; فنزويلا.. درس جديد في إرادة الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان فنزويلا.. درس جديد في إرادة الشعوب

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2002

مشاهدات 65

نشر في العدد 1498

نشر في الصفحة 42

السبت 27-أبريل-2002

شافيز المنتخب يعود إلى السلطة بعد إقصائه بانقلاب عسكري بتأييد من الرأسماليين.. وضوء أخضر أمريكي

اعتاد هوجو شافيز الرئيس الفنزويلي أن يرتدي، بيريه، أحمر، مثل الذي ارتداه من قبل الثائر الأرجنتيني ارنستو دي لا سيرنا المعروف باسم شي جيفارا، وأطلق على أول مجموعة ثورية شكلها للإطاحة بالرئيس السابق اسم الثائر اللاتيني سيمون بوليفار، وتوثقت علاقته بالزعيم الكوبي كاسترو الذي منحه لقب التلميذ النجيب أو الابن المحبب. كما اعتاد شافيز أن يتصرف وكانه رجل من الزمن الماضي فهو يرفع شعارات ثورية وينحاز إلى الفقراء ويرفض إرهاب القوة الكبرى ويكسر الحصار على العراق ويزور ليبيا ويتصل بالبوليساريو في الصحراء المغربية ويدعم ثوار كولومبيا، فيما أمريكا تدعم الحكومة اليمينية هناك.

وفوق ذلك فهو يجلس على برميل نفط حيوي ومؤثر، فبلاده تعد رابع أكبر منتج للنفط في العالم وثالث أكبر مصدر للنفط للولايات المتحدة وهو يرفض بشدة أن تتخطى بلاده حصتها في إنتاج النفط التي حددتها منظمة أوبك، مما يعني الحفاظ على استقرار أسعار النفط عالمياً. ولو فعل العكس كما كانت فنزويلا تفعل قبل مجينه إلى السلطة لهبطت الأسعار، فالحكومة السابقة كانت تتجاوز حصتها بنسبة تصل إلى ٤٤%

●  كيف بدأت القصة؟

حين وصل شافيز إلى السلطة بأغلبية كاسحة في عام ۱۹۹۹م كانت فنزويلا قد أغرقت السوق النفطي وتجاوزت حصتها المتفق عليها مع أوبك، مما عرضها لانتقادات عنيفة من جانب الدول الأعضاء بسبب تراجع أسعار النفط إلى ۱۰ دولارات للبرميل - وهو أدنى معدلاتها على مدار عقد من الزمن - وكان أول قرار اتخذه شافيز هو إقالة رئيس مجلس إدارة شركة النفط الفنزويلية، ووصف شافيز الأوضاع داخل الشركة التي تحتكر إنتاج وبيع النفط الفنزويلي بأنها دولة داخل الدولة وقام بحملة تطهير واسعة داخلها، ما أزعج الحيتان الكبيرة التي بدأت في الاتصال بالكبار في واشنطن ونيويورك من أجل اتخاذ موقف من الثائر الجديد الذي قرر أن تقوم الشركة بدورها في تنمية الاقتصاد وتطوير المجتمع، وهو ما فهم على أنه تقليم الأظافر الكبار والعودة إلى الالتزام بحصة فنزويلا في أوبك، ويعني أيضاً حرمان السوق من الفائض والعودة إلى الأسعار النفطية التي تجاوزت عشرين دولارا للبرميل.

 جاءت محاولات شافيز الإصلاح المؤسسة النفطية وكأنها الزلزال الذي هز الأرض من تحته فنظمت المعارضة مسيرة احتجاجية على ما وصفته بأنه (زرع) الأنصار شافيز في المؤسسة النفطية، وخرجت مظاهرة كبيرة في العاصمة کاراکاس يوم ۱۱ أبريل ۲۰۰۲م، حاولت قوات الشرطة وأنصار شافيز (المسلحون) وقفها وحدثت اشتباكات قتل فيها 11 من المعارضة. حاول شافيز احتواء الموقف، لكنه بعقليته الثورية اعتقد أن الأمر مرتبط فقط بوسائل الإعلام المستقلة، فقام بإغلاقها وتحدى المعارضة ووصفها بأقذع الصفات، واستقال وزير المالية الرفيق السابق ومعه قائد الحرس الوطني احتجاجاً على قتل المتظاهرين.

في اليوم التالي تحرك عشرة من جنرالات الجيش ضد شافيز وأبلغوه بضرورة التنحي سلمياً وأخذوه إلى قاعدة عسكرية قرب کاراکاس، وزعموا أنه قدم استقالته لكنهم لم يظهروا الاستقالة للشارع الفنزويلي الذي يبدو أنه أدرك أن الأمر ليس متعلقاً بفنزويلا بل بخارجها وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة.  وهنا ظهرت ورقة كتبها شافيز لأنصاره ينفي فيها استقالته ويقرر أنه رئيس فنزويلا البوليفارية. 

تحرك الشارع مرة أخرى واعتصم أمام قصر الرئاسة الذي أدى فيه القسم الرئيس الجديد - رجل الأعمال ورئيس جمعية رجال الأعمال الفنزويلية بدرو كامونا - وقرر استمرار الاعتصام لحين عودة شافيز في الوقت الذي تظاهر فيه الشعب تأييداً لشافيز كان الرئيس الجديد قد اتخذ إجراءات من بينها حل المجلس التشريعي وتغيير اسم فنزويلا، الأمر الذي لفت انتباه قادة الجيش ورأوا أن الرئيس الجديد قد يتخطاهم ويتجاوز حدود الدور الذي رسم له وبالفعل طلب قائد القوات المسلحة الجنرال أفرائين كارمونال من الرئيس الجديد سحب قراره بحل المجلس، وهدد بأن الجيش لن يعترف بالحكومة الجديدة، ما لم تقسم أمام المجلس التشريعي.

مع تصاعد وتيرة المظاهرات قدم الرئيس الجديد استقالته وتسلم نائب الرئيس ديز فالدو كابيلو مهام الرئاسة، وكانت هذه إشارة إلى قرب عودة شافيز.. الذي عاد بالفعل.

● هزيمة أمريكا

حين وقعت الأحداث وأعلن عن إقالة الرئيس المنتخب شافيز خرج نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ليعلن أن ما حدث ليس انقلاباً عسكرياً بل إطاحة وأن بلاده ترفض أي محاولة للوصول إلى الحكم بطرق غير دستورية إلا أنه لم يدن ما حدث رغم أنه انقلاب على الديمقراطية وانتهاك لأبسط حقوق الشعوب في أختیار زعمائها، ولم يكتف الأمريكيون بذلك بل قرروا توجيه اللوم إلى الرئيس المخلوع (حينئذ) واتهامه باستخدام العنف ضد المعارضة ولم تأسف الإدارة الأمريكية على إزاحة رئيس منتخب من موقعه بالقوة كما تفعل عادة مع أصدقائها، وهذا ما دفع مايكل شيفتر نائب رئيس الحوار الأمريكي - الأمريكي إلى القول بأن البيان الأمريكي حول ما حدث في فنزويلا يقوض التزام أمريكا بالديمقراطية وينزع عنها الأرضية الأخلاقية التي تتمتع بها.

 توقع الأمريكيون ألا يعود شافيز، لذا فقد تجاهلوا اعتراضات الدول الأعضاء في منظمة الدول الأمريكية الذين رفضوا ما حدث في فنزويلا، بل تمادى الأمريكيون في الفرح بما حدث وخرجت كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي لتعلن تلميحاً أن الإدارة نصحت شافيز كثيراً، وهو ما يعني أنه يستحق ما حدث له.

لكن أحداث الأحد ١٤ أبريل جاءت بما لا تشتهي السفن الأمريكية، فقد أعيد شافيز إلى السلطة بفعل الجماهير التي أحبته ويفعل المخلصين الذين أدركوا أن الأمر أبعد من أن يكون تحركاً شعبياً معارضاً بل هو تدبير خارجي.

 وهنا خرج المتحدث الأمريكي مرة أخرى ليكرر الخطأ ويتردد في اعتبار شافيز ممثلاً للشرعية على اعتبار أن حصوله على الأغلبية الكاسحة ليس دليلاً على الشرعية!! كما دعاه إلى الاستفادة من أخطاء الماضي ومن انتفاضة شعبه. وأضاف المتحدث الأمريكي: لقد أرسل الشعب الفنزويلي رسالة واضحة إلى شافيز بأنه يريد الإصلاح والديمقراطية وهذه فرصة أمام شافيز لتصحيح مساره وإدارة البلاد بطريقة ديمقراطية.

وفي معرض تبريره للتأخر في إصدار بيان عن الأحداث قال المتحدث السبب هو نقص المعلومات

● ونلاحظ هنا في موقف واشنطن: 

١- التردد في اتخاذ موقف يتماشى مع من القيم التي تسعى أمريكا لترويجها حسب ما تعلن.

۲ - عدم إدانة ما حدث، بل توجيه اللوم إلى شافيز حتى بعد عودته.

٣- تجاهل وجود منظمة إقليمية مؤثرة عندما حدث الانقلاب والاستعانة بها بعد فشله. 

٤- عدم وصف ما حدث بأنه انقلاب

5 - عدم وصف شافيز بأنه زعيم شرعي.

٦ - وصف ما حدث بأنه انتفاضة رغم أنها ترفض وصف ما يحدث في فلسطين بالانتفاضة مع وجود احتلال

٧- الاستخفاف بالعقول حين بررت التردد في إصدار بيان يندد بالانقلاب بسبب نقص المعلومات، رغم أجهزة استخباراتها المتوغلة في كل بقاع الأرض. 

8- عدم قراءة الموقف بدقة، ففنزويلا واحدة من الديمقراطيات القليلة في أمريكا الجنوبية ومنذ عام ١٩٥٨م تجري فيها انتخابات توصف بأنها حرة مقارنة مع بقية العالم الثالث وهذه القراءة تسببت في استعجال الإطاحة بشافيز في هذا الوقت الذي يعتقد بعض المحللين أنه وقت حرج بالنسبة لسوق النفط خصوصاً مع قرار العراق يوقف ضخ النفط

۹ - عدم إدراك شعبية شافيز وثقة الفقراء في منهجه

۱۰- عدم إدراك مدى شعبية وعلاقات شافيز بالقوات المسلحة التي عمل فيها كمظلي يوماً ما.

والعجيب أن صحيفة نيويورك تايمز اعتبرت أن شافيز لم يوف بوعوده التي قطعها على نفسه قبل انتخابه لاحظ التشابه بين كلام الصحيفة وما قاله بوش عن عرفات أنه خيب أمال شعبه وهذا يبين إلى أي مدى تحاول أمريكا صبغ الأحداث في العالم بصبغة واحدة وفق ما قاله بوش إما معنا وإما علينا.

الخطأ القاتل الذي وقعت فيه أمريكا هو رغبتها في السيطرة على نفط فنزويلا تحسباً لأي إجراءات محتملة في سوق النفط بعد خطوة العراق وبعد السماح لشارون بغزو الضفة الغربية.

● لماذا عاد شافيز إلى السلطة؟

عاد شافيز لأن إرادة الشعب كانت أكبر من قوى التدخل التي حاولت تسويق الحكومة الجديدة في ظل معطيات دولية ليست في صالح أمريكا.

كان قادة أمريكا اللاتينية في اجتماع يعرف باجتماع مجموعة ريو، حين وقع الانقلاب وساعتها اجتمعت إرادة المجموعة على رفض ما حدث بوصفه انتهاكاً للقواعد الديمقراطية ودعت المجموعة إلى عقد اجتماع عاجل لمنظمة الدول الأمريكية وبالطبع لم يعقد الاجتماع لأن القرار الأمريكي كان الانتظار حتى تتضح الأمور، وهو نفس الموقف الذي ذهب إليه بعض حلفاء أمريكا مثل السلفادور وبيرو، بل إن رئيس بيرو اليخاندرو تولید و جامل أمريكا وزايد عليها حين قال: أعترف بأن من حق الشعوب أن تزيل الحكومات ولكن من خلال وسائل ديمقراطية.

● المؤسسة العسكرية

ليس هناك من شك في أن المؤسسة العسكرية في أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص على علاقة بالمخابرات الأمريكية بشكل أو بآخر، تماماً كما الحال بالنسبة للمؤسسات النفطية حول العالم التي ترتبط بعلاقات من نوع خاص مع شركات أمريكية عملاقة لها صلات بصانع ومتخذ القرار في واشنطن، ورغم نفي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية وجود اتصالات مع من قاموا بالإطاحة بشافيز إلا أنه عاد وقال: بالطبع كان هناك اتصال مع القيادة الجديدة من أجل تهدئة الأوضاع والتأكيد على الديمقراطية والتسامح!. 

الصورة التي بدأت تتضح معالمها تبدو على النحو التالي:

 ۱- تحرك الكنيسة الكاثوليكية وتأليبها ضد شافيز، ولأول مرة يصرح قادة الكنيسة بأنهم لن يسكتوا على إهاناته إذ وصفهم بأنهم خالفوا خطى الرب ولا يسيرون على درب المسيح.

۲- تورط بعض رجال الجيش في المؤامرة.

٣- ترتيب محكم مع رجال الأعمال والتيار الليبرالي من أجل القضاء لا على شافيز بل على سياسته الاقتصادية التي تعارضها أمريكا.

٤- دعم وسائل الإعلام الخاصة (المستقلة) للانقلاب واعتباره عملاً شعبياً لا دخل لأمريكا فيه بيد أن التصريحات الأمريكية أكدت هواجز الشعب وأن الأمريكي يداً في الموضوع.

ونلاحظ هنا أن الترتيب الذي تم كان سريعاً ومتعجلاً. وكما ذكرنا فإن الأحداث المتسارعة والخوف من حرب نفطية حالا دون تحقيق الحلم الأمريكي في التخلص من واحد من صقور اليسار التي تقف علانية ودون مواربة ضد سياسات أمريكا وطغيانها بل يتحداها بخرق الحصار على العراق وليبيا وكويا ويصف حربها على الإرهاب بأنها إرهاب في مقاومة الإرهاب.

 ونلاحظ هنا أن أمريكا استخدمت الكنيسة وهي تستخدمها عادة في حربها ضد الشيوعية أو التيار اليساري المتحفظ على الليبرالية واقتصاد السوق، مثلما فعلت في بولندا حين دعمت الكنيسة في مواجهة الجنرال يارولسكي لصالح المرشح العمالي النقابي ليخ فاونسا.

 ونلاحظ كذلك أن واشنطن فاشلة تماماً في سياستها مع دول الجوار التي من المفترض أن يتم احتواؤها أو توثيق العلاقات معها، لكنها تفضل التعامل الأمني والمخابراتي على التعامل القائم على الاحترام والثقة في قدرات كل طرف.

 ورغم ما حدث فلا يستبعد أن تعيد الولايات المتحدة الكرة مرة أخرى، فالنفط الفنزويلي (3.1) مليون برميل يومياً يشكل هاجساً وعبئاً نفسياً على الأمريكيين الذين تتدهور شعبيتهم حتى بين أصدقائهم في أمريكا الجنوبية وفي أوروبا ناهيك عن العالم العربي الذي يرقد على بحار النفط التي ربما تكون وحدها السبب في انهيار الاقتصاد الأمريكي.

الرابط المختصر :