; ماذا نقول لأجيالنا بعد ثلاثين سنة من: نكبة فلسطين!؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا نقول لأجيالنا بعد ثلاثين سنة من: نكبة فلسطين!؟

الكاتب الدكتور علي الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1978

مشاهدات 86

نشر في العدد 386

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 14-فبراير-1978

 ليس بدعًا أن تقفل أفواه الشباب من الأجيال الصاعدة عجبًا لتلك المبادرة الخانعة، التي برزت على الساحة العربية فجأة، وللأيدي العربية في مصر تمتد مصافحة الأيدي اليهودية الملطخة بدماء الأبرياء من أطفال دير ياسين، متجاهلة التعبئة النفسية التي شحن بها الزعماء والمربون والكتاب والشعراء الأجيال خلال عشرا ت السنين بكراهية إسرائيل.

فلطالما رددت وسائط الإعلام العربي اسمها مقرونًا بالدولة المسخ الشوهاء وبدولة العصابات، وأعلنت أننا سنلقنها درسًا لن تنساه.‏ وسنرمي بها في البحر، وسننهي أسطورتها.. إلى غير ذلك من العبارات الحماسية الرنانة، التي يحفظها الشباب عنظهر قلب، ويرددونها في كثير من المناسبات، ماذا نقول لهؤلاء الشباب شحنهم ثلاثين سنة بهذه العواطف وتلقينهم هذه العبارات بتردادها صباح مساء على أسماعهم، فإذا نحن نستبدل بها فجأة عبارات التقارب والسلم والتعاون والصلح والحب. ماذا نقول لأجيالنا التى درسناها أدب النكبة، فأسمعناها بديع النظم من الشعر، وبليغ النثر من الخطب في استنكار وجود إسرائيل على أرض النبوات وفي جوار أولى القبلتين وثالث الحرمين، وما نجم عن هذا الوجود من نتائج بشعة مخجلة من ضياع الوطن المقدس،‏ وتشريد للشعب الآمن ومن مذابح بربرية همجية للأطفال الأبرياء،‏ واعتداء آثم على النساء المصونات كقول الشاعر عمر أبى ريشة مخاطبًا أمته مستنكرًا لائمًا ساخطًا إثر هزيمتها أمام اليهودعام ‎1947.

ألإسرائيل تعلو راية                                     في حمى المهد وظل الحرم؟

كيف أغضيت على الذل ولم                            تنفضي عنك غبار التهم؟ 

أوما كنت إذا البغي اعتدى                          موجة من لهب أو من دم؟

ربَّ وامعتصماه انطلقت                                    ملء أفواه البنات اليتم

لامست أسماعهم لكنها                               لم تلامس نخوة المعتصم

وكصرخات الشاعر محمد التهامي الثائرة في وجه الاستعمار. بعد أن وقف بكافة صوره وألوانه بجانب اليهود.

إن الذي زيفوه كله كذب                                                ما اليهود بدار أهلها عرب؟

ولو بنوا فوقها الأطواد شامخة                              وأسكنوا في حماها كل من جلبوا

ففي غد نشعل النيران ضارية                                    وهم وما شيدوه فوقها حطب

ماذا نقول لأجيالنا التي درست ديوان النكبة.‏ وإنه لديوان ضخم،‏ تكاد حروفه النارية تميز من الغيظ، ويوشك لهب المشاعر فيه أن يحرق الخونة والمتخاذلين. 

‏‏ماذا نقول لهذه الأجيال ، وهي تشهد اليوم وتسمع أنباء التقارب والتعاطف والتلاقي الذليل مع العدو المغتصب الدخيل.‏

أنقول: ادفنوا ما قرأتم في القبور، واطرحوا ما سمعتم في اللاشعور إننا، معشر الذين عاشوا النكبة الأليمة، وشهدوا مآسيها الداميات منذ وقوعها عام ‎1947‏ حتى يومنا هذا، لتنفطر قلوبنا إذ نتصور ذلك التاريخ المخجل الذي امتد تلاثين عامًا،‏ وحفها بالدجل والمزايدات والمتاجرات بقضية الأمة الكبرى ‎‏وكان نتيجته الترامي الذليل للصلح على حساب الشرف والقضية والكرامة والدين.

فماذا نقول للأجيال عن هذه السنوات الثلاثين العجاف التي عاشتها أمتنا مضحية محتسبة، نرتقب النصر والتحرير، فإذا هى تقاد إلى الهزيمة والخذلان؟.

لقد حفلت الفترة المشؤومة من تاريخنا منذ وعد بلفور حتى يومنا هذا بحقائق تلذع الأفئدة أسىً على أمة الأمجاد والبطولات التي أضاعت هويتها، ونسيت شخصيتها الأصيلة وعقت تاريخها المجيد، وراحت تتخبط في تيه التبعية والفرقة والتخلف والعجز.

ثرنا على الخلافة من أجل إرضاء الحلفاء، فكافأونا بوعد بلفور، وجزأوا وطننا الواحد ونصبوا علينا حكامًا من عملائهم، تم في عهدهم تقسيم فلسطين، وتسابقت أمريكا وروسيا إلى الاعتراف بإسرائيل، وتوالت الانقلابات في بلادنا المجزأة، وانقسمنا إلى معسكرين، أحدهما موالٍ للغرب، والآخر موالٍ للشرقوالغرب والشرق يدعمان إسرائيل وميدانها بأسباب الحياة والقوة، من مال وسلاح وعتاد ورجال وكفاءات. المال العربي ينصب في بنوك أمريكا والدعم الأمريكي لإسرائيل والنفوذ الشيوعي يتغلغل في بلادنا، والمهاجرون السوفييت من اليهود يتدفقون على إسرائيل.

 لم تجدنا تبعية الغرب، ولم تنفعنا محالفة الشرق، وظل قادتنا مُصرين على دفعنا في تيه التبعية، بعيدًا عن طريقنا الواضح الأصيل، وظهر بين صفوفنا هدامون يدعون إلى فلسفات غريبة على ديننا وتراثنا وتاريخنا، وانبرى دعاة من أبناء جلدتنا يدعون إلى العامية بدل الفصحى في الأدب، في الوقت الذي اعتصمت فيه إسر ائيل ببرلمانها المسمى بالكنيست، وبعثت لغتها التي انقرضت منذ ألفى عام، وراحت تدرس بها الطب والعلوم والصواريخ ونال كتابها جوائز نوبل في الأدب على قصص توراتية مكتوبة باللغة العبرية ولم يظهر فيهم أفاق ولا دجال ولا خائن مأجور الفكر والروح، يدعو إلى كتابة الأدب اليهودى بالحروف اللاتينية.

نشأت بين صفوفنا أحزاب وطوائف تسخر من الغيبيات، وتوصم المدنيين الصلحاء منا بالرجعية والتخلف، وترى التقدم ومسايرة العصر بنبذ كل قديم، ولو كان الدين الذي أعزنا الله به.

ولقد ذهلوا إذ رأوا دولة إسرائيل تطلب أن يكون موعد وصول طائرة الرئيس‏ السادات مساء السبت، حتى يتمكن رجال الدولة اليهود من استقباله بعد انقضاء يوم السبت الذي يحرم فيه العمل في شريعة اليهود، ولو كان الاستقبال هو الحلم الذي بات الإسرائيليون يتمنونه ثلاثين عامًا.‏‏

فليتأخر موعد السادات بضع ساعات، ما دام سيعرضهم تقديمه إلى مخالفة دينية، وليتأخر موعد اجتماع بيغن بكارتر إلى أن تنقضي الساعات المقدسة من يوم السبت أيضًا، وليعتذر الوفد الإسرائيلي عن إتمام جولته في القاهرة، لأنه خشيإن تحل ساعات تحريم ركوب السيارات مساء الجمعة، فيضطر إلى العودة لفندق مينا هاوس مشيًا على الأقدام.

وفي مؤتمر- مينا هاوس- كانت الأجهزة المصرية المشرفة على تنظيم المؤتمر تفتش على جزار يهودي يشرف على إعداد الطعام الحلال الشرعي للوفد اليهودي،‏ وبعد لأي عثرت على جزار يهودي هرم، تولى الذبح الشرعي طبقًا لتعاليم التوراة للوفد اليهودي الذي يضم مديرًا سابقًا في المخابرات الإسرائيلية، وأحد كبار رجال القانون، ولما مرض هذا الجزار اليهودي جاء طعام الوفد من فيينا، من مطعم يهودي شرعي.هذه حال عدونا، وتلك حالنا في الاعتزاز بالشخصية و الدين و التراث ماذا نقول لأجيالنا الممزقة الضائعة؟.

إن ثمة تصميمًا خبيثًا على إبعادنا عن طريق القوة والعزة والأصالة وإصرارًا أخبث على تمسكنا بتلابيب جاهلية جهلاء، تقطع وشائجنا، وتجزئ أوطاننا، وتبدد أموالنا، وتودي بديننا وأخلاقنا، وتُبقي علينا ضعفاء متخلفين ممزقين، تداعى‏ علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، ونحن كثير عديدتنا، ووفير مالنا، عظيمة إمكاناتنا.

إن أمتنا المسلمة المجاهدة لم تدخل المعركة دخولًا بعد مع إسرائيل حتى تعلن عجزها عن المضي في الجهاد كما أراد لها دعاة الصلح والانهزامية.ولو كانت أمتنا المسلمة في عافية لما هزمت سنة ‎١٩٤٨‏، ولما فقدت عام ‎١٩٦٧‏ ما فقدت من أراضٍ، فيها القدس الشريف، احتلتها إسرائيل في يوم واحد، وها هي ذي اليوم على مائدة التفاوض الذليل تراوغ في إعادتها بالشبر، وترفض إعادة القدس والضفة الغربية، والأراضي المزروعة في سيناء.

ولو كانت أمتنا المسلمة في عافية لما بات إخواننا الفلسطينيون عبئًا ثقيلًا يتبرم به نصارى لبنان، ويهود إسرائيل ويصبح توهينهم حديث المجالس السياسية، حتى أن باركر السفير الأمريكي ليسأل كميل شمعون إذا لم تستوعبوا الفلسطينيين، فماذا نفعل بهم؟ فيجيبه شمعون: هذه ليست مسؤوليتنا، ويعلن- بيغن- بصفاته أنه يرفض حق تقرير المصير للفلسطينيين، لأن هذا يعني إقامة دولة لهم في الضفة الغربية، تضم شتاتهم المبعثر هنا وهناك. كأن الفلسطينيين شعب خلق بلا وطن فلا مكان له تحت الشمس، وكأنهم ليسوا هم الذين أخرجوا من دورهم وحقولهم وبياراتهم وشردوا عن أوطانهم، وأنهكتهم المأساة، ثم التصفيات الدموية.‏ 

ولن يرد لأمتنا المسلمة عافيتها إلا عودة صادقة إلى ديننا الحق، ولقد آن الأوان أن تنشق صفوف الأمة المسلمة عن- صلاح الدين- يلم شملها ويرص صفها، ويرفع رايتها الأصيلة، راية- لا اله إلا الله- ويدفع بها بنيانًا مرصوصًا لتحرير فلسطين من الصهيونية  كما حرر بها بيت المقدس من الصليبيين.

إن انقضاء ثلاثين سنة أمضتها أمتنا مستنفرة متأهبة لتحرير فلسطين دون أن تظفر بطائل، بل منيت فيها بخسائر فادحة، لدليل صارخ على حاجتنا إلى تغبير الخطة والمنهج والطريق، ففي مثل هذه المدة الزمنية بل في أقل منها، استطاعت أن ترث أكبر إمبراطوريتين في العالم، فارس والروم، يوم انطلقت كتائبها من يثرب تحمل راية -لا إله إلا الله- ولقد أثبت تاريخنا الطويل أن خط قوتنا البياني يرتفع بارتفاع هذه الراية، ويهبط بارتفاع غيرها، فهل يفهم حملة الرايات في أمتنا هذه الحقيقة الخالدة؟

‏وأخيرًا نقول لأجيالنا الصاعدة:لن تضيع فلسطين ما فعلت -لا إله إلا الله- فعلها في نفوس المسلمين وحياتهم وما دامت قلوبهم تهفو إلى المسجد الأقصى، أولى ‏القبلتين ‎وثالث الحرمين، ومسرى محمد صلوات الله عليه، ولله در القائل: 

يا فلسطين يا تراث الأبوة                                           يا لسان المجد الأثيل المغره

 لا يضرك العدوان مهما تمادى                               إن هذا العدوان مبعث قوة

أمة الحق في ركابك هبت                                             تلقم العاتي الزنيم عنوة 

والأباة الكماة تهتز ثأرًا                                                    كلما معرج الرسول تأوه

الرابط المختصر :