; مقاصد القرآن الكريم .. للشيخ حسن البنا- يرحمه الله | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد القرآن الكريم .. للشيخ حسن البنا- يرحمه الله

الكاتب الشيخ حسن البنا

تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004

مشاهدات 55

نشر في العدد 1623

نشر في الصفحة 34

السبت 16-أكتوبر-2004

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 23-27).

التجرد

كانت الآيات الأولى تحديدًا لصلة غير المسلمين بالمسلمين، وجاءت هذه الآيات تبيانًا لواجبات المسلمين في مجتمعهم الجديد، أو القواعد الأساسية التي يجب أن يقام عليها هذا المجتمع. وأول هذه الواجبات «التجرد».

التجرد للفكرة التي آمنوا بها والتضحية في سبيلها بكل شيء بولاية الآباء وهم أقرب الناس إلى القلب، والإخوة وهم السناد في هذه الحياة، ومن هنا اشترط الله على المؤمنين أن يبرؤوا من الآباء والإخوة إذا وقفوا في طريق الدعوة واستحبوا الكفر على الإيمان، فإذا لم يحقق أحد المسلمين هذا الشرط، فقد ظلم نفسه بادعاء الإيمان وظلم الحق في هذه الدعوى غير الصادقة.

ومن لطف الله بعباده أن يشترط للتبري أن يستحب الآباء والإخوة الكفر على الإيمان فلو وقفوا محايدين أو مكرهين لكان لأبنائهم وإخوتهم أن يوالوهم إن شاءوا: تقديرًا للرحم وإبقاء على الصلات الاجتماعية بين الناس.

وهذا المعنى أوضح ما يكون في الآية التالية، فقد جمع القرآن الكريم مباهج الحياة ومجامع زينتها وقوام شؤونها -من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والمتاجر والمساكن وليس في الدنيا إلا هذه الثمانية- في كفة واحدة ووضع قبالها حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، فأيما مؤمن رجع عنده حب الله ورسوله على هذه المحبوبات فهو قوي صادق الإيمان قوي اليقين وأيما رجل كانت هذه الثمانية مجتمعة أو كان بعضها أحب إلى نفسه وأقرب إلى قلبه من حب الله ورسوله كان ناقص الإيمان ضعيف العقيدة والله لا يهدي القوم الفاسقين.

ومن جميل لطف الله أنه لم ينف أصل الحب، فتلك غريزة في البشر لا يمكن التخلي عنها، ولكنه إنما نفى تقديم حب هذه الأمور على حب الله ورسوله، ويظهر أثر ذلك فيما لو تعارض الحبان فهذا كسب يغضب الله، ولكنه كثير. وهذا ربع قليل، ولكنه يرضي الله، فمن أثر الأول فقد فسق، ومن أثر الثاني فهو من المؤمنين الصادقين.

وهذه أرض طيبة ومساكن جميلة رحبة، ولكن المقام فيها على ضيم وذل واستكانة في الدنيا واستهانة بالدين، وهذه هجرة متعبة، ولكنها ترضي الله ورسوله، وبحسب ما يختار العبد تكون منزلته من الإيمان أو الفسق، وهل الإيمان إلا الحب والبعض؟

فضل محبة الله ورسوله

ولا يمكن أن يتم إيمانٌ عبد أو يتحقق إلا إذا أحب الله ورسوله من كل قلبه وظهرت آثار هذا الحب في تصرفاته والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِۗ﴾ (البقرة: ١٦٥)، ويقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ ﴾ (الأحزاب: ٦)، وقد روى الشيخان عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من كن فيه. به وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» ورويا حديث أنس أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى من أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وروى البخاري من حديث عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو أخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله ﷺ لأنت أحب إلى من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال النبي ﷺ: «لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلى من نفسي، فقال له النبي ﷺ: «الآن يا عمر».

والطريق إلى محبة الله تبارك وتعالى ومحبة رسوله ﷺ واضحة مستنيرة: أن يكثر المؤمن من التفكير في مصنوعات الله تعالى مع دوام ذكره والإكثار من الصلاة والسلام على رسوله ﷺ، وتقدير الهداية العظمى التي جاء بها هذا النبي العظيم عن ربه عز وجل في رسالة الإسلام الحنيف والبحث عن أسرارها ووقائعها، مع دوام طاعة الله والتحرز عن معصيته، فالطاعة للإيمان كالزيت للمصباح. والماء للنبات والمعصية سم قاتل وظلام محيط يذهب بنور القلب وسعة الصدر وبهاء الوجه وإشراقة الإيمان، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولتن سألني لأعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه». «رواه البخاري».

كما أن الاتباع والمواظبة على السنَّة أقرب الطرق إلى هذه المحبة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31).

يوم حنين: الوقائع

لما بلغ هَوازن فتح مكة جَمعهم مالك بن عوف من بني نصر بن مالك وكانت الرئاسة في جميع المعسكر إليه، وساق مع الكفار أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم حتى تشتد شوكتهم في القتال دفاعًا عن أهليهم وأموالهم، وكانوا ثمانية آلاف من هوازن وثقيف فيما يرويه الحسن ومجاهد، ونزلوا بأوطاس -وهو واد في ديار هوازن- وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدود الأسلمي عينًا له، فأتاه وأخبره بما شاهد منهم، فعزم رسول الله ﷺ على قصدهم، واستعار من صفوان بن أمية دروعًا -قيل مائة درع وقيل أربعمائة- واستلف من ربيعة المخزومي ثلاثين ألفًا أو أربعين، فلما قدم قضاه إياها ودعا له بخير فقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاءً السلف الوفاءً والحمد».

وخرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفًا من المسلمين منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح وهم الطلقاء: إلى من انضاف إليهم من الأعراب من سليم وبني كلاب وعبس وذبيان، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. ومن الطرائف أن بعض الأعراب رأى في طريقه شجرة خضراء، وكان لهم في الجاهلية شجرة معروفة تسمى «ذات أنواط» يخرج إليها الكفار يومًا معلومًا في السنة يعظمونها، فقالوا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال عليه السلام: «الله أكبر! قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون لتركين سنن من قبلكم حَذو القُذَّة بالقُذة، حتى إنهم لو دخلوا جُحر ضَب لدخلتُموه».

ونهض رسول الله ﷺ حتى أتى وادي حنين -وهو من أودية تهامة- وكانت هوازن قد كمنت في جانبيه، وذلك في غبش الصبح، فحملت على المسلمين -حين توسطوه - حملة رجل واحد، وكانوا قومًا رُماة، فانهزم جمهور المسلمين لهول المفاجأة، وتساقط النبل كانه رجل من جراد، وثبت رسول الله ﷺ وأخذ يدفع بغلته إلى الأمام ويترنم بقوله: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، وثبت معه نفر من أصحابه - قيل ثمانون وقيل عشرة والجمع بين القولين ميسور، فالثابتون بجواره عشرة والثابتون بعدهم بقية العدد - ومن الثابتين: أبو بكر وعمر والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه جعفر وأسامة بن زيد وربيعة بن الحارث والفضل بن عباس وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن حاضنته ﷺ واستشهد يومئذ، وفي ذلك يقول العباس:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة         وقد فر من قد فر عنه وأقشع

وعاشرنا لاقي الحمام بنفسه                 بما مسه في الله لا يتوجع

وثبتت أم سليم في جملة من ثبت محتزمة ممسكة بعيرًا لأبي طلحة وفي يدها خنجر وفي صحيح مسلم عن أنس: قال العباس: وأنا أخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان بن الحارث أخذ بركاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «أي عباس ناد أصحاب السمرة» فقال العباس وكان رجلًا صيتًا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك. وكروا عليهم كرة رجل واحد، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم يروها، وعذب الذين كفروا بالهزيمة الماحقة وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ممن أسلم منهم، وقد أسلم عامتهم بعد ذلك، وجاءوا إلى النبي ﷺ تائبين مستغفرين والله غفور رحيم.

اللواحق

1- شماتة المنافقين: ولماوقعت الهزيمة تكلم رجال من المنافقين حديثو العهد بالإسلام بما في أنفسهم من الظن والريبة، وأخذوا يتندرون بذلك فقال بعضهم: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال آخر: ألا قد بطل السحر اليوم، حتى إن رجلًا من المشركين رد على هذا القائل بقوله: اسكت فوالله لان يريني رجل من قريش أحب إلى من أن يريني رجل من هوازن وذلك شأن هؤلاء الضعفاء فيكل زمان ومكان.

2- إسلام شيبة بن عثمان الحجبي: قال شيبة: لما كان عام الفتح ودخل رسول الله ﷺ مكة عنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن ا اختلطوا أن أم أصيب من محمد غرة فأثار منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وكنت أظن أنه لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدًا ما اتبعته أبدًا. وكنت مرصدًا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته، فأصليت السيف ودنوت أريد ما أريد منه فرفع لي شواط من نار كالبرق يكاد يمحشني «يحرقني» فوضعت يدي على بصري خوفًا على، فالتفت إلى رسول الله ﷺ فناداني: «يا شيب أدن مني، فدنوت منه، فمسح صدري ثم قال: «اللهم أعذه من الشيطان، قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلى من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي، ثم قال: «ادن فقاتل، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي الله أعلم أني أحب أن أقيه بنفسي من كل شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيًّا لأوقعت به السيف، فجعلت الزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله ﷺ فاستوى عليها وخرج في إثرهم حتى تفرقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيري حبًا لرؤية وجهه وسرورًا به، فقال: يا شيب احمد الله الذي أراد بك خيرًا مما أردت لنفسك، ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لأحد قط. قال شيب: قلت: أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم الله قلت استغفر لي فقال ﷺ: «غفر الله لك».

3- وفد هوازن: وانصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة وبها السبي والغنيمة، وقدم عليه بها وفد هوازن مسلمين وفيهم تسعة نفر من أشرافهم فقالوا يا رسول الله: إنا أهل وعشيرة قد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول، وأنشد أبياته المشهورة التي أولها:

 أمنن علينا رسول الله في كرم                  فإنك المرء نرجوه وتدخر

وإنما يريد بخالاته وعماته -عليه الصلاة والسلام- قرابة الرضاع، فقد استرضع في بني سعد بن بكر عند «حليمة السعدية» وهي من هوازن وكان في السبايا أخته الشيماء وقد أكرمها وحباها ﷺ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم ومعي من ترون، وأحب الحديث إلى أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال؟ فقالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا تتكلم في شاة ولا بعير، فقال رسول الله ﷺ: أما الذي لبني هاشم فهو لكم. وسوف أكلم لكم المسلمين، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: «أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، ولقد رددت الذي لبني هاشم عليهم فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون له حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفي، الله علينا فليقل، فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله، وردوا عليهم ما كان لهم من سبي.

4- قسمة الغنائم: روى أحمد والبخاري ومسلم من عدة طرق من حديث عبد الله بن عبد العزيز بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟، وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟- كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئًا؟ قالوا: الله ورسوله أمن قال: لو شئتم قلتم جنتنا كذا وكذا.. وهو تأدب من الراوي -فسرته رواية ابن سعيد- فقال ﷺ: «أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتُم أتيتنا مكذبًا فصدقناك، وطريدًا فأويناك، وعائلًا فواسيناك». وفي رواية من حديث أنس: أفلا تقولون: جئتنا خائفًا فأمناك، وطريدًا فآويناك، ومخذولًا فنصرناك» فقالوا: بل المن علينا لله ورسوله، ثم قال ﷺ: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، فبكى القوم حتى أخضلت لحاهم بالدموع وقالوا: قد رضينا يا رسول الله.

5- المؤلفة قلوبهم: روى أحمد ومسلم من حديث رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مائة من الإبل يتألف بها قلوبهم، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فوجد عباس في نفسه، فأتم له رسول الله ﷺ مائة. وروى هؤلاء وغيرهم البخاري أن رجلًا رأى ما أخذ فقال: ما أريد بهذه القسمة وجه الله، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا قصير»، وروى الواقدي أن القائل معتب بن قشير بن عوف وكان من المنافقين، ونقل الحافظ بن حجر في الفتح أسماء المؤلفة قلوبهم الذين أجزل لهم العطاء فبلغوا أربعين ونيفًا.. والله أعلم.

الحكم

وقد تجلت في غزوة حنين حكم جليلة منها:

  1. التوجيه الرباني: ذلك أن الجيش الإسلامي الظاهر حين دخل مكة المكرمة وهي معقل الأمة العربية، وموطن قريش قادة الناس، سبق إلى بعض الظنون أن ذلك كان بمحض قوته وعدده وكثرته، فأراد الحق تبارك وتعالى أن يوجه عباده إلى الطريق القويم والصراط المستقيم ويلفت الأنظار إلى أن الإعداد سبب ولكن النتائج بيده هو، وأن عليهم أن يصدقوا في التوجه إليه والاعتماد عليه ففاجأتهم الهزيمة في حنين لتكون تذكيرًا بهذا التوجيه ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25) ضعها إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123) لتعلم أن عواقب الأمور جميعًا بيد الله، وأن ذلك لا يمنع أبدًا من أن نعد كل ما تستطيع من قوة، بل إن من الواجب أن تفعل ذلك امتثالًا لأمر الله العلي الكبير.

  2. كسر حدة الغرور المتوقع بعد هذا النصر المبين: وخصوصًا لقوم حديثي عهد بهذا الدين، والعربي فخور بطبعه معتد بعمله. ولقد دخل رسول الله ﷺ مكة حين الفتح خاشعًا متواضعًا قد أحلى رأسه الشريف تواضعًا لله -تبارك وتعالى- وشكرًا له حتى كاد يمس سرجه، وليس كل الناس رسول الله ﷺ فكان في هذه المفاجأة ما يطير بوساوس الغرور أو خواطر الاعتداد، حماية لهذه النفوس الكريمة من غوائل هذه الأخلاق الذميمة.

  3. المعونة المالية: قد فتح المسلمون مكة وهي حرم الله وأمنه، ونادي منادي رسول الله ﷺ من دخل الحرم فهو أمن فاستأمن الناس ولم يغنم الفاتحون دينارًا ولا درهمًا. وبذلوا لهذه الغزوة من ذات أنفسهم وذات يدهم ما بذلوا فعوضهم الله خيرًا بهذه الغنيمة من هوازن، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أربعين ألفًا، والفضة أكثر من أربعة آلاف أوقية.

  4. التثبيت: فهؤلاء الذين دخلوا في دين الله أفواجًا بعد الفتح، لا بد أن يروا من لطف الله تبارك وتعالى بنبيه وبالمؤمنين ما يزيدهم يقينًا، وقد رأوا ذلك بأعينهم بعد سوء الظن. فكان الدرس أعمق في نفوسهم أثرًا، وأجل خطرًا، والله ولي المؤمنين (۱).

الهوامش

(1) مجلة «الإخوان المسلمون» الأسبوعية- السنة الخامسة- العدد 11 في 1 ذي الحجة ١٣٦٦هـ / ١٨ أكتوبر ١٩٤٧م.

أول كتاب مطبوع للشيخ حسن البنا منذ استشهاده يصدر قريبًا عن دار الوثيقة للطباعة والنشر- الكويت

الرابط المختصر :