; دعاة في هذا القرن ولكن! | مجلة المجتمع

العنوان دعاة في هذا القرن ولكن!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000

مشاهدات 61

نشر في العدد 1397

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 25-أبريل-2000

لا أتصور داعية إلى الله في القرن العشرين يعتبر أن جهورية الصوت وكبر الحنجرة والتلويح بالأيدي، والإرغاء والازدياد هو كل البضاعة اللازمة للدعوة إلى الله تعالى ولا أعتقد أن الصياح والتشنج وقذف الحمم من أفواه الدعاة اليوم هو الوسيلة المثلى لتبليغ الدعوة، ولا أحسب أن الطرق والوسائل البدائية التي حصر الدعاة أنفسهم فيها بمجدية لسماع صوت الإسلام، ولا أتوقع أن الدعوة الإسلامية تستطيع أن تزاحم، فضلًا عن أن تصارع أي ملة أو فكرة بأساليبها تلك في هذا الصخب الداوي من المذاهب والأفكار والملل والنحل التي يطير بها الأثير هنا وهناك، والغريب وأنا في غمرة هذه التصورات والتوقعات أسمع وأرى من يكرس هذا الفهم بقوله: «إن أساليب الدعوة إلى الله ووسائلها توقيفية».

فقلت: يستحيل أن يكون هذا شيئًا يصدق أن يقوم على هذا الفهم دعاة، أو جماعات تتبناه لولا أنني سمعت هذا ورأيت من يقوله في محاضرات وندوات، وجلست أسمع الغريبة تلو الغريبة والعجيبة تأتي بعد العجيبة، فقلت سبحان الله كم لله في خلقه من شؤون، ولكنني وفي مخيلتي وأثناء دهشتي قد راجعت نفسي وقلت: ولم هذه الدهشة؟ وأنا في قراءاتي عن العقلية التوقيفية والنفسية الارتكاسية في عصور الضعف، رأيت كثيرًا من العقول والأفكار وقد تفوقعت وتقزمت حتى صارت سخطًا ومسخًا يستحق الشفقة، ويقتضي التشمير عن ساعد الجد المحاولة الإنقاذ الواجب والمفروض علينا تجاه هؤلاء، ولقد قرأت كثيرًا من الفتاوى التي أرسلت إلى الشيخ رشيد رضا -صاحب مجلة المنار- وقد سطرها الرجل في الفتاوى في المجلة، يقول أصحاب تلك الفتاوى للشيخ «يا فضيلة الشيخ سماع القرآن من المذياع حلال أم حرام» لأنه جاء وقت كان سماع المذياع حرام والمذياع نفسه بدعة، فبالتالي هل يصح سماع القرآن من المذياع؟ وقال آخر: «هل تصح صلاة رجل عاري الرأس؟» إلى آخر تلك الفتاوى. هذا ولقد رأيت من يحرم سماع الخطبة من الميكروفون ويعتبره بوقًا من أبواق الشيطان ورأيت من يقول إن تصوير الكاميرات حرام ورأيت من يقول إن الأرض ليست كروية والصعود إلى القمر خرافة، إلخ إلى أن عم المذياع وجاءت بعده السينما والفيديو والقنوات الفضائية والتلفاز، وعمت الميكروفونات كل المساجد بما في ذلك المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإذا تعطلت الميكروفونات اليوم ربما انفصل الناس عن الإمام لعدم سماعهم صوته، وبطلت الصلاة، وعم التصوير تلك المساجد ونقلت الصلوات على شاشات التلفاز وعلى القنوات الفضائية من المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومن المشاعر في الحج إلخ، وظهرت كروية الأرض بعد أن صعد في المركبات الفضائية كثيرون فقلت سبحان الله لقد خفتت هذه الأصوات، ولكن بعد كثير من التحريم والتفسيق والتبديع، وذلك لقصر النظر. وعدم استطاعة العقول عند بعض الناس فهم حقائق الإسلام وقواعده وأهدافه، ونحن بين الحين والحين نرى ونسمع شيئًا من ذلك، ومن هذا من يطلع علينا بقوله: إن أساليب الدعوة توقيفية والحال كما هو معروف أن الوسائل وِلم يرد ما يقصرها على طابع معين ولم يتعبدنا الله في الدعوة بوسائل معينة ولا بوسائل خاصة، وقد تعارف المسلمون في عصورهم المختلفة على أساليب ووسائل غير منحصرة كالدروس والمدارس والجمعيات والكتب والمجلات والإذاعات والأشرطة، والتلفاز، إلخ.

وقد وضح الإمام البنا -رحمه الله- هذا فقال: «والدعاة اليوم غيرهم بالأمس فهم مثقفون مجهزون مدربون ولاسيما في البلاد الغربية- حيث تختص بكل فكرة كتيبة مدربة توضح غامضها، وتكشف عن محاسنها وتبتكر لها وسائل النشر وطرق الدعاية وتتلمس لها في نفوس الناس أيسر السبل وأهونها وأقربها إلى الإقناع والاتباع ووسائل الدعاية الآن غيرها بالأمس كذلك، لقد كانت دعاية الأمس كلمة تلقى في خطبة أو اجتماع، أو كلمة تكتب في رسالة أو خطاب أما الآن فنشرات ومجلات وجرائد ورسالات ومسارح و«خيالات»، وحاك ومذياع، وقد ذلل ذلك كله سبل الوصول إلى قلوب الناس جميعهم نساء ورجالًا، في بيوتهم ومتاجرهم ومصانعهم ومزارعهم، لهذا كان من واجب أهل الدعوة أن يحسنوا تلك الوسائل جميعًا حتى يأتي عملهم بثمرته المطلوبة.

نعم، هذا قول داعية فهم الإسلام وفهم أساليب العصر، وأنزل الإسلام على الواقع والغرض المطلوب من الداعية هو إقناع الناس بالإسلام ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: 1)، لهذا كان لابد لكل داعية أن يدرس مناهج التغيير وأساليبه وكيفياته، لتحويل الأفكار وتوجيهها إلى الأفضل، ومقاومة الدوافع النفسية والشهوانية والتغريبية والشيطانية الضارة، كما ينبغي للدعاة خاصة في هذا العصر، دراسة مناهج وأساليب الإقناع ليتمكنوا من الوصول إلى مناطق التأثير في الإنسان لوضعه على الطريق الصحيح.

كما ينبغي أن يطلع على الأساليب العصرية في التعامل مع النفوس والعادات والتقاليد والنوازع والثقافات وأساليب الغزو الفكري، حيث بلغت تلك الدراسات في هذا العصر شأوًا بعيدًا ينبغي دراستها والاطلاع عليها وعلى مناهجها، حتى يمكن التعامل معها بكفاءة وفاعلية، من ذلك:

  1. فنون التعرف إلى الناس.

  2. كيفية الوصول إلى قلوب المدعوين لإقناعهم. 

  3. كيفية تحصيل الألفة بين الداعية والمدعوين.

  4. كيفيات استمالة الناس لفكرة الإسلام.

  5. معرفة البيئة المحيطة بك والمعيشة حولك. 

  6. القدرة على فهم الأحاسيس والمشاعر. 

  7. معرفة الانتماءات والمعتقدات والميول والتعامل معها.

  8. كيفيات التأثير في العقل الباطن.

  9. معرفة أنواع الناس والشخصيات المؤثرة العاطفية المعاندة السلبية، إلخ.

  10. كيفيات التدرج، والترغيب والترهيب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 

  11. كيفيات تحديد الأهداف والتخطيط للوصول إليها بأيسر الطرق التي لا تؤدي إلى فتن.

  12. كيفية إثارة الدافعيات، وبذر الثقة والتشجيع، واستعمال أسلوب الحوافز.

هذا وغيره الكثير مما ينبغي أن يعلمه الداعية ويستوعبه حتى يستطيع أن يؤدي رسالته فالدعوة من علوم التأثير والتوجيه والريادة، فكيف يستطيعها جاهل أو مكروه، أو من يحتاج أصلًا إلى توجيه أو لا يستطيع أن يرود نفسه إن الدعوة إلى الله حمل ثقيل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 5)، اختار الله لها رسلًا وأنبياء من الناس جميعًا: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج: 75)، أصحاب عزم وعقل وحجة وشجاعة وتضحية، فكيف تتعرض لها المتردية والنطيحة وما أكل السبع، إن هذا لشيء عجاب، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق وتأخر وانحدار، نسأل الله السلامة.

الرابط المختصر :