; عوامل نجاح الداعية | مجلة المجتمع

العنوان عوامل نجاح الداعية

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009

مشاهدات 73

نشر في العدد 1850

نشر في الصفحة 55

السبت 02-مايو-2009

ملوك الآخرة (٥)

تناولنا في المقال السابق الصفة الثالثة وهي الهون، وما فيها من معان، وتعليق سيد قطب يرحمه الله على الآية الكريمة: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) ، وفي هذا المقال نستخرج من تعليق سيد قطب سبعة عوامل لنجاح الداعية في مهمته من أبرزها:

أولًا: الرعاية المستمرة الفائقة: والرعاية صفة دائمة لابد للداعية أن يتحلى  بها، وهي أن يرعى المدعو في كل حالاته، وهذه الرعاية ليست موسمية ولا تختص بوقت الانتخابات، أو وقت الحاجات، أو في وقت

المواسم العبادية كرمضان والحج وغيرها، من المناسبات بل هي رعاية مستمرة كريمة كرعاية الأم والأب لأبنائهما فهي ليست  مستمرة فحسب إنما فائقة، أي أنها تتسم بأعلى درجات الرعاية فهو يعطيهم من نفسه كلما يستطيع، كل الحب وكل القدرات، ولا يخبئ شيئًا أو يبخل بشيء عليهم؛ لأن هذه هي حياته، وأن هذا الأمر مرتبط بحب الله له، أنه يتذكر وهو يدعو الناس محبة الله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) فهو يريد أن يكون الأحسن، ويريد أن يكون الأحب إلى الله سبحانه وتعالى وهو يعلم أن حب الله له مرتبط بما يبذله من جهد للمدعو ليستقيم على منهج الله. 

ثانيًا: البشاشة السمحة: فهو دائم البشاشة في وجوههم، والابتسامة هي عنوانه حيث إن الابتسامة هي أول أسر للآخرين، وهي الشبكة الأولى التي يرميها الداعية للمدعو ليجذبه نحو الحق، وتتحطم كل الحواجز أمام الابتسامة، وما إن يبتسم الإنسان حتى يذوب الجليد، وكأنها رسالة للآخرين: إني أقبلكم فاقبلوني، وأني أبشركم وأعطيكم من جهدي، وأحبكم وأريد لكم الخير».. وجرب عندما تقطب حاجبيك وعندما تعبس في وجوه الآخرين، ماذا تكون النتيجة؟ وجرب ثانية عندما تبتسم حتى مع الأعداء، ماذا تكون النتيجة؟

روى ابن حيان عن أبي ذر قول النبي ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك له صدقة» (١)

ويقول الإمام ابن عيينة: «والبشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هين وجه طليق وكلام لين»(٢) وهذا ما يريده المدعو قبل التنظير وقبل الحجج، وقبل العلوم وقبل التخويف وقبل كل شيء، إنه يريد تلك البشاشة التي تأسر قلبه، وبعد ذلك يكون طبعًا لذلك الصائد من الدعاة الأذكياء.

ثالثًا: الود الذي يسعهم: والداعية عندما يدعو الآخرين لابد أن ينطلق من قضية المحبة، إنه عندما يدعوهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إنما يفعل ذلك من منبع محبته لهم وخوفه عليهم أن يدخلوا النار، أو يعذبهم الله سبحانه وتعالى بذنوبهم وهكذا ينقل لنا القرآن الكريم صورة ذلك الداعية وهو يدعو أقرب الناس إليه ودافعه لهذه الدعوة هو المحبة والشفقة، وذلك في حوار سيدنا إبراهيم عليه السلام لأبيه في سورة مريم، وهو يتودد إليه: و يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فكون للشيطان وليا (مريم). هكذا هو الداعية من ملوك الآخرة إنه يود الخير للآخرين حتى وإن أساؤوا إليه، فإنه يدعو لهم لا عليهم، ويورد لنا النبي ﷺ صورة أحد الدعاة العظماء الذين برزت فيهم هذه الصفة بالرغم من الأذى الذي لاقاه من قومه إذ يقول: يحكى أن نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: «اللهم اغفر القومي فإنهم لا يعلمون» وكذلك فعل نبينا محمد ﷺ عندما ضربه أهل الطائف وأدموا قدمه فدعا لهم لا عليهم، هكذا هم الدعاة من ملوك الآخرة.

 ولذلك السبب فإن الداعية هو أكثر الناس حبًا للناس، ولابد أن يرى الناس هذا الأمر عيانًا، أنه يحبهم والحب هو الدافع له إلى دعوتهم وأمرهم ونهيهم عن المنكر، ويرون الود الذي يسعهم ويسع الجميع، لا يسع أناسًا دون أناس، ولا يسع طبقة اجتماعية دون طبقة أخرى، ولا يسع درجات من الناس دون درجات أخرى، بل يسع الفقير والغنى ويسع المتوسط الحال، ويسع من هو من بلده ومن هو من غير بلده، ويسع أصحاب المناصب العالية وأصحاب المناصب الدنيا، ويسع الجهلة والفقراء، ويسع الأغنياء.

إنك لن تستطيع أن تكسبهم ما لم يشعروا بحبك لهم، يقول: الشيخ عبد البديع صقر يرحمه الله في كتابه «كيف ندعو الناس» في أجمل عبارة من عبارات هذا الكتاب: «كسب القلوب مقدم على كسب المواقف» إنها كلمة خبير أمضى في الدعوة سنين طويلة، فخرج بهذه الخلاصة «كسب القلوب مقدم على كسب المواقف».

فكم تكسب من المواقف في هذه الحياة مع الآخرين، ولكنهم إذا لم يحبوك لن يقبلوا كلمة واحدة من كلامك، وكم تقابل آخرين لا تبلغ علمهم ولا مناصبهم ولا أموالهم ولا رتبهم، ولكنهم إن أحبوك أطاعوك وقبلوا ما أردت منهم.

الهوامش

(١) البخاري في الأدب، والترمذي وابن حيان (ص ج ص ٨-٢٩) ، وله تكملة.

(۲) فيض القدير ٣/٢٢٦.

[1] رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية 

الرابط المختصر :