; الضفة الغربية من التحرير إلى التقاسم الوظيفي؟ | مجلة المجتمع

العنوان الضفة الغربية من التحرير إلى التقاسم الوظيفي؟

الكاتب راشد السالم

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1986

مشاهدات 59

نشر في العدد 790

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 04-نوفمبر-1986

كما ضاع الأمل في تحرير فلسطين المحتلة، ضاع الأمل في الضفة والقطاع.

دعوة بيريز للتقاسم الوظيفي تلتقي مع دعوة شامير للإدارة الذاتية.

الأمل في تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة يراود الشعب الفلسطيني كما يراودهم الأمل في تحرير جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلتها قوات العدو الصهيوني عام ١٩٤٨، وإذا كانت مقولة الشاعر العربي «ما كل ما يتمنى المرء يدركه» صحيحة في كل زمان ومكان، فهي أشد وضوحًا بالنسبة للشعب الفلسطيني فبعد أن خفت الأمل باسترجاع ما احتله العدو عام ١٩٤٨ بعد عدوان عام ١٩٦٧، أصبح الأمل كذلك ضعيفًا باسترجاع الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عدوان عام ۱۹۸۲ على لبنان!

وإذا ظل الأمل يراود النفوس، والإيمان يعتمر القلوب، فإن وقائع الأمور تشير إلى اليأس والأسى، فالتاريخ الحديث علم الجماهير العربية والإسلامية أن العدو الصهيوني- في غيبة الشخصية الإسلامية المميزة للأمة العربية والإسلامية- ظل يحقق أهدافه بحسب الخطة المرسومة!

تقاسم وظيفي

وفيما يتعلق بمصير الضفة الغربية وقطاع غزة تشير الدلائل إلى أن العدو الصهيوني مصمم على الاستبقاء عليها مهما أبدت الأطراف العربية الرسمية من تنازلات، فحزب العمل الذي كان يرى مستقبل الضفة الغربية في «الخيار الأردني» بمعنى اقتسامها مع النظام الأردني، تطور موقفه منذ بداية العام الجاري إلى التقاسم «الوظيفي» مع الأردن، وقد كان من أهم أسباب تطور هذا الموقف إخفاق الاتفاق الأردني- الفلسطيني، وتطور بنية حزب العمل الصهيوني وتوجهه نحو مواقف تجمع الليكود، وفي أجواء انكماش الوضع السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية أخذ شمعون بيريز يعلن عن خطته الجديدة للتقاسم الوظيفي مع الأردن منذ شهر مايو الماضي، وهي خطة على أية حال نالت موافقة حكومته التي يشاركه فيها تجمع الليكود الذي يروق للأنظمة العربية أن تنعته بالتطرف، فما هو شكل هذا التقاسم الوظيفي وكيف يكون؟

عندما طرحت الفكرة لأول مرة لم تكن واضحة بالطبع لأنها كانت فكرة مجملة وليس فيها تفصيلات، وظلت كذلك إلى وقت قريب قبيل تسلیم شمعون بيريز السلطة لإسحاق شامير قبل حوالي عشرة أيام.

وتستطيع القول إن مضامين هذه الفكرة بدأت تتضح عندما أخفقت جهود مصرية وعربية في المصالحة بين الملك حسين وياسر عرفات.

وابتداء من شهر يوليو الماضي بدأت عمان تتحدث عن خطة خمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، أعلن أن الهدف منها «دعم صمود الأهل في الأرض المحتلة» لتمكينهم من مواجهة مخطط العدو الصهيوني القاضي بالتضييق على السكان ودفعهم للهجرة إلى الأردن والدول العربية الأخرى.

ولا ننسى أن شمعون بيريز كان قد أرفق دعوته للتقاسم الوظيفي مع الأردن بالدعوة لمشروع «مارشال» اقتصادي لرفع مستوى المعيشة في الأرض المحتلة والدول العربية المجاورة، وقد عرض ذلك على إدارة ريغان في زيارته قبل الأخيرة لواشنطن في حزيران الماضي. وقام بجولة أوروبية بعد ذلك طالبًا تأييد الدعوة وتقديم المساعدات المادية لتنفيذها، ومنذ ذلك الحين أخذت إدارة ريغان تنصح بعدم استعمال مصطلح «الحكم الذاتي» سيئ الذكر المنصوص عليه في اتفاقيات كامب ديفيد، وإبداله بمصطلح «تحسين ظروف الحياة» في فلسطين المحتلة.

إجراءات أردنية

الأردن من جهته بدأ يرفع شعار رفع المعاناة عن الأهل في الأراضي المحتلة وتم اتخاذ عدة إجراءات بهذا الصدد كان أهمها ما يلي:

١- في ٤ /٨ /٨٦ تم الإعلان في عمان عن خطة خمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة تتطلب توفير حوالي ٤٦٢ مليون دينار أردني كمساعدات خارجية.

وقد صرح إلياس فريج لصحيفة الوطن الكويتية عدد ١٩/ ١٠ /٨٦ «أن جهودًا حثيثة تبذل حاليًا لدى السلطات المسؤولة في عدد من الدول العربية الخليجية لتأمين مساهمتها في دعم ميزانية الخطة التي لا تنطوي على أية أغراض سياسية».

وقبل أيام كان رئيس وزراء الأردن زيد الرفاعي يجري محادثات في الكويت أسفرت عن توقيع اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني، وفي هذا السبيل ستعقد ندوة هنا عن التعاون الاستثماري بين الأردن والكويت في الربع الأول من العام القادم، ومع أن تفاصيل هذا الاتفاق لم نطلع عليها بعد، إلا أنه واضح أنه يستهدف تمكين الأردن من تنفيذ خطة التنمية للضفة الغربية والقطاع التي تحدث الوفد الأردني عنها في أكثر من مناسبة خلال وجوده في الكويت.

ومع أن زيد الرفاعي قد أوضح كإلياس فريج أن الخطة ليس لها أهداف سياسية، إلا أن مساعد رئيس بلدية القدس المحتلة السابق والخبير بشؤون الأرض المحتلة ميرون بنفينستي والذي حصل على نسخة من الخطة قال: «إن هذه الخطوة ذات هدف سياسي بحت، وهو تجاوز منظمة التحرير» (اليوم السابع 13/10/86).

ومن الناحية الاقتصادية يمكن القول إن الخطة بتفاصيلها المعلنة لا يمكن وصفها بأنها أكثر من محاولة لتحسين ظروف المعيشة في الضفة والقطاع، حيث إن المبالغ المخصصة للقطاعات المختلفة تركز على علاج النقص الموجود حاليًا، وليس على تنمية هذه القطاعات ليزداد الناتج الإجمالي بصورة تطور هيكل الاقتصاد.

بنك القاهرة- عمان

٢- في ١٧/ ٩/ ٨٦ أعلن شموئیل جورين منسق الأرض المحتلة أن سلطات العدو الصهيوني صرحت لبنك القاهرة- عمان باستئناف أعماله في كبرى مدن الضفة الغربية نابلس، وقد أشارت مصادر حكومة العدو إلى أن مفاوضات مباشرة بين مصرفيين أردنيين ويهود تمت بوساطة أميركية كان لشولتز ثقل فيها توصلت إلى اتفاق في لندن بشأن إعادة فتح بنك القاهرة– عمان في نابلس، وقد أكدت صحيفة كريستيان ساینس مونیتر (2/ 10/ 86) أن «مسؤولين أميركيين أكدوا ذلك في مجالسهم الخاصة» وكان ممن أسهم في دفع هذه المفاوضات ريتشارد مورفي، وتوماس بيكارنغ السفير الأميركي في تل أبيب، وتقول مصادر العدو إن سلطات الاحتلال ستراقب العملة الأجنبية في البنك فيما يراقب الأردن الحسابات بالعملة الأردنية.

 والجدير بالذكر أن سلطات الاحتلال وافقت عام ۱۹۸۱ على افتتاح بنك فلسطين في غزة الذي قال مديره هاشم الشوا: إن الترخيص لبنك القاهرة- عمان تم بدعم من حكومة الأردن ومصر والعدو الصهيوني وأميركا.

٣- في ٢٢/ ٩/ ٨٦ اتخذت الحكومة الأردنية قرارًا بتعيين ٧٥ مهندسًا في بلديات نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية ورام الله وبيت لحم والخليل من قبل وزارة الأشغال في عمان ويكون راتب المهندس ۱۲۰ دينارًا أردنيًا في الشهر.

٤- في ٢٨/ ٩/ ٨٦ أيدت الحكومة الأردنية قرار سلطات الاحتلال تعيين د.عبدالمجيد الزير رئيسًا لبلدية الخليل، والمختار حسن مصطفى الطويل رئيسًا للجنة البيرة، وخليل موسى رئيسًا للجنة البيرة.

وقد صرح المعنيون الثلاثة بأن الأردن وافقت على تعيينهم نتيجة لمشاورات بدأت منذ شهر يونيو الماضي، ولقيت هذه الخطوة استنكارًا في الأرض المحتلة ومن منظمة التحرير الفلسطينية.

٥- في ٨٦/١٠/٢ قررت الحكومة الأردنية تقديم دعم مالي للضفة الغربية بمعدل ٣٠ ألف دينار أردني في الشهر، وقد شملت القرارات دعم المحامين المضربين في الأرض المحتلة الذين يقدر عددهم بحوالي ٢٤٥ محاميًا وذلك بدفع رواتب شهرية لهم تعينهم على سد احتياجاتهم الضرورية، كما شملت القرارات صرف رواتب المدرسين الذين عينتهم سلطات الاحتلال بعد عام ١٩٦٧ وحتى عام ١٩٧٤، والجدير بالذكر أن المدرسين الذين كانوا معينين قبل عدوان حزيران ٦٧ ظلوا يستلمون رواتبهم من الأردن.

القطاع يلحق بالضفة

٦- في ٤/ ١٠/ ٨٦ أصدر وزير الداخلية الأردني حسن الكايد تعليمات بصرف جوازات سفر لأبناء قطاع غزة وعرب الأرض المحتلة عام ١٩٤٨ ضمن شروط معينة ويقدر عدد الذين سيستفيدون من ذلك حوالي ٦٠ ألف نازح.

٧- في ١١ /١٠ /٨٦ قررت الحكومة الأردنية شراء أعلاف من أميركا لحساب الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومن الجدير بالذكر أنه ترافق مع هذه الإجراءات خطوات إعلامية مماثلة أبرزها توجيه برنامج تلفزيوني خاص لصمود الأهل في الأرض المحتلة، وإذاعة نشرة الأحوال الجوية لمدن الضفة الغربية.

العصا والجزرة

وعلى الرغم من الدفاع الأردني عن الهدف من هذه الإجراءات وربطه بمسؤولية الأردن القومية تجاه الأراضي المحتلة، فإن المراقب لا يسعه إلا التساؤل عن سبب تكثيف هذه الإجراءات في فترة زمنية قصيرة ومتأخرة جدًا.

فلماذا لم تتخذ هذه الإجراءات منذ عام ٦٧؟ وإذا كانت الظروف غير مساعدة فلماذا لم تتخذ في فترة سريان اتفاق عمان؟

قد لا يكون الوقت كافيًا للإجابة على هذه التساؤلات لكن تطورات القضية الفلسطينية منذ إخفاق التنسيق الأردني- الفلسطيني المشترك تجعلنا نرجح أن خطة شمعون بيريز للتقاسم الوظيفي مع الأردن هي النافذة.

وفي هذا السياق يقول ميرون بنفينستي في صحيفة حداشوت العبرية «إن الاتفاق على فتح بنك يشير إلى اتفاق صامت بين الأردن و«إسرائيل» وأميركا على تثبيت الوضع القائم في الأراضي المحتلة وجعله وضعًا دائمًا. فالأردن يخشى من عدم الاستقرار الذي سينجم عن تردي الوضع الاقتصادي في الضفة الشرقية، ومن هجرة المواطنين من الضفة الغربية إلى الشرقية، وهكذا تستخدم العصا «الإسرائيلية» لردع مؤيدي المنظمة، بينما يقدم الأردن مساعدة اقتصادية يحصل عليها من جهات أخرى وقد عبر عن ذلك لوكالة الصحافة الفرنسية قائلًا: «إسرائيل» والأردن اقتسمتا العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، وإن إحداهما تمسك بالعصا بينما تلوح الأخرى بالجزرة»!

وهذه السياسة يبدو أن حكومة شامير توافق عليها لأنها لم تعترض عليها حتى الآن، كما أعلن شامير بعد توليه منصب رئاسة الوزارة أن حكومته ستكون امتدادًا للحكومة السابقة، وبالتالي سيتم تكثيف ما يسمى بالجهود السلمية التي تقوم في جانب منها على تشجيع سكان المناطق على إدارة شؤونهم بأنفسهم! ودعوة الأردن للتفاوض المباشر.

 وهكذا فإن مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة يصير إلى تكريس الأمر الواقع أو حتى إنقاذ الأهل، وإعانتهم على الصمود في الأرض المحتلة!

هذا هو حال الأنظمة مع القضية الفلسطينية، ترى فما هو حال الشعوب العربية والإسلامية؟ إننا لمنتظرون ولمثل عملية القدس لآملون.

الرابط المختصر :