العنوان الجهاد.. نهج دعوة وواجب داعية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1973
مشاهدات 73
نشر في العدد 146
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 17-أبريل-1973
الجهاد.. نهج دعوة وواجب داعية
(وأما الحرب فهي عندنا: الفكرة الملحة تريد أن تضرب في الأرض وتعمل) (۱).
بهذه البلاغة الجامعة المانعة لخص مصطفى صادق الرافعي رحمه مبررات الجهاد الإسلامي. وإنها موجزة، لكنها لون ظاهر، وخط مائل بارز في الصورة التي رسمها الرافعي لشخصيته الفكرية، وتعطي دلالاتها، من أول وهلة، دلالات على كمال، وصفاء مشربه، ونجاته من حبائل أنصار السلام الموهوم.
إن الشيطان حي، باق مع حياة الإنسانية يغوي ويستصرخ أحزابه ... إن ما غير الإسلام من أديان سماوية لة، وأديان أرضية وضعية، وفلسفات ك عنها وعن أهلها الضلال والهوى.. إن الاسلام يحتكر الصلاح والإصلاح، لا يستطيع غيره أن يأتي ببرهان على أن له منها نصيبا.
إن التاريخ يفضح صيحات السلام، ويرينا أنها اتخذت طرا أدوات خدعة ووسائل تمويه لاستعدادات الحرب وتمرير خطط، وأنه لا يمكن تصور جو تنافس لدى حر تتحرك فيه العقائد ها.
إن الإسلام المصلح، يجب أن يضرب في الكون إصلاحا، ويحصد ما هنالك.. لئن صعب على البعض إدراك هذا الباب الذي سلكه الإسلام أول نشأته، عليهم وكبر عليهم فهم تعامله المتناسب مع أدق الأمور، فإن الاعتداء الجاهلي العنيف على إسلام اليوم لا يدع لمقالة سلام مجالا.
يحاول المتطفلون على اسم الدعوة أن يبثوا هذه الرؤية هذه الأيام، وأن يرخوا الناس بتنافس في الدينار هو في عرف الدين قرين الحرام، ولكن هيهات، فإن الدعاة يفقهون أن الحلال شاهد -كما يقول الإمام - : أمر واحد:
(أن يقدم دمه وروحه فداء لعقيدته وهداية الناس) (۲).
ويعلمون أن مروره بالقتل: وظيفة من وظائف حياته، وقانون من قوانين عمله، فإن الداعية القائد إلى الله: حبة سنبلة: (فالحبة من السنبلة بكل خير على كل حال ، وأنها لتنزع وما بها أنها نزعت، ولكنها أدت ما تؤدي، وانقطعت من قانون لتتصل بقانون غيره، وما اغتنت ولا افتقرت، ولا أكثرت ولا أخفت، بل حققت موضعها، فإنها ما نبتت لتبقى، وما نمت إلا لينقطع نماؤها. وكذلك المؤمن الصحيح الإيمان، الصادق النظر في الحياة: هو أبدا في قانون آخرته) (۳).
قصص الأولين مواعظ الآخرين
وإنما ثورة الجيل اللاحق روح تستمد من الجيل السابق، وتاريخ دعوة الإسلام في القديم والحديث تاریخ خصب حافل ببطولات الجهاد، كان ولا يزال مصدر إثارة تربوية للدعاة يعبر عنها نشيدهم المجلجل ......
قد أثارت دعوة الإسلام فينا
روح آباء كرام فاتحينا
أسعدوا العالم بالإسلام حينا
فاستجبنا للمعالي ثائرينا
وتسابقنا إلى حمل اللواء
وفي هذه المقالة، وفي اللواتي يلينها، نصاحب بعض الآباء الكرام الفاتحين، ليستمد الناشئ المسلم روحًا من روحهم، وليثق برصيد ماضيه، ذلك:
(أن القوة الباطنة التي تدفع إلى الكفاح والعمل لدعوة، لا تنبع إلا من الثقة بالماضي، وبأن هنالك رصيدا من الجهاد والإخلاص، وسندا من الكفاح والنجاح) (٤).
وبحمد الله: هو رصيد ضخم جدًّا، لن يستطيع إغراء، أو إغواء، أو تخذيل، أو تنكيل، أن يثقلنا إلى الأرض ويصدنا عنه طالما اتصلنا به معرفة وتأملا.
فأما شهداء الإسلام في عصر النبوة الكريمة فإن قصصهم أشهر من أن نحتاج هنا لتكرار ذكرها، وحسب جندي الدعوة الناشئ اليوم أن يعرف قصة سلف واحد له من الجنود الناشئة الذين كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:
(رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إلى بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟
قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج، لعل الله يرزقني الشهادة.
فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستصغره فقال: ارجع. فبكى عمير!
فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال سعد: فكنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة، قتله عمرو بن عبد ود) (٥).
فرضي الله عنه من ناشئ تنبيك بطولته بخبر من كان معه من الناشئة، وخبر من رباه من الدعاة من وزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يبكي حزنا أن يخرج من الصف ويتوارى احتيالا لنيل الشهادة، طريقتان يعلمهما عمير ناشئة الدعوة في هذا القرن.
ليست هي طرق المباهاة والتهور والتجاوز.
بل يدلهم كيف يتواضعون ويتملقون الدعاة المربين ليشركوهم شرف ما هم فيه فيمنحوهم بطاقة سفر، على مقعد صدق، في دعوة جهاد، إلى الشهادة.
رباعي اليمامة
أو يكون ناشئ اليوم كأبطال اليمامة الميامين: البراء بن مالك أخي أنس، وأبي حذيفة القرشي، وسالم مولاه، الذي لو كان حيًّا يوم طعن عمر لاستخلفه، وثابت بن قيس بن شماس، خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورديف شاعره حسان، رضي الله عنهم.
حوصر المرتدون في حديقة الموت، فأغلقوا بابها.
فقال البراء: يا معشر المسلمين: ألقوني عليهم في الحديقة.
فقال الناس: لا تفعل يا براء.
فقال: والله لتطرحني عليهم فيها.
فاحتمل، حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم، فقاتلهم عن باب الحديقة حتى فتحها للمسلمين، ودخل المسلمون عليهم فيها، فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدو الله) (٦).
●ولما رأى ثابت بن قيس انكشافًا في الناس تطيب، فوضع شيئًا من الحنوط على جسده، واستعد للشهادة، ثم قال:
«ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بئس ما عودتم أقرانكم» (۷).
ثم تكلم فقال:
«يا معشر المسلمين: أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان، والعزة لله ولرسوله ولأحزابه، أروني كما أريكم، ثم جلد فيهم حتى حازهم» (۸)
وخر شهيدًا -رضي الله عنه-.
وبمثل هذا يكون الخطيب خطيبًا، يكون خطيبًا إذا جمع الحقيقة الخالدة وأصابها وعرفها ونقلها في كلمات لها أهلية الخلود.
كأنه يخطب في دعاة اليوم، ويرى تفرد الحركة الإسلامية، في ظل منحة العزة، أمام أحلاف أحزاب الجاهلية الجديدة، ويقول: «أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان، والعزة لله ولرسوله ولأحزابه».
فلم يبق إلا الإقدام بعدما منحت العزة.
●«وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال، وحمل فحازهم حتى أنفذهم، وأصيب -رحمه الله-» (۹).
●و«قال سالم مولى أبي حذيفة: ما كهذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».
فحفر لنفسه حفرة وقام فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ، فقاتل (۱۰)
ثم قال:
«بئس حامل القرآن أنا إن فررت، فقطعت يمينه، فأخذه بيساره، فقطعت، فاعتنقه إلى أن صرع، فقال لأصحابه:
ما فعل أبو حذيفة؟ يعني مولاه.
قيل: قتل.
قال: فأضجعوني بجنبه» (۱۱)
روائع في الفتوح
ونتجاوز المشهور من قصص الفتوح لنرى روعة الخفي.
●«عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، عن أبيه: أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا للزبير يوم اليرموك:
ألا تشد فنشد معك؟
فقال: إني إن شددت كذبتم.
فقالوا: لا نفعل.
فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم، وما معه أحد، ثم رجع مقبلًا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر.
قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب بها وأنا صغير» (۱۲)
●ورفيقه: الصحابي حياض بن قيس القشيري -رضي الله عنه.
«شهد اليرموك، فقتل من العلوج خلقًا (۱۳)، يقال: ألف رجل، وقطعت رجله وهو لا يشعر، ثم جعل ينشدها (١٤)
وفي ذلك يقول سوار بن أبي أوفى:
ومنا ابن عتاب وناشد رجله
ومنا الذي أدى إلى الحي حاجبا
وأنشد له المرزباني يخاطب فرسه يوم اليرموك بعد أن قطعت رجله:
أقدم حذام إنها الأساورة
أنا القشيري أخو المهاجرة
ولا تغرنك رجل نادرة
أضرب بالسيف رؤوس الكافرة (١٥)
●ولما انقطعت الهجرة يوم الفتح، كانت هجرة الدعاة مستمرة إذا تطلبها الجهاد، كما فعل الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي -رضي الله عنه- أخو أبي جهل، حين فاتته الهجرة ولم يسلم إلا يوم فتح مكة، فخرج «في زمن عمر بأهله وماله من مكة إلى الشام، فتبعه أهل مكة، فقال:
لو استبدلت بكم دارًا بدار ما أردت بكم بدلًا، ولكنها النقلة إلى الله.
