العنوان ليبيا وتشاد.. مشروع الوحدة هل هو مشروعية جديدة للاحتلال؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1981
مشاهدات 159
نشر في العدد 512
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 20-يناير-1981
* المراقبون الإسلاميون يبشرون بفشل المبادرة الوحدوية الجديدة على طريق المبادرات السابقة.
* القذافي يريد من الإعلانات الوحدوية إضفاء الروح الشرعية على القوات الليبية الموجودة في شمال تشاد.
* البعض يقول: إن القذافي يلعب لمصلحة الروس.. وآخرون يقولون: إنه يتحرك من خلال سياسة الوفاق والصراع بين القوى الكبرى.
* الجماهير العربية تسأل.. لمصلحة من يخط القذافي هذه السياسات المتلونة؟؟
ليبيا ومسلسل الوحدة:
ليبيا ومسلسل الوحدة موضوع طرح نفسه في معظم الصحف العالمية... ويبين أن قناعة المراقبين العرب والدوليين تلخص المبادرات الليبية بما أشارت إليه مجلة الوطن العربي الصادرة في باريس في عدد الأسبوع الفائت بقولها: «انتهى ازدواج الثقة بين طرابلس ودمشق».
* فالوحدة السورية الليبية هي من أواخر الإعلانات الوحدوية التي اشترك فيها القذافي.. ومع ذلك أجمعت المؤسسات الإعلامية على فشل تلك المبادرة في المهد، واختناقها كما اختنقت مبادرات سابقة.
* المبادرة الليبية مع تونس قبل أعوام قليلة.. والتي انتهت من الوحدة إلى الحشد العسكري على الحدود، والتدخل بأسلوب الشغب في الداخل التونسي.. وليست أحداث مدينة قفصة التونسية التي وصفت على أنها من تدبير العقيد القذافي عنا ببعيد.
* أما الوحدة مع الدويلة الأوروبية «مالطة» فقد فتحت الطريق أمام المالطيين لابتزاز أموال الشعب الليبي برضا العقيد المتربع في طرابلس.. ثم انتهت إلى الشتيمة.
* ومهما يكن من وحدات ومبادرات قذافية.. فإن ما حصل بينه وبين جاره السادات أيام التخطيط للوحدة الاندماجية قد أخذ وقتًا طويلًا يتناسب مع طول الخصومة وعمق الخلاف الذي أعقب تلك المحاولة الوحدوية الاندماجية.. والذي وصل إلى حد الصدامات الحدودية الدموية.
ولكن.. ماذا بعد؟؟!!!
لقد فاجأ معمر القذافي العالم بنبأ عزمه على الاتحاد في وحدة جديدة من نوع جديد مع دولة «تشاد» الأفريقية، وهنا يحسن أن نعطي قارئنا الكريم لمحة عن واقع هذه الدولة في نقاط محدودة:
١- تشاد بلدة شاسعة المساحة.. تغلب عليها الصحراء، تقع جنوب ليبيا، وتحدها من الشرق جمهورية السودان.
٢- تقول صحيفة هيرالد تربيون في عدد «٨» يناير ۱۹۸۱.. إن جهود القذافي مكثفة للوحدة مع تشاد المتميزة بقلة عدد سكانها.. وانفتاح أراضيها أمام الدبابات والعساكر الموجهين من ليبيا إلى الأراضي التشادية لتقوية الوحدة الاندماجية وتعزيزها.
٣- رئيس الجمهورية التشادي موافق على بنود الوحدة بين بلده وليبيا، بينما تقف المعارضة- وعلى رأسها وزير الدفاع الأسبق «حسين حبري»- في مواجهته والعقيد.
٤- نائب رئيس الحكومة التشادية «عبد القادر كاموغي» يقول: لقد ساعدنا القذافي بعض الشيء، لكنني لا أنسى أن ليبيا تحتل جزءًا من أرضنا وهو إقليم «أوزو».
٥- المعارك العسكرية كانت حتى وقتقريب مشتعلة في تشاد، في لعبة خطرة تديرها أطراف كثيرة خارجية مثل فرنسا وليبيا ونيجيريا ومصر والولايات المتحدة الأمريكية، وداخلية لحمتها الأحزاب والمنظمات الداخلية المتصارعة، والتي تصل في تعدادها إلى «١١تنظيمًا» وجماعة وحزبًا.
وهنا تبدو أوراق اللعبة التشادية مختلطة.. ويبدو أيضًا أن القوى الداخلية في تشاد تنفذ خطوط اللعبة.. ولعل الولاءات السياسية الخارجية للاتجاهات الداخلية هي التي تجعل تشاد مزقًا بيد الفرقاء المتنافسين عليها في الداخل والخارج.
ما هي محطة اللعبة في تشاد؟
على الرغم من أن تشاد واحدة من أفقر عشر دول... في العالم، إلا أنها أصبحت محطة أنظار القوى الدولية المتصارعة، وذلك للأسباب التالية:
1- اكتشف النفط في مناطق عدة من تشاد، وذلك بمخزون جيد.
2- التأكد من وجود معدن اليورانيوم في تشاد، الذي تحتاج إليه الاستعدادات النووية والذرية، وهذان السببان يضفيان على لعبة تشاد بعدًا دوليًا، بحيث تكثر الأطراف المتنازعة فيها وعليها، وإذا كانت ولاءات المنظمات الداخلية المتصارعة لحساب قوى خارجية، فأين يقع نصيب ليبيا من ذلك؟!
ليبيا والقوى المتصارعة:
على الرغم من وجود كثير من الاتجاهات المعارضة للوجود الليبي في تشاد؛ فإن ليبيا مازالت تلتقي مع:
١- القوات المسلحة الشعبية، ويقودها رئيس الحكومة.. ويتلقى الدعم المالي والعسكري من القذافي للقضاء على خصومه في الداخل.
٢- المجلس الديمقراطي الثوري، ويرأسه أحمد أصيل وزير الخارجية.
٣- القوات المسلحة التشادية بقيادة عبد القادر وأدال كاموغي... والذي يتلقى التوجيه من ليبيا.
وقد كان القذافي يفيد من ارتباطه قبل إعلان عزمه عن اندماجه بتشاد من ناحيتين:
١- ضرب خصوم رئيس الحكومة السيد «غوكوني عويدي»، وتغليبه عليهم في الداخل التشادي.
٢- التمهيد لدخول قوات ليبيا لاحتلال أجزاء إستراتيجية من تشاد لتوطيد الرغبة الوحدوية ومواجهة خصومها بالقوة.
القوى الداخلية الأخرى وعمالتها:
وفي مواجهة العقيد القذافي تقف كل من الجزائر ونيجيريا والسودان وفرنسا.. لتمنع العقيد والمتعاونين معه داخل تشاد، وذلك كما يلي:
١- تدفع فرنسا بقسم من العسكر.. القوات المسلحة للشمال بقيادة حسين حبري في مواجهة الجبهات الداخلية الأخرى والاستعلاء السياسي عليها.
٢- أما السودان.. فتقف متحركة وراء «جيش البركان الأول» الذي يقوده «عبد الله أدوق وانا»، كذلك لا تمتنع السودان من الوقوف إلى جانب «الحاج حاروا سنوسي» في مواجهة الجبهات الأخرى، والحاج سنوسي يقود جبهة فرولينا التشادية الأساسية.
٣- وأما نيجيريا فتقف وراء الحركة الشعبية لتحرير تشاد، وهي بقيادة عبد الله عبد الرحمن.
٤- ويقف الماركسيون المتمثلون في الاتحاد الوطني الديمقراطي والذين يرأسهم الدكتور فاتشو بلام تارة إلى جانب مؤيدي القذافي، وأخرى يعملون باستقلالية تهدف إلى نشر العقيدة الشيوعية في صفوف الشعب التشادي.
الصراع العسكري والموقف الليبي:
أشرنا في عدد ماضٍ قدمنا فيه دراسة وافية عن الوضع السياسي والعسكري في تشاد إلى لمحة تاريخية غطت الفترات التاريخية السابقة بما فيها زمن الاحتلال الفرنسي، ولا بأس أن نواصل هذه اللمحة لتجسيد الموقع الليبي فيما بعد.
في عام ١٩٧٥ قام الجنرال فيلكس «نصراني» بانقلاب عسكري.. كطبيعة العسكر الطائفيين... لم يفلح الانقلاب في تحسين الأوضاع التشادية؛ فقامت في تشاد ثورة مسلحة معارضة للحكم.. تصاعد نشاطها، وقفت إلى جانب «جبهة فرولينا» إلى درجة جعلت فرنسا تقنع باللعب مع هذه المعارضة على أساس شعرة معاوية، فعرضت المشاركة في الحكم على المعارضين، فلم يقبل بذلك إلا «حسين حبري» القائد العسكري للجبهة، والذي عين رئيسًا للوزراء عام ١٩٧٨.
أما هدف فرنسا فكان محاولة إنهاء الصراع التشادي في الداخل، إلا أن محاولة «حبري» دمج قواته بالجيش النظامي تمخضت عن تفجير صراع جديد.. مما مهد لدخول ليبيا في اللعبة... حيث تمكنت من الوصول بوسائل معينة إلى بعض رجالات المعارضة التي ذكرناها في بداية المقال، ومدعية أنها تريد القيام بشيئين:
1- مساعدة الشعب التشادي على التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي.
٢- استعادة قطعة من الأرض بزعم أنها أرض ليبية، وهذه الأرض هي منطقة «أوزو» على الحدود الليبية الجنوبية.
هذا وقد ادعت ليبيا أن سكان هذه المنطقة من أصل عربي.. وهنا بدأ بعض من يحاول القذافي ضمهم إليه منالتشاديين خيانته.. والابتعاد عنه ومنهم «عويدي» وتم إعلان ليبيا ضم «أوزو» إليها.
ليبيا والحكومة التشادية
الحكومة التشادية باتت مؤخرًا محصورة في محورين:
الأول: المحور الليبي ويمثله رئيس الحكومة.
الثاني: المحور الفرنسي ويمثله حسين حبري.
وبعد أن أفرزت المعارك السياسية فشل محاولات القذافي في تحقيق أهدافه داخل تشاد قام بفرز أنصاره.. وعمل على إمدادهم بجيش وآليات ليبية، الأمر الذي حول التعامل مع أنصاره داخل تشاد إلى ورطة استعمارية من نوع جديد.. وفي وسط هذا التورط أعلن القذافي عن مبادرته الوحدوية.... ولعل كثيرًا من التقارير السياسية تشير إلى أن العقيد القذافي يهدف إلى:
١- تغطية فشله في الوحدة مع سورية.
٢- إلهاء الليبيين- كعادته- بمواضيع تافهة عن الوضع السياسي الداخلي المتدهور في ليبيا.
٣- التعويض عن الإخفاق السياسي الذي حصل للقذافي في الساحة العربية بأكملها.
٤- الحصول على اليورانيوم والنفط الصالح حلفاء القذافي الذين يختلف المحللون السياسيون على هويتهم، فمنهم من يقول: إن القذافي يعمل لمصلحة الاتحاد السوفييتي فقط.... ومنهم من يقول: إنه يعمل من خلال لعبة الوفاق والصراع لصالح أطراف دولية متعددة، سواء كانت أطرافًا غربية رأسمالية، أم يسارية شيوعية إلحادية كافرة.
لكن.. هناك من يقول من المراقبين الإسلاميين لتحرك معمر القذافي ولعبته في تشاد: إن القذافي يريد بإعلانه الوحدوي مع تشاد أن يعطي قواته المتواجدة على الأرض التشادية شرعية يستمدها من دستور الوحدة.. ليحقق بعد ذلك كما يظن رغبة الأسياد الكبار.
وهنا يطرح سؤال نفسه:
* هل ستقف فرنسا مكتوفة الأيدي؟
* وهل ستنظر أمريكا التي تقف وراء البوابة النيجيرية المطلة على تخوم دولة تشاد نظرة المتفرج دون أن تحرك ساكنًا؟
* الحقيقة.. أن الإجابة على هذه الأسئلة لم يحن أوانها.. ولعل معظم المراقبين والمعلقين يعتقدون أن القذافي سيعلن بعد فترة وجيزة فشله في هذه الوحدة.. كما أعلن ذلك في أعقاب مبادرات وحدوية سابقة.. مسقطًا التهمة على الآخرين كالعادة!!
ويبقى سؤال كبير:
* لمصلحة من يقوم القذافي بتحركه السياسي المتلون.. كل يوم؟؟
إنه سؤال توجهه الشعوب العربية التي لم تؤمن في يوم ما أن سياسة العقيد إنما هي سياسة رجل مخلص!!