; الحوار مع الشيوعيين (24) مصارف الزكاة | مجلة المجتمع

العنوان الحوار مع الشيوعيين (24) مصارف الزكاة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1973

مشاهدات 122

نشر في العدد 151

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 22-مايو-1973

* الزكاة.. تسد الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات

لا يستطيع إنسان أن يحيط بأسرار هذه الفريضة الربانية في تزكية النفس والمجتمع وتطهيرها فضلًا عن تزكيتها للمال وتطهيره.

• وكلما اكتشفنا بعدًا إنسانيًا لاح لنا بعد آخر سواء في داخل كل مصرف من مصارف الزكاة على حدة أو في المصارف مجتمعة أو في النسب المفروضة على الأموال أو في أنواع الأموال المزكاة أو في أسلوب التحصيل أو التوزيع أو فيما لا يندرج تحت عنوان بعينه، ففي كل ذلك يقابلنا لون جديد متميز من الحياة فريد في علاقاته بين الناس بعضهم ببعضهم وبينهم وبين الحاكم بل حتى بينهم وبين أشياء الأرض من حولهم..

• وكثيرًا ما ارتفع همس نفوسنا إلى تساؤلات مدهوشة، أكان ذلك كذلك؟ أم أن هذه النصوص الحكيمة وهذا الفقه العظيم كانا مجرد مثال لمّا يرقى إليه الواقع بعد؟ ويزداد بنا العجب عندما نتحقق من أن ذلك كان واقعًا على هذه الأرض تشهد له هذه المجلدات الضخمة من الأحكام الفقهية التي تعالج دقائق الحياة العملية في تاريخنا الاقتصادي.

• وأسفنا على حياة ضاعت أُفهمنا فيها الزكاة على أنها مجرد إحسان من ذوي المروءات والفضل يمكن أن تستر عورة الضرائب بعملها في محيط التأمينات الاجتماعية... ولم نفهمها على أنها نظام مالي أصيل متميز قائم بذاته بديل عن كل أنظمة الأرض المالية يحقق في الثروة والنفس والمجتمع أغلى ما يحلم به مصلح بل لم يصل حلم إنسان في الحقيقة إلى مثل هذا النظام أبدًا على كثرة ما قدمت قريحة الفلاسفة والحكماء من نماذج المدن الفاضلة..

• وحسبنا اليوم أن نطلق الفجر من عقال السواد وأن نرسل شمس الزكاة حرة في سماها لتبعث في نفوسنا دفء اليقين بعظمة هذا الدين وخلوده، ولتبدد عن أفكارنا ضباب التشويه والضعف الذي أصاب كل شيء في حياتنا حتى مدلولات الألفاظ ذاتها قبل أن تهُب للحركات الإسلامية بهذا التصحيح.. ولندخل إلى الموضوع من مصارف الزكاة ثم نثني بالتوزيع، ثم هل في المال حق سوى الزكاة؟ ثم فيم تختلف الزكاة عن الضريبة؟ وأخيرًا معالم البيئة الجديدة..

مصارف الزكاة

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60)، وروى أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته.. وذكر حديثًا طويلًا، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك».

(1) (2) (الفقراء والمساكين):

صنفان من الناس يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية على خلاف بين الفقهاء في مدلول الفقير والمسكين..

ومن الطبيعي إذا طبقت الزكاة لأول مرة في أحد المجتمعات أن تهدف في الدرجة الأولى إلى أبرز آفاته وأشد علله، وليس سوى الفقر والمسكنة أغلب آفة وأصل علة في جميع المجتمعات الجاهلية المنتكسة، ولكن بعد جولة وجولة من مصارف الزكاة تأخذ آفاتها في الاختفاء وعللها في البرء وينفسح الطريق أمام الزكاة لتنشيط الأغراض الاجتماعية الأخرى فتأتي عليها واحدًا بعد الآخر تمشيًا مع مقاصد الشرع الحنيف في تحقيق الضروريات فالأولويات فالتكميليات في المجتمع..

• وما كان ليغيب عن رسول الهدى وهو يوصي عماله على الزكاة بأن يأخذوا من الأغنياء ويردوا على الفقراء أنهم سيقومون أيضًا ببقية المصارف الأخرى ولكنها الأولوية في الاهتمام والإعجاز في إصابة الهدف، وقد قال لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»(1).

ولم يزل معاذ بن جبل بالجند حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه.. ولما بعث إليه معاذ بثلث زكاة الناس أنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيًا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدًا يأخذه مني، فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الزكاة فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك، فقال معاذ: ما وجدت أحدًا يأخذ مني شيئًا.

ومن وحي هذا النور تطالعنا نفس الصورة في شكلها الجديد بعد الفتوحات وفي عصر خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز الذي كان يمتد حكمه من الصين إلى الأندلس، حين كتب إلى واليه على العراق عبدالحميد بن عبدالرحمن: «أن أخرج للناس أعطياتهم» فكتب إليه عبدالحميد: إني قد أخرجت للناس أعطياتهم وقد بقي في بيت مال المسلمين مال، فكتب إليه: انظر كل من ادّان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه، فكتب إليه: إني قد قضيت عنهم وبقي في بيت مال المسلمين مال، فكتب إليه أن انظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه، فكتب إليه: إني قد زوجت كل من وجدت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال، فكتب إليه بعد مخرج هذا أن انظر كل من كانت عليه جزية (من غير المسلمين) فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه، فإنا لا نريد لعام ولا لعامين» ونفس المراجعة حدثت مع عامله على إفريقيا!

• نعود بعد هذا التذكير إلى مدلول لفظي الفقراء والمساكين، فالفقير عند الحنفية هو من يملك شيئًا دون النصاب الشرعي في الزكاة، أو يملك ما قيمته نصاب أو أكثر من الأثاث والأمتعة والثياب والكتب ونحوها مما هو محتاج إليه لاستعماله والانتفاع به في حاجته الأصلية.

وعند الأئمة الثلاثة لا يدور الفقر والمسكنة على عدم ملك النصاب، بل على عدم ملك الكفاية والمراد بالكفاية كفاية السنة عند المالكية والحنابلة، أما عند الشافعية فالمراد كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلده، فإن كان العمر المعتاد لمثله ستين وهو ابن ثلاثين وكان عنده مال يكفيه لعشرين سنة كان من المستحقين للزكاة لحاجته إلى كفاية عشر سنين(2).

• وقد اتفق الفقهاء على معنى الغنى الموجب للزكاة في الجملة وهو ملك النصاب من الأموال النامية المعروفة بشروط خاصة.

• على حين اختلفوا في حد الغنى المانع من قبولها على أقوال.

فمنهم من اعتبره لمن يملك خمسين درهمًا.

ومنهم من يراه في ملك نصاب زكوي من أي مال كان أو من يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته ويبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم.

ومنهم من قال «لا بأس أن يعطي من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم وفرش وسلاح وثياب البدن وكتب العلم إن كان من أهله فإن كان له فضل عن ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة.. لما روي عن الحسن البصري أنه قال «كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخدم والدار» وقوله كانوا كناية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التي لا بد للإنسان منها فكان وجودها وعدمها سواء. وقال الشافعي قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا مع كسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه وكثرة عياله.

• ويندرج المتفرغ للعلم تحت هذين السهمين إذا تعذر عليه الجمع بين الكسب وطلب العلم لأنه يقوم بفرض كفاية ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه، بل هي لمجموع الأمة، فمن حقه أن يعان من مال الزكاة، لأنها لأحد رجلين، إما لمن يحتاج من المسلمين أو لمن يحتاج إليه المسلمون، وطالب العلم قد جمع بين الأمرين(3).

• ولا يقر فقهاء الإسلام إعطاءها للمتفرغ للعبادة لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه ولأنه مأمور بالعمل والسعي في الأرض ولا رهبانية في الإسلام.

• أما عن المسكين فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس».

كم يعطى الفقير والمسكين من الزكاة؟

اختلفت المذاهب إلى اتجاهين:

الأول: يقول بإعطائهما ما يكفيهما دون تحديد بمقدار من المال وفيه مذهبان:

1 - مذهب يقول بإعطاء كفاية العمر.

2 - ومذهب يقول بإعطاء كفاية السنة.

الثاني: يقول بإعطائهما مقدارًا محددًا من المال يقل عند البعض ويكثر عند الآخرين.

فمن قالوا بكفاية العمر يقولون: من يبيع البقل يعطى خمسة دراهم أو عشرة، ومن حرفته بيع الجوهر يعطى عشرة آلاف درهم إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها، ومن كان ذا حرفة أعطي ما يشتري به آلات حرفته قلت قيمة ذلك أو كثرت، ومن كان من أهل الضِّياع (المزارع) يعطى ما يشتري به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام(4).

فإن لم يكن محترفًا ولا يحسن صنعة ولا تجارة ولا شيئًا من أنواع الكسب أعطي كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلاده.

وكان عمر رضي الله عنه يقول: إذا أعطيتم فأغنوا، وكان يوصي السعاة بقوله: «كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل»(5) وقال معلنًا سياسته: «لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل»(6).

• أما مذهب من يرى الاقتصار على كفاية السنة فيرونها في العادة أوسط ما يطلبه الفرد من ضمان العيش له ولأهله وفي هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك أسوة حسنة فقد صح أنه ادخر لأهله قوت سنة(7)، ولأن أموال الزكاة في غالبها حولية فلا داعي لإعطاء كفاية العمر، وفي كل عام تأتي حصيلة جديدة من موارد الزكاة ينفق منها على المستحقين.

• وأخص ما يخرج به الإنسان من شعور أمام هذه المعاملة الفريدة هو وجود روح الإخاء في المجتمع وليس مجرد عدالة الأرقام بين القلوب المتنافرة، وفي هذين المصرفين كلام فقهي كثير يرن صدى نغمته الأسرية والإيمانية في نفسك على الدوام.

حتى عندما تنتهي جميع أسباب الحاجة المادية فإن الحاجة النفسية إلى الحب المتبادل والإيثارات المعطاة لا تتوقف وتحل التطوعات محل القروض المالية والإحسانات محل الواجبات، استجابة للنداء الخالد من رسول الهدى والرحمة: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.

3 – (والعاملين عليها):

صنفان:

أ- القائمون على أخذها ويسمون بالسعاة أو المصدقين.

ب- القائمون على تقسيمها وتفريقها من أمين ومباشر وتابع وينبوع..

حيث كان يبعث الإمام أو نائبه جباة الزكاة للزروع والثمار وقت وجوبها وهو إدراك الجذاذ والحصاد لأنها لا تتعلق بالحول، أما الأنعام وغيرها من الأموال التي يعتبر فيها الحول فكان يعين شهرًا يأتونهم فيه وكانوا يستجمعون أن يكون ذلك هو شهر المحرم صيفًا كان أم شتاء لأنه أول السنة الشرعية..

وكان من شروط العامل:

1.      أن يكون مسلمًا.

2.      أن يكون مكلفًا.

3.      أن يكون عالمًا بأحكام الزكاة.

4.      أن يكون أمينًا.

5.      أن يكون كفئًا للعمل.

وقد أتت السنة العملية بالتنظيم الدقيق لهذا العمل.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن الرسول عليه السلام بعث عمر على الصدقة كما استعمل الرسول رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية.

كما بعث أبا مسعود سامعًا وبعث أبا جهم مصدقًا وبعث عقبة بن عامر ساعيًا.

وفي الطبقات لابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث المصدقين إلى العرب في هلال المحرم سنة تسع وذكر ابن سعد أسماء المصدقين وأسماء القبائل التي بعثوا إليها.

وذكر ابن إسحاق جماعة آخرين بعثهم النبي e إلى قبائل وأقاليم أخرى من جزيرة العرب..

وقال ابن حزم في كتابه «جوامع السيرة»: كان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات الزبير بن العوام فإن غاب أو اعتذر كتب جهم بن الصلت وحذيفة بن اليمان.

فبماذا كان يرجع هؤلاء السعاة أو المصدقون؟

لم يكونوا يذهبون كمأموري الضرائب معززين بالشرطة والمباحث السرية وبجيش من المحاسبين وبكل عوامل ضياع الثقة من أطنان الدفاتر، ولم يكونوا يعودون بالغنائم والأموال ولا حتى لخزانة الدولة.. فأي نوع من الرجال كانوا إذن؟! وفي أي نوع من أنواع المدن الفاضلة كانوا يعملون؟! لقد كانوا يذهبون ويعودون بصفاتهم كسعاة ومصدقين لا جباة جبارين وأنعم بها من صفة تكون عصب الحركة المالية في خير أمة أخرجت للناس؟

فيقول ابن سعيد: كنا نخرج لنأخذ الصدقة فما نرجع إلا بسياطنا.

وعن سعيد بن المسيب أن عمر بعث معاذًا ساعيًا على بني كلاب أو على بني سعد بن ذبيان فقسم فيهم حتى لم يدع شيئًا حتى جاء بحلسه الذي خرج به على رقبته، فقالت امرأته: أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة أهليهم (أي من الهدايا)؟ فقال: كان معي ضاغط (أي رقيب). فقالت: قد كنت أمينًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر أفبعث عمر معك ضاغطًا؟! فقالت بذلك في نسائها، فاشتكت عمر، فبلغ ذلك عمر فدعا معاذًا فقال: ما بعثت معك ضاغطًا! فقال له: لم أجد شيئًا أعتذر به إليها إلا ذلك، فضحك عمر وأعطاه شيئًا وقال: أرضها به.

الإدارة المحلية أو اللامركزية

لقد كان سهم العاملين عليها إذن هو المفتاح الأول في توفير مبدأ الإدارة المحلية التي يحلم بها علماء التنظيم الإداري كما كان مبدأ توزيع الزكاة في محل جبايتها هو المفتاح الثاني وكان وراء إعطاء العاملين عليها سهمهم مباشرة من مال الزكاة حكمة بالغة في تقديم اللامركزية ومنع البيروقراطية لأن المحلية في الزكاة وهي عصب الحياة المالية تدفع إلى محلية كل شيء بعدها..

ويقول الماوردي(8): «جعل الله أجورهم في مال الزكاة لئلا يؤخذ من أرباب الأموال سواها فيدفع إليهم من سهمهم قدر أجور إعطائهم، فإن كان سهمهم منها أكثر رد الفضل على باقي السهام، وإن كان أقل تمت أجورهم من مال الزكاة في أحد الوجهين، أو من مال المصالح في الوجه الآخر».

ويعطى العامل ولو كان غنيًا لأنه إنما يأخذ أجرًا عن عمل أداه لا معونة لحاجة أصابته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق إلى المسكين فأهداها المسكين للغني»(9).

بين النصيحة والحساب

•  وفوق اختيار العاملين من خلال أدق الشروط فقد كانوا يزودون بنصائح الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فعن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا (إبرة خيط) فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة» فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله أقل عني عملك، قال: «وما لك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: «وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى»(10).

عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على الصدقة فقال: «يا أبا الوليد: اتق الله لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء» قال: يا رسول الله: إن ذلك لكذلك؟! قال: «إي والذي نفسي بيده» قال: والذي بعثك بالحق لا أعمل لك على شيء أبدًا»(11).

وكان لا يكتفي الرسول بنصحهم حتى يحاسبهم كذلك، وسبق أن ذكرنا قصة ابن اللتبية الذي قال: هذا لكم وهذه هدية أهديت إليّ، ولما سمع خطبة الرسول e وما فيها من إنكار لهذا التصرف رد ما كان قد أخذه..

وعن النعمان بن الزبير قال: استعمل محمد بن يوسف طاوسًا على مخلاف، فكان يأخذ الصدقة من الأغنياء فيضعها في الفقراء، فلما فرغ قال له: ارفع حسابك، قال: مالي حساب، كنت آخذ من الغني فأعطيه المسكين...

وبعد: فهل تحلم أمة أن يكون هذا هو حدود اختصاص القائمين على النظام المالي فيها، وأن يكون هذا طبيعة عملهم؟ وأن تكون هذه هي أخلاقهم! بل وإسلامهم!

4 - المؤلفة قلوبهم:

هم الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام أو التثبيت عليه أو كف شرهم عن المسلمين أو رجاء نفعهم في الدفاع أو في النصر على عدو، وهو أمر لا يرجع إلى الأفراد في العادة..

وقد قال القرطبي(12): «المشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع عن كفره بإقامة البرهان وصنف بالقهر والسنان وصنف بالعطاء والإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببًا لنجاته وتخليصه من الكفر».

روي أنه لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء المؤلفة قلوبهم أبا بكر وسألوه أن يكتب لهم خطًا بسهمهم، فأعطاهم ما سألوه، ثم جاءوا إلى عمر وأخبروه بذلك فأخذ الخط من أيديهم ومزقه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعز الله دينه، فإن ثبتتم على الإسلام، وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف! فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه بما صنع عمر رضي الله عنهما وقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: هو إن شاء! ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله.. وبلغ ذلك عامة الصحابة فلم ينكروا.

وما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس نسخًا للقرآن ولا تعطيلًا للنص(13) لأن النسخ إبطال حكم شرعه الله، وإنما يملك الإبطال من يملك التشريع وليس ذلك إلا لله عز وجل..

وإنما جواز التأليف وتسيير الحاجة إليه مرجعه إلى ولي الأمر من المسلمين، كما نقل القرطبي عن القاضي عبدالوهاب من المالكية قال: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا.. وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم..

ودواعي صرف هذا السهم اليوم مستمرة للترغيب والدعوة إلى الإسلام، وما كل إنسان يحرّكه الاقتناع بالحق(14) بل هناك من تحركهم الرغبة ويقودهم الهوى ونحن نجذبه منها إلى ساحة الإسلام ريثما تنضج مقاييسه وتطهر رغباته ويبرأ من علله..

وما أحوج ما نلجأ إليه النظم الأرضية من أساليب لاأخلاقية وغير إنسانية لاجتذاب الأنصار والمؤيدين أقربها ما تغص به سجون الأنظمة التقدمية ممن يرفضون تأييدها بكل صنوف القهر والإغراء سنين عددًا، وما أنظف وسيلة الإسلام وما أنصعها وأكثرها رحمة وواقعية في تأليف القلوب! ولكننا نجهل ما بين أيدينا من كنز..

وموعدنا في العدد القادم مع بقية المصارف إن شاء الله.

الهوامش

(1) رواه الجماعة عن ابن عباس.

(2) يراجع تفصيل ذلك في كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوي.

(3) فقه الزكاة - القرضاوي ص 560

(4) النووي ج 6 ص 193 - 195.

(5)، (6) الأموال لأبي عبيد ص 565 - 566.

(7) متفق عليه.

(8) الأحكام السلطانية ص 132.

(9) أبو داود.

(10) مسلم وأبو داود وغيرهما.

(11) الطبراني في الكبير وإسناده صحيح.

(12) تفسير القرطبي ج 8 ص 179.

(13)، (14) فقه الزكاة الشيخ يوسف القرضاوي.

الرابط المختصر :