العنوان فارس آخر يترجّل
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1810
نشر في الصفحة 27
السبت 12-يوليو-2008
انتقل إلى رحمة الله المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري في سن السبعين، بعد معاناة سنوات طويلة مع المرض الخبيث لم تصرفه عن متابعة جهاده الناصب على مختلف الجبهات الفكرية والسياسية، كان آخرها إشرافه على «الحركة المصرية من أجل التغيير» «كفاية» التي مثلت تطورًا نوعيًّا على صعيد الجهاد المدني في مصر والوطن العربي ضد الطغاة، إذ كان رهانها رفع سقف مطلب التغيير من المستوى الجزئي إلى مستوى المطالبة بتداول السلطة، بما يضع حدًّا لعهد الاستبداد والانفراد والفساد، ومن مكاتب الأحزاب التقليدية إلى الساحات العامة، ومن الحزبية الضيقة إلى العمل الجبهوي الواسع.
وكانت «كفاية» الشعار والمطلب والتجمع الذي استقطب تحت مظلته طيفًا واسعًا من المثقفين المصريين والطلبة من مختلف الاتجاهات، مسلمين ونصارى، يساريين وناصريين وإخوانًا، فكان «المسيري» في طليعة هذه النخبة خلفًا لـــ «جورج إسحاق» في قيادة «كفاية»، إلى أن وافاه الأجل المحتوم.
ولد د. عبد الوهاب المسيري بمدينة دمنهور بشمال مصر عام ۱۹۳۸م، ودرس الأدب الإنجليزي ودرسه في جامعات غربية وعربية وإسلامية كثيرة، واشتغل باحثًا في عدة مؤسسات مصرية ودولية، وأسس أو شارك في تأسيس عدة مؤسسات بحثية وفكرية، وأنتج فيضًا من الفكر الفلسفي والأدبي والاجتماعي والتاريخي، يمثل باتساعه وعمقه وتميزه إضافة حقيقية في الفكر الإسلامي والعربي، بل والإنساني الحديث، بما يمكن عده رمزًا لمدرسة في النقد الفلسفي الإسلامي، لفكر الحداثة وما بعد الحداثة، ولما دعاه هو نفسه بالفكر الإسلامي الجديد، معيدًا للفكر الفلسفي قدرًا من الأهمية والمكانة في ساحة فشا فيها التسطيح والشكلانية تحت عناوين سلفية خادعة، فكان فكره النقدي الفلسفي للحداثة وما بعدها فتحًا لإمكان التفلسف ولكسر حواجز التحيزات على كل صعيد، بما أفسح المجال أمام الفكر الإسلامي للقاء مع مختلف مدارس الفكر المناضلة ضد الدكتاتوريات المحلية والإمبرياليات، فكان اللقاء الإسلامي اليساري والناصري ضد الفساد والاستبداد والتطبيع مع المشروع الصهيوني، دعمًا لكل حركات المقاومة في فلسطين، ولبنان، والعراق.
كما كان د. المسيري المحرر الرئيس للوثائق التي صدرت عن «حلقة الأصالة والتقدم» التي جمعتنا به مع ثلة من المفكرين الإسلاميين المجددين أمثال: طارق البشري، وفهمي هويدي، ومنير شفيق، والبشير نافع.. مع ثلة من المفكرين الغربيين ناقدي «الحداثة»، وما بعدها أمثال: «لويس كانتوري»، و «جون سبوزيتو» و «جون فول».
ويكفي تفحص المكتبة الزاخرة التي خلفها الراحل العظيم للوقوف على ثراء واتساع
وأهمية المدرسة التي نماها في الفكر العربي والإسلامي الحديث: موسوعة «اليهود واليهودية والصهيونية.. نموذج تفسيري جديد» «ثمانية أجزاء»، و«العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» «جزآن» و «رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية وغير موضوعية»، و «إشكالية التحيز» «سبعة أجزاء».. بالإضافة إلى مؤلفات كثيرة في الحضارة الغربية والأمريكية منها: «الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية»، و«الفلسفة المادية وتفكيك الانسان»، و «الحداثة وما بعد الحداثة»، و «دراسات معرفية في الحضارة الغربية».. ناهيك عن الدراسات اللغوية مثل: اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود»، و «دراسات في الشعر والأدب والفكر» كما صدر له ديوان شعر بعنوان «أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية»، وعدة قصص، وديوان شعر للأطفال.
ولقد ظل حضور الفارس لآخر رمق من حياته فعالًا متميزًا في مختلف ميادين الفكر والنضال.
رحم الله الصديق العزيز والمجاهد العظيم، وأسكنه الفردوس الأعلى وخلف أهله وأحبابه وأمته والإنسانية فيه خيرًا.. ورجاؤنا في الرحمن الرحيم عظيم أن يشمله بهذا النداء العزيز: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً*فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾( الفجر: 27:30).◘
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل