العنوان رأي المجتمع: الهوس بالكرة.. وحصاد السياسة المر!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1879
نشر في الصفحة 5
السبت 28-نوفمبر-2009
أحداث محزنة ومخزية عاشتها الساحة العربية منذ السبت 14/ 11/ 2009م يوم مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر في القاهرة، ثم لقاء الفريقين يوم الثامن عشر من الشهر نفسه في العاصمة السودانية الخرطوم في تصفيات كأس العالم فبدل أن تدور أحداث تلك المباراة كغيرها من المباريات التي أجريت في دول العالم في إطار حجمها الطبيعي، إذا بها تتحول إلى ما يشبه المعركة الحربية بين البلدين الشقيقين.
وانقلبت وسائل الإعلام في البلدين بشتى أنواعها إلى قلاع حربية تصب جام غضبها، وتواصل شحن الجماهير بجرعات غير معقولة من الكراهية حتى استقر الوضع عند حالة لا تصدق من العداء، وشبه انقطاع للعلاقات الدبلوماسية بين دولتين عربيتين كبيرتين.
ولم يراع المتحاربون إعلاميًا حرمة العشر الأوائل من شهر ذي الحجة وتدفق الملايين إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج، ولم يخجل الإعلام الذي يواصل إشعال الفتنة بين الشعبين من جلال وقدسية شعائر الحج، ولم يتذكر القائمون على تلك الحملات لحظة واحدة معاني الحج إلى بيت الله الحرام، التي تؤكد أول ما تؤكد على معاني الوحدة والأخوة بين أبناء الملة والعقيدة الواحدة!
وهكذا وصل الهزل والسذاجة إلى تحول مباراة لكرة القدم إلى ما يشبه المعركة الحربية، لتضيع معها كل معاني الأخوة والعلاقات التاريخية، وتذوب معها كل القضايا المصيرية التي تواجه الأمة كقضية القدس وفلسطين، وقضايا الشعوب الرازحة تحت مطارق البغي والاحتلال، فلا صوت يعلو فوق صوت الكرة.
لقد كشفت هذه الأحداث إلى أي مدى أسفرت سياسات تسطيح وعي الشعوب، وإفراغ عقولها من قضايا أمتها المصيرية كقضايا التنمية، وإعلاء قيم بناء الأوطان، وتحقيق نهضتها، ومعرفة ذاتها، والتمسك بهويتها ودينها وقيمها وإدراك عدوها الحقيقي الذي يضمر الشر لها، ولا يتوقف عن التخطيط لإشعال الفتنة بين أبنائها لتفريقها إلى شيع متناحرة.
وقد أسفرت تلك السياسات التي يتم تطبيقها على الشعوب العربية منذ أكثر من نصف قرن وتبنتها الأنظمة الثورية الدكتاتورية، وما زالت تسير عليها عن صناعة حالة من «الهوس»، وتسطيح عقول الجماهير وإفراغها من كل جاد ومفيد، وملتها في ذات الوقت بكل القضايا التافهة.
ومن هنا، فإن ما جرى بين مصر والجزائر هي إحدى ثمار تلك السياسات التي أصابت قطاعًا عريضًا من الجماهير العربية بحالة من الهوس، سواء بالكرة أو بأهل الفن أو السياسة، وهي ظاهرة قديمة متجددة، تتولد وتترعرع في عصور الظلام وعهود الاضمحلال، حين تصبح السيادة لحكم الفرد الدكتاتور، أو هيمنة الطبقة الفاسدة العابثة، أو هما معًا، حيث تكرس منظومة «الحكم» جهودها للتخلص من نكد الجماهير ومشكلاتهم ومطالبهم، والتفرغ لتثبيت حكمها وإطالة أمده، ويكون الحرص الأكبر على تنشئة أجيال هلامية ممسوخة الهوية والشخصية، تثيرها حركة «الكرة»، وتحركها رياح اللذة والشهوة والمظاهر الكاذبة، وتخلب ألبابها الشعارات الفضفاضة، حتى تصبح سهلة القياد والانقياد، بعد أن أصيبت بفراغ رهيب تنعق فيه البوم.
وقد تابعنا كيف تدافع المراهقون الذين امتلأت بهم الشوارع والمسارح بطريقة جنونية لمشاهدة فنان مراهق، وتابعنا يومًا كيف امتلأت الشوارع بالجماهير تتوسل للقائد «المهزوم» بالبقاء في قيادة الأمة، ثم تصاب بحالة هستيرية عند موته، وتابعنا كيف ورط زعماء شعوبهم في حروب مهلكة أكلت الأخضر واليابس.
ونتابع اليوم ما يشبه معركة عسكرية يقودها إعلام مصر والجزائر بسبب مباراة لكرة القدم، وغابت قضية القدس وفلسطين وكل مشكلات الشعوب، وبقيت قضية واحدة هي قضية كرة القدم.. وذلك عين ما يتمناه العدو ليسرح ويمرح في بلادنا كيف يشاء..
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل