية الحرب الأهلية في الصومال، تكشفت ذيول المخططات التي حيكت وتحاك ضد هذا البلد المسلم بمعاونة بعض من ينتسبون إليه من زعماء بعض الجبهات الذين تأكدت روابطهم بمراكز العداء التقليدية للصومال، ولم يعد هؤلاء يخفون هذه الروابط الآثمة كما هي عادة العملاء للأجنبي المعادي.

     بل بدءوا ينظمون حملات مكثفة في أوساط المجتمع الصومالي للترويج بأن أثيوبيا -مثلًا العدو التقليدي الأول للصومال، ماضيًا وحاضرًا- تحولت إلى دولة صديقة تساعد الصوماليين في عقد مؤتمرات المصالحة في بلادها، مع أن هذه المؤتمرات كانت مصدر الخطر الأكبر على القضية الصومالية، لأنها هي التي مكنت إثيوبيا ومن لف لفها من أعداء الصومال من التنفيذ الكامل لجميع خططها بعد أن أطلعت هذه الجهات المعادية على كل أسرار المجتمع الصومالي، عن طريق ما سمي بلقاءات المصالحة التي عقدت في الحبشة وفي كينيا، الدولتين اللتين مازالتا تحتلان الأراضي الصومالية حتى هذه اللحظة، ويبدو أن هؤلاء العملاء يستغلون بساطة الشعب الصومالي الذي تغلب عليه البداوة، وعدم التركيز على قضاياه المصيرية لسرعة نسيانه وظروف الحرب الأهلية، وما خلفته من فتن طاحنة بين القبائل الصومالية، فبدأ البعض يدفع شعار عدو العدو صديق في وسط القبيلة بحجة أن إثيوبيا مثلًا تساعد هذه القبيلة أو تلك للتغلب على القبائل الأخرى، ناسيًا أو متناسيًا أن الثور الأسود أكل يوم أكل الثور الأبيض، وأن إثيوبيا عدو جميع الصوماليين، ولن تكون يومًا صديقة لأحد منهم، إلا بمنطق المصلحة الإثيوبية البحتة، وهي مصلحة تناقض المصلحة الصومالية بطبيعة الحال، باعتبار أن كلًا من الصومال وإثيوبيا يمثلان حضارتين متناقضتين في منطقة القرن الإفريقي، فالصومال الكبرى تمثل الحضارة الإسلامية بكل عناصرها ومقوماتها، بينما إثيوبيا تمثل الصليبية الحاقدة في المنطقة بكل معانيها وصورها، وجمع المتناقضين من المستحيلات لا يتصور حدوثها.

     إذن فأي صومالي يتحدث عن صداقة إثيوبيا للصوماليين لا يمكن له أن يجنب نفسه تهمة الخيانة العظمى، ولا يمكن أن تتغير هذه المفاهيم في أذهان الناس؛ لأنها مرتبطة بمبادئ مقدسة يؤمن بها الجميع إلا من باع دينه وخان وطنه وتنكر لقومه وتحالف مع الشيطان، ومثل هذا ينبغي نبذه من المجتمع الصومالي المسلم ومن العشيرة التي ينتمي إليها؛ لأنه عضو فاسد يجب بتره والتخلص منه.

     على المجتمع الصومالي أن يتنبه للخطر الداهم الذي حل به وسيحل به من الخونة المأجورين الذين يبررون التدخلات الإثيوبية في الشأن الصومالي، بل يتحركون لصالح المخابرات الإثيوبية ومن ورائها الأمريكية والإسرائيلية في طول البلاد وعرضها.

     فمن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب من التراب الصومالي الكبير أي من مدينة تجرة في شمال جيبوتي إلى رأس كنبوني الواقع جنوب ميناء كسمايو في الجنوب، مرورًا بكل المدن والبلدان والقرى الصومالية- كثفت هذه المخابرات تواجدها العلني أحيانًا تحت حماية بعض العملاء الصوماليين المحليين، وذلك بهدف:

 ۱– تكريس الانقسامات بين الصوماليين بإشعال نار الفتن القبلية والإقليمية والدسائس المغرضة حتى يكون من العسير اجتماع كلمة الصوماليين للخروج بالبلاد من مشاكل وآثار الحرب الأهلية إلى بر الأمان، وبذلك نرى أنه كلما لاحت في الأفق مبادرة لحل المشكلة الصومالية سواء كانت من أطراف محلية صومالية أو من الدول العربية الشقيقة؛ حركت إثيوبيا عملاءها لإجهاض هذه المبادرة بمبررات زائفة، لا صلة لها بمصلحة أي من الأطراف الصومالية، وإنما لصالح العدو الأجنبي الذي لا يرضى للدولة الصومالية أن تتشكل ولا للوحدة الصومالية أن تعود إلى سابق عهدها، بل يبغي تقسيم بلادنا إلى دويلات قبلية لا شأن لها تكون ألعوبة في أيدي أعدائنا. 

۲– مطاردة الأحرار من الإسلاميين والوطنيين المتمسكين بالثوابت الوطنية الصومالية والمبادئ الأساسية التي لا يجوز لأحد من أبناء الوطن الصومالي الكبير أن يفرط فيها أو يتنازل عنها تحت أي ظرف، وهذه المطاردة تعددت مظاهرها، فمن اغتيالات وتصفيات جسدية، إلى اختطافات لبعض الشخصيات في عمق الأراضي الصومالية إلى داخل إثيوبيا، إلى اعتداءات عسكرية بحجة مطاردة من تسميهم الدول المعادية بالإرهابيين، إلى غير ذلك من ممارسة الإرهاب والتخويف ضد هؤلاء الأحرار في عقر دارهم.

     فعلى سبيل المثال لا الحصر اختطفت إثيوبيا قبل أسبوعين بواسطة عملاء صوماليين ثلاثة من كبار القادة المناوئين لإثيوبيا من العاصمة الصومالية مقديشو، ومات أحدهم في الطريق، كما أنه قبل فترة تم اغتيال أحد الأطباء المناوئين في مدينة بوصاصو عاصمة محافظة شرق الصومال، كما قتل أحد الجرحى من المناضلين الصوماليين في مدينة جلكاعيو عاصمة محافظة مدق من المناطق الوسطى، وفي تلك الفترة نفسها سلمت كل من السلطات المحلية في شمال الصومال وجيبوتي مجموعات من المثقفين الصوماليين إلى إثيوبيا، وتم ترحيلهم إلى الأراضي الحبشية، وكانت حكومة إثيوبيا أرحم من هؤلاء العملاء -إذا صح هذا التعبير- حيث أطلقت سراح بعض هؤلاء بعد التحقيق معهم بفترة وجيزة، أما الآخرون فقد أودعوا في غياهب السجون في إثيوبيا، ولا أحد يعرف عنهم شيئًا منذ ذلك الوقت.

     وفي مدينة بورما التي تقع على الحدود الصومالية الإثيوبية وهي من مدن الشمال الصومالي أعلن من يزعم أنه سلطان لإحدى كبريات القبائل هناك أنه جند نفسه للمخابرات الإثيوبية بقوة عسكرية لقتل واختطاف العلماء والإسلاميين عمومًا، وفي الأسبوع قبل الماضي كذلك -وفي مظهر من مظاهر التسلط الإثيوبي المشين- أبلغت المخابرات الإثيوبية أحد عملائها المحليين في مدينة بلدوين عاصمة هيران بأنها ترغب في استجواب العلماء ورجال الحركة الإسلامية، وبكل وقاحة جاء هذا العميل يطلب من هؤلاء العلماء قبول الاستجواب الذي يتم بمعرفته.

    فعلى الصوماليين جميعًا ولا سيما المصلحون من العلماء ورجال الحركة الإسلامية والوطنيين والوجهاء الذين لم تتلطخ أيديهم بالحرب الأهلية الآثمة، ولم يتورطوا في العمل لصالح الجهات المعادية- على هؤلاء جميعًا أن يقوموا قومة رجل واحد من أجل إصلاح الشأن الصومالي من الداخل، وبث التوعية في المجتمع في طول البلاد وعرضها؛ لبعث المقومات الدينية والوطنية الأصيلة في نفوس الشعب، وإذا نجح هؤلاء بهذه المهمة فإن الشعب الصومالي بما عرف عنه من الشجاعة والحماس كفيل بطرد الأعداء وحرمانهم نهائيًا وإلى الأبد من أطماعهم التوسعية، كما أن هذا البعث وهذه الصحوة الشعبية إذا حصلت كفيلة بعزل وتحجيم أولئك العملاء وإظهارهم خونة ومجرمين وجواسيس، يجب معاقبتهم تحت طائلة الخيانة العظمي.

الرابط المختصر :