فلم يزل مجاهدًا بالشام حتى ختم الله له بخير» (١٦)
وقد قيل إنه استشهد يوم اليرموك.
يعلم الداعية بذلك أن يكون خفيف النقلة إلى الله متى دعاه الداعي، فإن كل أرض الإسلام وطنه.
●ويوم أجنادين قال هشام بن العاص -رضي الله عنه-:
«يا معشر المسلمين، إن هؤلاء القلفان لا صبر لهم على السيف، فاصنعوا كما
أصنع، فجعل يدخل وسطهم فيقتل النفر»
ثم: «ألقى المغفر عن وجهه، وجعل يتقدم في نحر العدو وهو يصيح:
يا معشر المسلمين: إليّ إليّ، أنا هشام بن العاص، أمن الجنة تفرون؟ حتى قتل» (۱۷)
●وقريبه: عمرو بن سعيد الأموي -رضي الله عنه- كان يوم أجنادين أيضًا يحض المسلمين على الصبر، ثم حملوا.
«فمشى إليهم بسيفه، فما انكشفوا إلا وهو صريع وبه أكثر من ثلاثين ضربة» (۱۸)
وهكذا كان معظم ذلك الجيل -رضي الله عنهم- حتى أن ابن أم مكتوم الأعمى -رضي الله عنه أبى إلا أن يشهد القادسية، وكان معه اللواء يومئذ، وقيل: إنه استشهد فيها (۱۹)، مع أن الله تعالى أنزل عذره في القرآن من فوق سبع سماوات:
﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾ (النور: 61).
●ووصف معقل بن يسار فتح أصبهان، فذكر أن أمير جيش المسلمين النعمان بن مقرن قال لجيشه: «إني أدعو الله -عز وجل- بدعوة، فعزمت على كل امرئ منكم لما أمّن عليها:
اللهم أعط اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم.
وهز لواءه أول مرة، ثم هز الثانية، ثم هزه الثالثة، ثم شل درعه، ثم حمل فكان أول صريع».
قال معقل: «ثم جئت إلى النعمان ومعي أداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه
التراب، فقال:
مَن أنت؟
قلت: معقل بن يسار.
قال: ما فعل الناس؟
فقلت: فتح الله عليهم.
قال: الحمد لله، اكتبوا بذلك إلى عمر.
وفاضت نفسه» (۲۰)
ليلة يشغفها خالد حبًّا!
هكذا كانوا: عشاق موت.
كانوا جيل جهاد، اجتباهم الله واختارهم ليكونوا هداة للبشر.
«رهبان بالليل، فرسان بالنهار، ترى أحدهم في ليله ماثلًا في محرابه، قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري فإذا انفلق الصباح ودوى النفير يدعو المجاهدين، رأيته رئبالًا على صهوة جواده، يزأر الزأرة فتدوي لها جنبات الميدان» (۲۱).
ويظل هذا شأنهم حتى آخر لحظة، لا يذكرون إلا الجهاد، ولا يتشوقون إلا للشهادة، ويصرح أحدهم أنه لم يعش ليلة أحب إليه من ليلة إغارة، في صف من جيل التأسيس، صفوة القاعدة الصلبة، كما قال خالد -رضي الله عنه- عند موته:
«ما كان في الأرض من ليلة أحب إليّ من ليلة شديدة الجليد، في سرية من المهاجرين، أصبح بهم العدو؛ فعليكم بالجهاد» (۲۲).
(1) وحي القلم ۱/ ۲۷.
(۲) المجموعة/ رسالة الجهاد/ ٥٥.
(۳) وحي القلم ٢/٦٠.
(٤) للندوي في رجال الفكر والدعوة/ ۲۸.
(٥) طبقات ابن سعد 3/١٥٠.
(٦) تاريخ الطبري ٣/ ۲۹۰.
(۷) صحيح البخاري ٤/٣٣.
(۸- ۹) تاريخ الطبري ٣/٢٩١.
(۱۰) طبقات ابن سعد 3/ ۸۸.
(۱۱) الإصابة لابن حجر ٢/٧.
(۱۲) صحيح البخاري ٥/٩٧.
(۱۳) العلج هو المقاتل الكافر.
(١٤) أي ينادي في المسلمين عسى أن يكون أحد وجد رجله المقطوعة.
(١٥-١٦) الإصابة ١/ ۳۸۳/ ۲۹۳.
(۱۷) طبقات ابن سعد ٤/١٩٣.
(۱۸- ۱۹) الإصابة ٢/٥٣٩/٥٢٣.
(20) تاريخ الطبري ٢/١٤٣.
(۲۱) للإمام في المجموعة/ إلى أي شيء ندعو الناس/ ١٤٠.
(۲۲) الإصابة ١/414.
الرابط المختصر :