العنوان بين الإيثار وسلامة الصدر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1980
مشاهدات 66
نشر في العدد 507
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 16-ديسمبر-1980
إن أجيال الدعاة واتباعهم خلال مسيرتهم الطويلة تحكمها علاقات وقواعد ثابتة راسخة. هذه العلاقات والقواعد مستمدة من نبع رباني يمتص قوته منه وتستنير بهداه وتستند إلى قواه فأني لأهل الباطل أن يقتحموا صفوف أهل الإيمان وجند حزب الرحمن وهذه القواعد عندما يلتزم بها الدعاة تقوى شكيمتهم ويرهبهم عدوهم وبقدر ما تضعف يكون الضعف معولًا في هدم ذلك الصف أيها الأخ الصادق.
إن من أهم هذه القواعد هي المحبة بين أفراد صف الإيمان هذه المحبة تتمثل في خطوط إيمانية عملية وقلبية وأعلى هذه الخطوط الإيثار وأدناها سلامة الصدر.
قال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس قال: قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهن حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، وقال البخاري «دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنصار أن يقطع لهم البحرين قالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين قال: أما لا فاصبروا حتى تلقوني وأنه سيصيبكم أثرة» وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: أتكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا.
وقال البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: أتي رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله أصابني الجهد فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا رجل يضيف هذا الليلة -رحمه الله-، فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تدخري عنه شيئًا فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية قال فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة ففعلت ثم غدا الرجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال «لقد عجب الله -عز وجل- أو ضحك من فلان وفلانة» وأنزل الله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩).
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.
وقد ورد في السيرة أنه عرض الماء على عكرمة بن أبي جهل وأصحابه في اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم تلك هي أمة الإيثار وذلك هو شعار المؤمنين سنة الأنصار ليكون نبراسًا للمؤمنين وكتائب الإيمان في كل زمان ومكان.
وقال تعالى ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩).
أي لا يجدون في صدورهم حاجة يعني الحسد «مما أوتوا» قال قتادة يعني فيما أعطى إخوانهم روى الإمام أحمد عن أنس قال: كنا جلوسًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال فلما كان الغد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل مقالته أيضًا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تبعه عبد الله ابن عمرو بن العاص فقال إني لا حيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي قال: نعم قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار «تقلب على فراشه» ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله غير أني لم اسمعه يقول ألا خيرًا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن احتقر عمله قلت يا عبد الله لم يكن بيني و بين أبي غضب ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كبير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير إني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، قال عبد الله فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق»
إسناد صحيح على شرط الصحيحين.
أخي الصادق: قد تجد في نفسك شيئًا على إخوتك، فإليك تلك الهدية التي سقناها في رواية أحمد. قد تكون هناك بعض النفوس المريضة التي تبذر لنفسها بذور الفتن فيضيق صدرها لسعادة إخوانها، أو ينفتح صدرها لتمني زوال نعمة من إخوانه أي نعمة كانت نعمة فكرية، أو قلم إسلامي، أو عقل مفكر أو حركة تجميعية لأفراد أو إرادة العمل إن أساس هذه الأوهام والقاذورات هي عدم الإخلاص لله تبارك وتعالى وثانيًا: الارتباط بسكنات وحركات إخوانه. وثالثًا: أن النظرة أو التصور للعمل الإسلامي ناقص أو مشوش.
انظر يا أخي إلى سلامة صدور أولئك الرجال الذين سبقوا، وأنى لك اللحاق بهم وأنت تتفنن في تصيد الأخطاء- وحاشاك أن تكون- أنظر يا أخي إلى ابن كثير في تفسيره لقوله تبارك وتعالى ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩).
أي ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة.
فاحرص يا أخي الصادق أن دعوتك دعوة المحبة لا دعوة الأحقاد لا تبتغي عرض الحياة الدنيا من رتبة أو رئاسة لجنة أو قيادة طليعة فحب الظهور والبروز وعدم الإخلاص هو أساس التنافس بين الناس فلا يصيبنك من أقذارهم شيء يسلم صدرك وتسلم عاقبتك.
أيها الاخ الصادق: نصائح قليلة نقولها:
١-لا تتعلق بسكنات وحركات إخوانك و بالأخص من هم ضمن محضنك التربوي.
٢- لا تفسر كل عمل يقوم به إخوانك تفسيرًا سيئًا وليكن أصل تفكيرك حسن الظن.
٣- لا تنسى أن تلتمس العذر لإخوانك فهم بشر يخطئون.
٤- لا تتعمد تصيد الأخطاء وتتبع العورات واحرص على السلامة.
٥- لا تنسى أن تؤثر ما تحتاجه عوضًا عما لا تحتاجه.
٦- اعلم يا أخي أن وحدة الصف وقوته بيدك أنت فأنت لبنة في بناء مجتمع الدعاة وقديمًا قالوا إن حجرًا صغيرًا سقط من السد فتهدم السد فلا تكون أنت الثغر الذي ينهار من قبله الصرح.
٧- بينا لك مرتبتين فقط من مراتب الإخوة أدناها سلامة الصدر وأعلاها الإيثار لكي تكون للأقوياء اندفاعًا للإيثار وللضعفاء رغبة لسلامة صدورهم فاحرص على أن تكون صاحب شربة الماء المؤثر على نفسه والسابق إلى تنظيف صدره.
تقويم اللسان
الشيخ يونس حمدان
ومن الأخطاء التي تجري بها ألسنة بعض المتحدثين وأقلام بعض الكاتبين قولهم: «لم أره من الأمس». يريد به اليوم الذي قبل يومه وهذا خطأ، لأنك إذا أردت اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، فينبغي لك أن تأتي «بالأمس» مجردة من «ال» فتقول: «لم أره من أمس»، أما إن أردت أي يوم مضى فتأتي بها مقترنه بـ «أل»، وكما فرقوا بين المجرد من أل والمقترن بها في المعنى فرقوا بينهما في الإعراب، فجعلوا المحلى بأل معربًا إجماعًا كما حكاه بعض علماء اللغة ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (القصص: ٨٢).
أما المجرد من «أل»، فقد اختلف فيه آراء أهل اللغة فمنهم من يبنيه على الكسر مطلقًا كقولهم «ذهب أمس بما فيه» «واعتكفت أمس»، و«عجبت من أمس» ومنهم من يعربه إعراب ما لا ينصرف في حالة الرفع خاصة ويبينه على الكسر في حالتي الجر والنصب، مثل: «ذهب أمس بما فيه من غير تنوين و«اعتكفت أمس»، و«عجبت من أمس»
-ومنهم من يعربه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا، ومن ذلك قول الراجز: -
لقد رأيت عجبًا مذ أمسا
عجائزًا مثل السحالي خمسًا
يأكلن ما في رحلهن همسًا
لا ترك الله لهن ضرسًا
ولا لقين الدهر إلا تعسًا
كل هذه الوجوه إذا أردت به اليوم
الذي قبل يومك، فأما إن أردت به أي يوم
مضى فإنها تجرى عليه حركات الإعراب المعروفة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل