العنوان مصرفي الألفية الثالثة: «الانهيار» الأمني يلاحق «الانهيار» الديمقراطي
الكاتب شيرين حامد فهمي
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2007
مشاهدات 44
نشر في العدد 1752
نشر في الصفحة 18
السبت 19-مايو-2007
مصر
لا صوت يعلو فوق الأجندة الأمريكية.. ولا إصلاح يعلو فوق مصلحة النظام!
تعرضت مصر في الآونة الأخيرة إلى ثلاثة أحداث «مُروعة»، كان لها تأثير واضح في المجتمع المصري برُمته، تنطلق فداحة تلك الأحداث من كونها خارقة للموروث المصري، وغريبة على الشارع المصري، فأن يتم تطويق جامعة القاهرة بضباط الأمن المركزي ليتم التلاعب في الانتخابات الطلابية، فهذا أمر جديد لم يعهده طالب الجامعة من قبل.؛ وأن يتم الاعتداء على طلاب جامعة الشمس بقنابل المولتوف في داخل حرم الجامعة لضرب طلاب المعارضة، تحت مرأى ومسمع الحرس الجامعي، فهذا أمر لم تشهده ساحات الجامعات المصرية من قبل.
باحثة دكتوراه في العلوم السياسية جامعة القاهرة
ولعل العامل المشترك بين الأحداث الثلاثة يتمثل في الاعتداء الجماعي والعلني على مواطنين أبرياء تحت «رعاية» رجال الأمن المخولين أصلًا بكف الاعتداء عنهم؛ وكذلك يتمثل في وقوعها جميعًا في الوقت نفسه تقريبًا، بعد شهر رمضان الماضي.
لقد شهدت جامعة القاهرة أعنف احتجاجات ومصادمات من نوعها على مدار الأسبوع الأول من نوفمبر ٢٠٠٦م بعد تسرب معلومات عن وقوع عمليات شطب واسعة النطاق لجميع الطلبة المرشحين المنتمين لتيار الإخوان المسلمين في انتخابات الاتحادات بكليتي دار العلوم والتجارة، وإعلان فوز طلاب الاتحاد بالتزكية في انتخابات كلية الآداب، وبلغت المصادمات أوجها عندما كسر بعض الطلاب أحد بابي الجامعة الرئيسين ساعين للخروج في مظاهرة خارج الجامعة؛ احتجاجًا على مثل هذا التحيز غير القانوني وغير الشرعي ضد المرشحين الإسلاميين.
ثم جاء يوم ١٢ نوفمبر ٢٠٠٦م لتشهد جامعة القاهرة تطويقا مروعًا من جانب قوات الأمن، أشبه بالثكنات العسكرية؛ تم بموجبه منع أي فرد من الدخول أو الخروج، سواءً كان هذا الفرد طالبًا أو أستاذًا، وكان الدافع من وراء ذلك، هو إصرار رجال الأمن على شطب المرشحين المعارضين، خاصةً الإخوان المسلمين.
ولم يختلف الأمر في جامعة عين شمس، حينما قامت مجموعة من «البلطجية» المسلحين باحتلال سطح أحد المدرجات، ليقذفوا الطلبة بقنابل المولتوف، بينما كان الحرس الجامعي يقف على بعد أمتار سامحًا للبلطجية بالدخول، ورافضا التدخل لحماية طلاب تلك الأسلحة، وكان دافع تلك البلطجة كما حدث في جامعة القاهرة، هو مواجهة المعارضة الطلابية التي شكلت «الاتحاد الحر» بعد تخلي رؤساء الجامعة عن وعودهم بضمان نزاهة الانتخابات الرسمية.
بعد وصول «حماس» إلى سدة الحكم وفوز جماعة «الإخوان المسلمين»
بـ ٨٨ مقعدًا في انتخابات البرلمان المصري قررت الإدارة الأمريكية تأجيل «الإصلاح» إلى أجل غير مُسمي.. وفهم النظام المصري الرسالة
نزاهة الانتخابات الرسمية.
والفارق بين الجامعتين، أن تطويق الأمن لطلاب جامعة القاهرة حدث خارج الجامعة، بينما تم تطويق طلاب جامعة عين شمس في قلب الجامعة، في حرمها، وهو ما يعد سابقة خطيرة من نوعها.
وإذا كان حرم الجامعة قد انتهك، فقد انتهك ما هو أكثر حُرمةً؛ إنها حُرمة المواطنات المصريات في الشارع المصري، في وسط القاهرة وفي وضح النهار، بل في يوم عيد الفطر، بعد توديع شهر كامل من الرحمة والمغفرة والتوبة؛ وهو ما يعتبر أيضًا سابقة خطيرة من نوعها، فأن يتم التحرش بجموع غفيرة من النساء والفتيات، في وسط أكثر الشوارع شهرةً وازدحامًا بقاهرة المعز، بدون أدنى تدخل من ضباط الأمن الذين يملؤون تلك الشوارع بالذات، فهذا أمر يكاد يُجن له أي عاقل.
إن هذه الأحداث تعكس، ثلاث ظواهر، باتت تهيمن على الساحة المصرية بشكلٍ واضح لا تخطئه العين؛ وتتمثل أولى تلك الظواهر في انهيار منظومة الأمن القومي المصري؛ وثانيتها: في استحكام القبضة الحديدية على الشعب المصري، وتأجيل الديمقراطية إلى أجلٍ مسمى؛ وأما ثالثتها. وأخطرها من وجهة نظرنا - فتتمثل في إسقاط الشعب المصري من حسابات النظام المصري لأنه ببساطة لم يعد له رد فعل سوى التظاهرات الوقتية الخالية من العمل الجماعي المُنظم والمؤثر في آنٍ واحد.
انهيار منظومة الأمن
في كتاب «أوهام الشرق الأوسط» - وهو الذي ترجمته الكاتبة إلى العربية تحت رعاية «دار الشروق» في عام ٢٠٠٤م - أشار الباحث الأمريكي «نعوم تشومسكي» إلى سياسة أمريكية قديمة، اسمها سياسة «رجال الشرطة المحليين المستعدين للضرب»؛ وهي سياسة انتهجها البيت الأبيض تجاه المنطقة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ هدفها الأساسي الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة. فكُلما ظهر خطر مُهدد لتلك المصالح، هب هؤلاء الشرطيون المحليون ليركلوا ويضربوا ويعتدوا وينتهكوا.
بلغة أكثر وضوحًا، إن منظومة الأمن في مصر تقوم على تلك السياسة. ومن ثم، فإنها بدلًا من قيامها بحماية المصلحة العامة للداخل المصري تقوم بحماية المصلحة الخاصة للخارج الأمريكي، وقد تجلت آثار تلك السياسة، بل وصلت إلى أوجها، عبر تلك الأحداث المُشار إليها؛ حيث بات إفلات الجُناة من العقاب هو العادة، وبات تسلط ثقافة العنف في ظل تسامح المسؤولين الأمنيين هو السائد.
غاب الأمن الغذائي والتعليمي والاجتماعي فتراجعت قيم المجتمع المصري.. ولم يعد هناك سوى المنافسة على الثراء بين الأغنياء وتحصيل لقمة العيش بين الفقراء
لقد انهارت منظومة الأمن في مصر بسبب اتباعها المُتراكم لتلك السياسية، وبسبب تخليها المُتزايد عن مهمتها الأساسية المتمثلة في حماية المواطن المصري. وليت آثار الانهيار اقتصرت على تلك الأحداث، ولكنها تمددت وتوسعت في كافة أنحاء البلاد، لتشمل كل مواطن وأي مواطن، سواءٌ كان متعلمًا أو جاهلًا، غنيًا أو فقيرًا، معارضًا أو مهادنا.
فما بين غياب الأمن الغذائي المتمثل تارةً في خلط مياه الشرب بالصرف الصحي، والمتمثل تارةً في الغلاء الموحش الأسعار المواد الغذائية الأساسية، مما أسفر عن جوع موحش أيضا، وما بين غياب الأمن التعليمي الذي أدى إلى تخرج مئات الآلاف من طلاب الجامعات «الناجحين» بحكم «مجانية التعليم» الراسبين بحكم سوق العمل، ليس لكونهم أغبياء، ولكن لكونهم اندرجوا أو أدرجوا تحت منظومة تعليمية «مُرتهلة» لم تعد مؤهلة السوق العمل الراهن، وما بين غياب الأمن «النقلي» المتمثل في اندلاع حرائق القطارات وغرق أو إغراق العبارات، وما يواكبه من عجز الوزراء والمسؤولين عن التصرف حيال تلك الكوارث، وعن إعادة حق المواطن المصري المكلوم سواءً كان محروقًا أو غريقًا، ما بين كل هذا يعيش مصر المواطن المصري غير آمن على نفسه، غير آمن على أهله، غير آمن على أدق تفاصيل حياته التي تمس معاشه اليومي.
الحراك الاجتماعي منذ السبعينيات أدى إلى شيوع قيمة الكسب السريع على حساب قيمة العمل المنتج.. وذيوع قيمة
«الأنا» على حساب قيمة التضامن الاجتماعي
ولا ننسي في خضم ذلك، غياب الأمن القضائي لدرجةٍ وصلت إلى تجاهل الأحكام القضائية، والضرب بها عرض الحائط. فقد نجد على سبيل المثال، من يُعاد اعتقالهم على الرغم من صدور أحكام قضائية ببراءتهم؛ وقد نجد قضاة يُسحلون في الشوارع ويُهددون لإدلائهم بشهادة حقٍ.
ولا ننسى أيضًا غياب الأمن الوطني الإسلامي - المسيحي الذي تسببت فيه مؤخرًا أيادٍ خارجية، والذي قوبل بمنتهى الضعف والسلبية من قبل النظام المصري، في وقت يتعرض فيه الأمن القومي للخطر.
استحكام القبضة الحديدية
وكما انهارت المنظومة الأمنية في مصر، اتباعها لأجندة الخارج، فقد انهارت أيضًا المنظومة الديمقراطية برُمتها للسبب نفسه. فبعد فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية الفلسطينية ووصولها إلى سدة الحكم في يناير ٢٠٠٦م، وبعد فوز جماعة «الإخوان المسلمين» بـ ۸۸ مقعدًا مجلس الشعب المصري في نوفمبر ٢٠٠٥م، قررت الإدارة الأمريكية تأجيل موضوع الديمقراطية إلى أجل غير مُسمي، وكأن الرسالة الموفدة إلى النّظام المصري تقول: إن الديمقراطية في مصر صعبة المخاض في الوقت الراهن.
وكما يبدو، فقد استمع النظام المصري جيدًا إلى الرسالة الموفدة، فبدأت علامات ذلك الاستماع تظهر وتتجلى في صورٍ شتی؛ منها تنامي مسلسل استبعاد المرشحين المعارضين في الانتخابات، مثل ما حدث في انتخابات اتحاد الطلبة في جامعتي القاهرة وعين شمس؛ ومنها الاكتفاء بالحد الأدنى من التغيرات والإصلاحات الدستورية، والتي تعتبر أقل بكثير مما طُلب سالفًا.
باختصار، كلها صور إن دلت على شيء فإنها تدل على تصميم الحزب الوطني الحاكم على رفض وجود أي معارضة جدية في داخل النظام، ومن ثم عدم السماح بأي انفتاح حقيقي على الساحة السياسية الراكدة.
لقد أيقنت واشنطن أن الديمقراطية في المنطقة العربية لن تكون في صالحها؛ فبعد فوز الإسلاميين وخسارة الليبراليين واليساريين، صارت الصورة الواضحة، تقول: إن ركوب الديمقراطية في المنطقة سيصل بالإسلاميين إلى سدة الحكم؛ وهو ما يخالف ويناقض المصالح الأمريكية. ومن ثم، ارتأت الإدارة الأمريكية أنه من الأفضل لها تأخير موضوع الديمقراطية برمته حتى تقوى شوكة النخب الليبرالية واليسارية، وحتى تفيق من ترهلها، لكي تستطيع تحمل أعباء المشروع الديمقراطي.
بمعنى آخر، إن واشنطن ترى أن الليبراليين واليساريين هم فقط المؤهلون والصالحون لخوض العملية الديمقراطية: وبما أنهم لا يمتلكون رصيدًا قويًا لدى الشعب المصري في الوقت الراهن، فإن أمر الديمقراطية سيؤجل أو ستطوى صفحته حتى يحدث ذلك. وكما هو ظاهر للبيان، فقد انتهجت هذه الرؤية وتم تطبيقها بحذافيرها، الأمر الذي أسفر عن استحكام القبضة الحديدية وانهيار المنظومة الديمقراطية كما انهارت المنظومة الأمنية.
إن مصر تعيش حاليًا فترةً من أسوا فترات تاريخها؛ فترة يسود فيها انهيار مضاعف. والغريب، بل العجيب أن يستمر تمسك النظام المصري بالرهان الأمريكي، على الرغم من كونه سببًا محوريًا ورئيسًا في ذلك الانهيار، والسؤالان المطروحان هنا: إلى متى سيظل النظام متمسكًا بالرهان الأمريكي؟ وإلى متى سيتحمل الشعب المصري انهيار هاتين المنظومتين؟
الشعب لم يعد له حساب
إن ما شهدناه في مصر طوال عام ٢٠٠٦م وحتى الآن يعكس تجروا غير معهود على كرامة المواطن المصري، فلا صوت بات يعلو فوق الأجندة الأمريكية، ولا إصلاح بات يعلو فوق مصلحة النظام. وهو تجرؤ إنما ينم عن تجاهل هذا المواطن الذي لم يعد يزن شيئًا، سواء في ميزان الإدارة الأمريكية أو ميزان الحكومة المصرية.
يا تُرى هل كان بالإمكان حدوث مثل هذا التجرؤ على المواطن المصري الذي كان يعيش في أربعينيات القرن العشرين؟ وإذا كانت الإجابة «لا»، فمن حقنا أن نتساءل: ما الفارق بين المواطن المصري في الأربعينيات والمواطن المصري في الألفية الثالثة؟
يُجيب عن هذا السؤال - وبجدارة - الدكتور «جلال أمين» أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذي يرى أن تغير المواطن المصري عبر الخمسين عامًا الماضية إنما غالبًا إلى هيمنة «حضارة السوق» يرجع على مصر منذ السبعينيات، حيث أضحى كل شيء «حتى الإنسان نفسه» قابلًا للتسعير وللبيع في مقابل كمية من النقود. فكتب قائلًا في كتابه: «ماذا حدث للمصريين؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن ١٩٤٥-١٩٩٥: «كان لابد أن يصيبنا ما أصاب غيرنا من حمى التسويق، فإذا بمصر تتحول شيئاً فشيئًا إلى سوق كبير يتسع بالتدريج حتى ليكاد يشمل كل شيء» «ص ۲۸۷». ولم يكن الانفتاح الاقتصادي وحده الدافع الوحيد إلى تغير المصريين، كما يفترض أستاذ الاقتصاد، وإنما تضافر معه عامل آخر لا يقل أهمية، وهو عامل الحراك الاجتماعي الذي شهدته مصر في الخمسينيات والستينيات، وشهدته بمعدل أسرع في السبعينيات والثمانينيات.
ويشير الدكتور «أمين» إلى أن مثل هذا الحراك السريع سمح بنشر بل باستفحال القيم المادية على حساب قيم الفضيلة والأخلاق والمبادئ، «ففي مثل هذه الظروف يبدو التمسك بفضائل الأخلاق، أكثر فأكثر، من قبيل الترف الذي لا يسمح به تغير الأحوال، وتهون أكثر فأكثر التضحية بالمبدأ والشرف، وتعلو في نظر الناس قيم الشطارة والسرعة والقدرة على انتهاز الفرص وعلى التكيف مع الظروف المتقلبة «ص ٤١».
لقد أدى هذا الحراك إلى ذيوع قيمة الكسب السريع على حساب قيمة العمل المنتج، وذيوع قيمة «الأنا» على حساب قيمة التضامن الاجتماعي.
بمعنى آخر، لقد توجهت الطبقات الدنيا الصاعدة بشراهة نحو الظهور الاجتماعي؛ فانصب كل اهتمامها في جمع المال والإنفاق ببذخ وتشرب الثقافة الغربية التي كانت تعتبرها رمزا للصعود الاجتماعي، ومن ثم، لم يكن لتلك الطبقات أي هم بقضايا التبعية السياسية، وكيف لها أن تهتم بتلك القضايا العليا الوطنية المجردة وهي مشغولة بلوازم الصعود الاجتماعي، ومهمومة بالمشكلات المعيشية اليومية؟ وكيف لها أن تفكر في قضايا الكرامة والحرية، وهي مشغولة ليلًا ونهارًا بالكسب السريع؟
خلاصة القول: لقد انتهى الأمر بتحول «مشروع المجتمع المصري»، كما يقول الدكتور «أمين» إلى مشروع الطبقات المهمومة بالرقي المادي، فكيف لمثل هذا المجتمع أن يعمل له حساب؟ وكيف لهذا المجتمع أن يرفع يد الغرب عن مصالح بلاده، وقد ضاعت لديه مبادئ التضحية والشرف والكرامة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل