; بوريس يلتسين.. يسألون: هل أنت ديمقراطي؟ | مجلة المجتمع

العنوان بوريس يلتسين.. يسألون: هل أنت ديمقراطي؟

الكاتب محمد الاسعد

تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991

مشاهدات 73

نشر في العدد 977

نشر في الصفحة 42

الأحد 24-نوفمبر-1991

الجهاد المقدس والمواجهة في الشيشان

الجهاد المقدس والقسم أمام المصحف الكريم، كان هو الرد الذي أعلنه جوهر دوداييف، رئيس جمهورية الشيشان الشيشانية السوفياتية المسلمة التي أعلنت استقلالها عن جمهوريات غورباتشوف وانفصالها عن السياسة الشيوعية وإلى الأبد. وقد دوت دعوة الرئيس المسلم المسلمين إلى الجهاد المقدس ردًا على إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي دعا إليها بوريس يلتسين، رئيس روسيا في العالم ولا سيما وأن الزعيم الشيشاني المسلم عمم كلمته ولأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفياتي على شعوب الأمة الإسلامية بأسرها إضافة إلى شعوب القوقاز، والذي وقف عنده العالم أمران:

1- الدعوة إلى تفجير المحطات النووية الروسية الموجودة في الجمهورية المسلمة.

2- الإصرار على أن الحرية قضية ممنوحة من الله للشعوب التي لا يمكن بحال من الأحوال أن ترتهن لخدمة جمهورية روسيا إلى الأبد.

الديمقراطية لغير المسلمين

يتساءل المراقبون المسلمون عن المفارقة الغريبة بين موقفين لرئيس روسيا بوريس يلتسين، موقفه من الطغمة الانقلابية التي أرادت أن تخنق سياسة غورباتشوف الانفتاحية، ومطالبته بخطوات أكثر إيجابية نحو الحرية الخاصة والحريات العامة، وموقفه الأخير الذي يعادي به المسلمين بأسلوب أسلافه الشيوعيين، بل بأسلوب ستالين نفسه ليتبين من هذه المفارقة أن نظرة القادة الذين تربوا على موائد الشيوعية ما زالت نظرة تحمل الكثير من العدائية للإسلام والمسلمين. وهذا ما يعرفه المسلمون في كافة الجمهوريات السوفياتية الذين عبروا من خلال المظاهرات الأخيرة عن استيائهم من ذلك الموقف العدائي، فقد نقلت وكالة «تاس السوفياتية» قبل أيام قليلة، وبعد صدور قرارات بوريس يلتسين أن عشرات الآلاف من الأشخاص نزلوا إلى شوارع غروزني عاصمة الشيشان في جمهورية أنغوشيا التي تتمتع حاليًا بالحكم الذاتي داخل جمهورية روسيا الاتحادية، وأوضحت تاس أن جماعات وأفرادًا من مواطني الشيشان وأنغوشيا مستعدون للدفاع عن الرئيس المنتخب قبل شهر واحد، وهو الرئيس المسلم جوهر دوداييف. والعجيب أن بوريس يلتسين وحكومة روسيا لم تعترف حتى الآن بانتخابات الشيشان، بل إنها تعتمد على ممارسة أشكال الحرمان السياسي والقهر الفكري والثقافي والاجتماعي على المسلمين فقط، علمًا بأن غير المسلمين قد مارسوا حرية التفكير وحرية الصحافة وحرية الاختيار والانتخاب الديمقراطي في أقاليمهم وفي جمهورياتهم. والأمر الذي ما زال يلفت أنظار العالم رغم بعض التعتيم الإعلامي على بعض الحقائق الجارية هناك، هو أن مجموعات من الشيشان المسلمين يتحصنون بأسلحتهم حول مقر حكومتهم المنتخبة ورئيسهم المسلم وذلك للدفاع عنه باعتباره أصبح اليوم رمزًا للمسلمين هناك.

مواجهة محتملة

على الرغم من أن الأجواء السياسية الدولية وفق تطورات النظام الدولي الجديد تفترض حل جميع المنازعات الإقليمية والداخلية بالأشكال السلمية، وعلى الرغم من أن سياسة الرئيس ميخائيل غورباتشوف تتفق وهذه السياسة الدولية في النظام الجديد، فإن هنالك حالات قد يتجاوزها النظام الدولي الجديد. فالصراع الدموي بين أقاليم يوغسلافيا التي يمزقها التناحر ببطء نموذج لذلك، والتحديات التي فرضها بوريس يلتسين على الشيشان المسلمين قد تؤدي إلى شكل من أشكال المواجهة قد تتعدى المواجهات السياسية، ونميل إلى الاعتقاد بأن عوامل الاستفزاز التي أيقظها الرئيس الروسي قد تكون مفتعلة لتهيئة الظروف المناسبة له من أجل الطمس على الهوية الإسلامية التي بدأت تلوح متميزة في الجمهوريات السوفياتية. ويرى كثير من المراقبين الدوليين أن التحديات التي فرضها يلتسين، والتي رد عليها دوداييف المسلم قد هيأت المسرح أخيرًا لمواجهة شاملة بين الزعامة الروسية، والمناطق التي يغلب عليها المسلمون السنة، والتي غزتها روسيا القيصرية عام 1859م.

عودة إلى الاستخبارات

على الرغم من أن الرئيس الروسي بوريس يلتسين كان أول الداعين إلى إنهاء كافة أشكال المخابرات في الاتحاد السوفياتي وعلى الرغم من أن حكومته وقفت موقفًا ديمقراطيًا داخل روسيا، ودعت إلى حل جهاز الـ «كي. جي. بي» ومنعته من ممارسة نشاطه بين المواطنين الروس، على الرغم من هذا كله فإن يلتسين الروسي دفع بمجموعات كبيرة من عناصر جهاز الاستخبارات المنحل لاقتحام مبنى الاتصالات في العاصمة الشيشانية غروزني. وقد ذكرت إذاعة روسيا الاتحادية أن الاقتحام الاستخباراتي كان بأمر من يلتسين نفسه، الذي أزعجه فيما بعد تدفق مئات الآلاف من المتظاهرين المسلمين إلى الميادين الرئيسية المختلفة في العاصمة، وذلك في سياق تحد شعبي إسلامي واضح لسياسته المضادة في التعامل مع المسلمين. وفعلاً فقد تمكن المسلمون الشيشان من كسر أوامر حظر التجول وتجاوز حالات الطوارئ التي أمر بها الرئيس الديمقراطي يلتسين. والجدير ذكره هنا أن هذه الجمهورية المسلمة كانت قد قدمت دعمًا سياسيًا وشعبيًا ووقفت على أهبة الدعم العسكري لـ بوريس يلتسين وأعلنت مناصرته ضد الطغمة الانقلابية التي خططت للعودة بالاتحاد السوفياتي إلى عصر ستالين وسياسته الشيوعية الحادة الحمراء.

أخيرًا. لماذا هذه العدائية للمسلمين؟

لقد حرضت سياسة البريسترويكا والغلاسنوست شعوب الاتحاد السوفياتي كلها على الزحف المقدس نحو الحرية بعد قهر استمر أكثر من سبعين سنة، وفعلاً فقد نالت عدد من الجمهوريات السوفياتية استقلالها كاملًا، مثل جمهوريات البلطيق الثلاث. بينما الحرمان لا يزال يفرض على المسلمين حتى في حقوق التفكير، ولعل ذلك يعود إلى أمرين:

1- التهيب من الإسلام لأنه عقيدة متميزة وشريعة صالحة لعزل أتباعها عن القوانين الغربية الوضعية وبناء دولتهم بناءً إسلاميًا فعالًا ومستقلًا.

2- الأحقاد الدفينة والتاريخية القديمة على دين الإسلام وأتباعه.

ترى أليس فيما جرى ويجري في جمهورية الشيشان من شد وجذب مؤشر على أن العقلية الروسية التي تشارك في صنع النظام الدولي الجديد بحاجة ماسة إلى تغير عاجل رغم كل الإيجابيات التي أظهرتها خلال السنتين الماضيتين؟ وإلا فما معنى أن تكون المباحات المشروعة حرامًا على المسلمين فقط؟ إن يلتسين ليس ستالين، فهل من مراجعة للحسابات؟

 

الرابط المختصر :