; المعالجة الجينية والصناعات المغشوشة... وقفة مع الأغذية والأدوية والألعاب المسرطنة! | مجلة المجتمع

العنوان المعالجة الجينية والصناعات المغشوشة... وقفة مع الأغذية والأدوية والألعاب المسرطنة!

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2007

مشاهدات 65

نشر في العدد 1768

نشر في الصفحة 36

السبت 08-سبتمبر-2007

جرائم إفساد الأدوية والأغذية والصناعات إذا تكاملت أركانها فإنها تدخل ضمن جرائم الإفساد في الأرض التي لعن الله كل من يقترفها.

هالني ما نشرته الصحف العربية والغربية من انتشار الألعاب المضرة والمؤدية إلى السرطان، حتى إن أمريكا مؤخرا منعت أكثر من عشرة آلاف لعبة اكتشف أن فيها مواد تؤدي إلى السرطان، ومواد مضرة وخطرة، ونشرت إحدى الصحف الكويتية أسماء ٣٣٢ مادة غذائية خطيرة تتداول داخل الكويت الشقيقة في الجمعيات التعاونية دون الأكشاك والمحلات العادية، هذا ما اكتشف وما لم يكتشف أكثر، ناهيك عن عشرات الآلاف من الأدوية والأغذية التي دخل فيها العلاج الجيني، كما نشرت الصحف القطرية والسعودية كذلك أسماء كثير من الأغذية الفاسدة، ومن ممارسات فاسدة من الغش، ومن استعمال التقنيات الجينية في الصناعة في الأدوية والأغذية.

وقد عانى الإنسان، بل والحيوان من المبالغة في التهجين واستعمال المعالجة الجينية، حتى أصابت الحيوانات والبشر بجنون البقر حيث خسرت منها بريطانيا. فقط ۱۳ مليار جنيه إسترليني وانتقل هذا الجنون إلى البشر، -واكتشف منه البعض- ولا يستبعد أن يكون جنون بعض السياسيين في التعامل مع الشعوب المستضعفة بسبب هذا الجنون.

وقد أشار معظم التحليلات العلمية إلى أن السبب في ذلك يعود إلى المعالجة الجينية، وإعطاء المواد المصنعة من اللحوم والبروتينات والعظام لهذه الحيوانات المسكينة، فأكلتها فأصابها الجنون، ولكن هذه المصيبة لم تقف عند الحيوانات، بل تجاوزتها إلى الإنسان، جزاء ما اقترفته بدام من تعذيب الحيوان.

واليوم في بعض البلاد الأسيوية يتم التقليد بطريقة متقنة جدًا، فكل شيء بنفس الشكل واللون والمواصفات إلا أن الجوهر أو المادة الخام مختلفة تمامًا.

وأنت حينما تأكل الفواكه أو الخضراوات، فإنك لا تأكل حقيقة الخضراوات أو الفواكه، وإنما تأكل أشياء شبيهة بها، ولكن للأسف تكون، -في بعض الأحيان- معالجة جينيًا ومليئة بالسموم.

ومع كل هذه المصائب فإن التجار لا يكتفون بها، وإنما يقومون بالغش وتغيير زمن الصلاحية حتى قامت السلطات المختصة في أسبوع واحد في مدينة واحدة بإعدام مائة ألف طن من الأغذية الفاسدة.

وقد قام الدكتور أكرم الشاعر النائب في مجلس الشعب المصري، ووكيل لجنة الصحة باستجواب الحكومة في ٢٠٠٦/٤/١٨م عن المبيدات المسرطنة، حيث ذكر أن أكثر من ألف إصابة بالسرطان سنويًا تحدث في الجهاز الهضمي، وأن الحكومة هي السبب في ذلك.

وأكد الشاعر أن الدكتور يوسف والي وزير الزراعة المصري الأسبق قد أدخل البلاد أسماكًا وحيدة الجنس، تتسبب في إصابة الإنسان بأمراض خطيرة، وأن صفقات الأغذية الفاسدة ما زالت تتسرب إلى البلاد، وقد بلغت نسبة الإصابة بالسرطان في الأطفال ٦%، وهي أعلى نسبة موجودة في العالم، وأن الأغذية الفاسدة هي السبب الرئيس في تفشي الأمراض القاتلة كالفشل الكلوي والكبدي، وانتهى إلى طلب إعلان حالة الطوارئ للتخلص من الغذاء الفاسد، أي بديلًا عن حالة الطوارئ السياسية (1).

هذا الكلام يقال في البلدان التي فيها وزارات للصحة والزراعة، وفيها مراقبة ولديها تشريعات، فما ظنك في البلاد الفقيرة التي ليس فيها رقابة ولا تشريعات يل الأبواب والأفواه الجائعة مفتحة لالتقاط أي شيء يصل إليها، حتى ترى فيها مصانع للأغذية الفاسدة، وشركات للأدوية الفاسدة، ومصانع لمنتجات البان للأطفال أو للكبار غير صالحة حتى للحيوانات.

ومن خلال المتابعة تستطيع القول إن الحال وصل إلى مرحلة ينطبق عليها قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41)، حيث ظهر الفساد في البر والبحر والجو والهواء والغذاء والماء والحرث والنسل وكل شيء.

فكثير من الناس -في بعض البلدان الفقيرة- يأكلون الأطعمة الفاسدة، ويشربون المياه الملوثة، ويعالجون بالأدوية المضرة. فقدوا يأكلون الدواجن والطيور المصابة بالإنفلونزا، واللحوم التي فيها الحمى القلاعية، والبروسيلا والدين البقري والأسماك التي بها هرمونات تؤدي إلى السرطان ويشربون المياه الملوثة بالصرف الصناعي والصحي، ويأكلون الفواكه والموالح والخضراوات والأغذية التي عولجت بالهندسة الوراثية التي ترتبت عليها أمراض خطيرة مثل السرطان، وتشويه الأجنة.

وهكذا يعيش العالم اليوم في هذه الأزمات الأخلاقية في أخطر مجال وهو مجال الإنسان بدنه، صحنه، غذائه، دوائه.

موقف الشريعة الغراء

تبين لنا من خلال العرض الموجز السابق أخطار هذه الأغذية والأطعمة والأدوية الفاسدة والمصنوعات المضرة، وأنها تتعلق بأهم ضرورة من الضرورات الخمس التي نزلت الشريعة للحفاظ عليها وتنميتها. وحمايتها من الاعتداء عليها، لذلك تستطيع القول بكل اطمئنان إن هذه الجرائم المتعلقة بإفساد الأغذية والأدوية والصناعات إذا تكاملت أركانها تدخل ضمن جرائم الفساد في الأرض التي نهى الله تعالى عنها: وحاربها، ولعن كل من يقترفها فقال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: 22-23)، وجعل لها عقوبات رادعة لا نجد مثلها لآية جريمة أخرى وهي عقوبة الحرابة والفساد في الأرض، حيث يقول تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33)، ويمكن تلخيص هذه الجرائم المتعلقة بالفساد المذكور إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الفساد الذي تحقق بسبب الغش في التصنيع، أو في تغيير أوقات الصلاحية أو في أي شيء يتعلق بالمنتج.

ومن المعلوم أن الإسلام حرم الغش والتدليس، فقد روى مسلم وغيره بسندهم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فادخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟، قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي براء الناس من غش فليس مني».

والحديث صرح بأن أي كتمان للحقيقة حرام، وإن لم يكن السبب من البائع نفسه وأنه يؤدي إلى حرمان فاعله من شرف - الانتساب إلى الرسول الكريم الرحمة للعالمين، وإلى هذا الدين القائم على الخلق والعدل والإحسان، قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم.. وقالوا: الغش حرام.

النوع الثاني: الفساد الذي يعود إلى الفساد الذاتي بسبب حرمته مثل الفساد الموجود في الخنزير، والميتة والدم ونحوها مما حرمها الله تعالى بسبب ما فيها من أضرار.

النوع الثالث: الفساد الذي تحقق بسبب التلاعب بطبيعته جينيًا، قصد بها الإكثار، والربح، مع ما فيه من إضرار بالإنسان أو الحيوان أو البيئة.

وكلامنا عن النوعين الأول والثالث وهما يشملان التلاعب والعمل لأجل التغيير. ويترتب عليه الإضرار الكبير والفساد المستطير الذي يعاني منه عالمنا الإسلامي.

والموقف العملي في نظر الإسلام يتم من خلال الإحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية لدى كل فرد، إضافة إلى مسؤولية الدولة، وذلك كالآتي:

1- مسؤولية الفرد، ومسؤول الأسرة عن النفس، وبقية أفراد الأسرة من حيث التوعية والحماية ووجوب الامتناع عن شراء هذه المواد الضارة، ومن حيث فضح تجار الموت والفساد والإخبار عنهم بعد النصح والإرشاد.

٢- مسؤولية التجار بحيث لا يتعاملون مع هذه الشركات التي تصدر لنا السموم. مهما كانت أرباحهم، وإلا فهم يتحملون مسؤوليات كبيرة، ويتحملون مالات أفعالهم من حيث الأضرار.

3- مسؤولية جهات الاختصاص من الصحة والبلدية، والجمارك والحدود ووزارة التجارة والاقتصاد وغيرها من حيث الرقابة والتشدد في هذا المجال.

مسؤولية الدولة بوضع التشريعات الوادعة لكل من تسول له نفسه بالإضرار بصحة الناس وإبداء أنفسهم.

علمًا بأن هذه الجرائم في نظر الشريعة تدخل في جرائم الفساد في الأرض التي تبدأ بالحبس، وقد تصل العقوبات فيها إلى القتل والصلب، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).

---------------------

الهوامش

(1) موقع «إخوان أون لاين».

(2)صحيح مسلم كتاب الإيمان (۹۹/۱) وسنن أبي داود، مع شرح عون المعبود البيوع (۲۲/۹) وابن ماجه (٧٤٩/٢) والمستدرك (۱/۲) والسنن الكبرى (٢٢٠/٥).

(3) سنن الترمذي، مع شرح تحفة الأحوذي البيوع (٥٤٤/٤).

الرابط المختصر :