العنوان صناعة الرأي العام (٤): التطويع الحضاري وغسل المخ الجماعي (نموذج الفرانكفونية)
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2001
مشاهدات 84
نشر في العدد 1466
نشر في الصفحة 66
السبت 01-سبتمبر-2001
تمثل الفرانكفونية نموذجًا للخبرتين التاريخية والواقعية في أن معًا للتطويع الحضاري وغسل المخ الجماعي، وترجع بداية هذا النموذج التطويعي إلى البعثات التنصيرية في بلدان أفريقيا التي توسلت لأهدافها بالمعونات فعلى سبيل المثال كانت تلك البعثات توقع عقودًا مع عدد من الأسر السنغالية تقدم لها بموجبها مساعدات في مقابل أن تختار من أطفالها من تربيه على نفقتها، وتنص العقود عادة على أن الأسرة مجبرة على رد ثمن المساعدات، وعلى دفع نفقات تعليم ابنها إذا هي خالفت الشروط بطلب استرداده مثلاء، وتختار البعثة من أطفال تلك الأسرة من هم دون الخامسة من العمر، ثم ترسلهم إلى مدارس تنصيرية ويفصلون عن أهلهم، وينشأون تنشئة كاثوليكية، ثم يرسلون إلى فرنسا لإتمام تعليمهم العالي، ويعادون بعدئذ إلى السنغال مثلا ليقوموا بالوظائف والأدوار التي تعهد إليهم بما يخدم مصلحة فرنسا، وهكذا يعود الصبي السنغالي رجلًا كاثوليكيا فرنسيًا» حيث يمنح حق المواطن الفرنسـي في المستعمرات من حيث الامتيازات والمركز الاجتماعي والوظيفة.
ويعد هذا أحد جوانب سياسة الفرنسة التي اتبعتها السياسة الفرنسية والتي وضعت جذور ما يسمي المجموعة الفرانكفونية، فيما بعد مما يعد نوعًا من أنواع غسل المخ والتحوير الفكري والمذهبي طويل المدى والمتتبع للأحداث على نطاق الرأى العام العالمي يلحظ محاولات متعددة في الوقت الراهن لتوسيع نطاق الفرانكفونية. فمنذ بضع سنوات تحاول فرنسا أن ترمم إمبراطوريتها السابقة بانتهاج سياسة ثقافية شبه عالمية محورها اللغة الفرنسية كعامل مشترك يجمع بين شتات مستعمراتها السابقة والدول التي انتدبت عليها، وتلك التي لا تزال تحتفظ فيها ببعض من نفوذ هذه العودة إلى الأصول اللغوية تأخذ أبعادًا جديدة تضعها على قائمة أولويات السياسة الفرنسية، فمثلًا في هذا الإطار يتم التشديد على إبراز الوجه المشرق للفرانكفونية على أساس أن هذه الأخيرة تستند على تراث الثورة الفرنسية التنويري، ثم تعدتها إلى إنشاء الكثير من المؤسسات والهيئات الثقافية والتقنية وصولًا إلى تنفيذ المشـروعات الاقتصادية الكبرى، وتسعى فرنسا من خلال بعث فكرة الفرانكفونية - كرابطة دولية يرأسها في الوقت الحالي بطرس غالي - الأمين العام السابق للأمم الـمتحدة - إلى التغلغل التدريجي في صميم الحياة الثقافية والاقتصادية والسياسية لتمارس وتدعم أدوارها السابقة.
وفي العالم العربي نلاحظ أن معظم الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهورية اللبنانية كانوا من خريجي كلية القديس يوسف اليسوعية، معقل الفرانكفونية في المشرق العربي، أما في أقطار المغرب العربي - وبرغم إصرار الحركات التحررية ومقاومتها العنيدة لكل المحاولات الرامية إلى فرنسة سكانها .. فقد تمكنت فرنسا من خلق حالة فرانكفونية لدى أفراد النخبة المثقفة التي ظلت على ولاتها وإعجابها بالمثال الفرنسي، ففي الجزائر تمت فرنسة، قطاعات من النخبة المدنية والعسكرية بحيث أضحت مرتبطة بفرنسا فكريًا ومصلحيًا حتى اليوم، هذه النخبة المتفرنسة أو حزب فرنسا كما يطلق عليها في الجزائر تعد أحد أقوى العوامل المتحكمة في الأزمة الجزائرية الممتدة منذ إلغاء الانتخابات البرلمانية في عام ١٩٩٢م.
والجدير بالذكر أنه في أعقاب تأسيس المجلس الأعلى للفرانكفونية انعقدت أول قمة فرانكفونية شملت ٤٢ دولة بينها 5 دول عربية هي لبنان والمغرب وتونس وموريتانيا ومصر. ورغم اهتمام فرنسا بأقطار المغرب العربي التي تضم أكثر من ٢٠ مليون فرانكفوني عربي فإنها تولي اليوم اهتمامًا متزايدًا بمصر التي تقع خارج دائرة الفرانكفونية إلى حد بعيد ولعل آخر مؤشراته إقامة الجامعة الفرنسية - على غرار الأمريكية - مما يثير التساؤل حول الأسباب الكامنة خلف هذا الاهتمام.
ومن مراجعة الخبرة التي تقدمها النماذج التاريخية في هذه الدراسة. خاصة النموذج المصري الأول الذي اعتمد المثال الفرنسي لتحديث الدولة عبر إيفاد البعثات العلمية منذ العام ١٨٢٦م، مما شكل بدايات صناعة النخبة المثقفة المصرية - نجد أن الحضور الثقافي الفرنسي في إطار تلك النخبة لم ينقطع رغم سني الاحتلال الإنجليزي، فهل هناك جديد في هذا الأمر تفصح عنه الأيام المقبلة؟ بشكل عام نستطيع القول إنه إذا كانت فرنسا قد عجزت عن تقاسم الأدوار من موقع الندية مع الولايات المتحدة القطب العالمي الأحادي، فإن الفرانكفونيين العرب وهم في موقع التوجيه والإعلام والأدب والثقافة والفن يقومون واقعيا بدورهم في هذا المجال عبر التأثير وصناعة الرأي العام في بلدانهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل