; خطوات على الطريق.. لمحة عن ابن باديس | مجلة المجتمع

العنوان خطوات على الطريق.. لمحة عن ابن باديس

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1971

مشاهدات 92

نشر في العدد 54

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 06-أبريل-1971

خطوات على الطريق لمحة عن ابن باديس بقلم الأستاذ يوسف العظيم الدور الذي يمكن أن تؤديه التربية الإسلامية في مجال التحرير، وما الخطوات التي يمكن أن يخطوها المفكرون المؤمنون والأمة المسلمة على دروب النصر، وفي طريق بناء الذات، ومعركة الثبات والوجود والمصير؟؟ التربية الإسلامية في مجال التحرير لقد اندس في صفوف أمتنا حشد كبير من «اليهود الجدد» الذين تخلقوا بأخلاق اليهود، وتطبعوا بطباعهم، ولو لم يكن لهم توراة يؤمنون بها يهود الأخلاق، يهود الهدف، يهود الرسالة. إنَّ الطفل المسلم بحاجة إلى غرس بذرة الإيمان في نفسه، وتعهد بذرة الذوق في وجدانه، وتغذية مشاعر الرجولة والعزم والجد في روحه طفلاً وطفلة على حد سواء. لعل من كريم المصادفات، وجميل الموافقات، أن تأتي الإجابة على هذا السؤال: أين محاضن الجيل المسلم من هذا البلد الكريم، وفي هذه المدينة الباسلة؟!؛ حيث كان فيها للعلم منارة، وللتربية قبس، وللحضارة الإسلامية درع يصد العدى، وسيف يذود عن الحمى، ومعول بناء يعلي الأركان، وساعد قوة يرفع البنيان، ذلك هو الإمام المجاهد والعالم الجليل والمربي المسلم عبد الحميد بن باديس عليه الرحمة والرضوان، وهو الذي نحيي اليوم بلده وأهله وطريقه وعمله وروحه وجهده، يوم أضاء في ظلمات العدوان وغياهب مشاعل من نور القرآن، واقتباسًا من هدي النبوة. لقد كانت السياسة الفرنسية كما تعلمون تهدف إلى إذابة الكيان الجزائري، والوجود الإسلامي، واللسان العربي، ودمج ذلك كله في أمة فرنسا أرضًا ولسانًا وتاريخًا وكيانًا، وكانت خرافة «بعضية» الجزائر من «كلية» فرنسا هي السائدة على لسان السلطة المستبدة الغاشمة، ومن في فلكها يدور. ولقد ضيق الخناق على الشعب الجزائري، وحرم من إبداء الرأي المخالف للباطل المعارض لما يقول الدخيل، فلجأ ابن باديس-عليه الرحمة والرضوان- تحت ستار المدارس الدينية، يصنع مظلة الإنقاذ، وقارب النجاة من التهلكة والذوبان، والموت المحقق، وموت الأمم، وتهلكة الشعوب، أخطر أنواع الموت، وأبشع أصناف التهلكة، لقد خطا ابن باديس عليه الرحمة الخطوة الأولى على درب التحرير، وفي طريق الجهاد الصادق الداعي إلى تميز شخصية الجزائر العربية المسلمة، وكان ذلك عبر تربية جيل مسلم في عدد من المدارس التي ضمت عددًا كبيرًا من الطلاب، يتلقون على يد ابن باديس وصحبه دراسات في علوم القرآن والحضارة الإسلامية والأدب العربي، ومن تلك المدارس انطلقت فكرة تأسيس النوادي الإصلاحية العربية التي كانت مشعلًا قاد الجزائريين نحو الهدف الأسمى في الطريق الطويل؛ حفاظًا على عروبة الجزائر وإسلامها. ولست هنا في معرض الحديث عن ابن باديس السياسي الواعي والمفكر المسلم الذي كان يرد كيد المضبوعين وسادتهم إلى نحورهم، ويناقض أفكارهم الملوثة وادعاءاتهم الباطلة وأهدافهم المريضة، ولكني عرضت في هذه العجالة لابن باديس المربي المسلم الذي جعل من المدرسة قلعة شامخة، ومحضنًا طاهرًا لجيل مسلم صالح، يرفض الدنس، ويأبى الهوان، ثم حدد لهذا الجيل غاية وأطلق له شعارًا ينادي به، ويضحي من أجل الجزائر وطني، والعروبة لساني، والإسلام ديني. وأخطر ما يواجه الأمة في صراعها مع العدو ألا يعرف أبناؤها وجندها في سبيل من يقاتلون، أما الشعب الجزائري في ثورته المباركة فقد كان واضح الهدف سامي الغاية، في سبيل الله، يعمل على تطهير الجزائر من المحتل، وفي سبيل الله يخوض معركة التعريب اللساني والقلمي، وفي سبيل الله يعلي ألوية الحضارة الإسلامية، ويقيم صروح الذات الموحدة التي تحمل رسالة الإسلام لإسعاد الإنسانية. والجزائريون مثلما كانوا واضحين مضحين في ثورتهم المسلحة المباركة أن يطهروا تراب الوطن من أحذية الغاصب، وسماء الوطن من أنفاسه الكريهة، فإنهم اليوم واضحون واعون أبعاد ثورتهم الثقافية التي تقوم على دعائم من فهم الإسلام، بإعادة العقيدة الراسخة، وجذوره الحضارية العميقة؛ ليكون لهم يومئذ الدور الطليعي الفذ والريادة القيادية الواعية التي تدعو إلى مستقبل زاهر متطور، وحياة علمية تقيم المصنع في أفياء المسجد، وتبعث الحياة في المختبر في أفياء المحراب، وما عدا ذلك فإن كل كلام عام غير محدود ولا مفصل بحيث يختلط الأمر على الجيل، فإنه كلام لا هوية له، ولا أصالة، يرفضه الجيل ويأباه، الجيل الذي يطالب بالعودة إلى الله والعمل على بناء مجتمع إسلامي مبارك، يرتل فيه الإنسان المسلم الجديد آيات من كتاب الله، وهو يحتل مقعده من صاروخ مسلم ينطلق به إلى القمر. لقد كان العمل المثمر البناء الذي خطط له ونفذه المربي الكبير ابن باديس خير رد على أسلوب الدمج، والإذابة، والتجنيس، يتمثل ذلك في محاولة القضاء على الإسلام عقيدةً وثقافةً ونظام حياة، والقضاء على العربية لغةً وأدبًا وفكرًا، وتجهيل الأمة بتراثها الحضاري، وتغيرت الوسيلة، وتبدل الهدف، وكبرت الغاية، واتسع الميدان الذي تدور في أرجائه المعركة المصيرية الرهيبة، أما الهدف فهو أمة الإسلام وعقيدة التوحيد وحضارة القرآن. وأما الميدان فهو ديار الإسلام وأمجادها التاريخية لتنسلخ من ذاتها وتذوب في تيارات التفرنج والتنصر والرطانة. ومن هنا كان دور المدرسة خطيرًا وعملها جليلًا: تفسر القرآن، وتوضح معالم الحضارة، وترهق الذوق الأدبي في ميادين الأدب العربي شعرًا ونثرًا على مر العصور. ومن ساحات المدارس العربية وأفياء المساجد المسلمة انطلقت الجماهير الجزائرية المؤمنة تطالب بحريتها، وتذود عن كرامتها، وتقدم في سبيل الله على ثرى الجزائر الطهور، وفي معاقلها السوامق مليونًا ونصف شهيد، خضبوا بالدم الزكي الأراضي التي أرادها الدخلاء قبرًا للعقيدة الإسلامية واللغة العربية والشعب الجزائري، وأبى الله وإرادة جنده الأبرار إلا أن تكون حصنًا لتلك العقيدة، ومنبرًا لذلك اللسان وعرينًا لشعب يرفض العدوان ويحفظ كرامة الإنسان. سؤال يحتاج لجواب ونحن اليوم نتساءل في هدوء ووعي وتبصر، هل بقي الأسلوب الذي لجأ إليه الاستعمار في الجزائر لإذابة شعب وهدم كيان وطمس وجود، أم أن الأسلوب قد تبدل، والوسيلة قد تغيرت؟ الجواب الصادق الأمين يأتينا من كل ركن من أرجاء الوطن العربي الكبير والوطن الإسلامي الأكبر. لقد تبدل الأسلوب على امتدادها بين حضني محيطين صاخبين هادرين من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب. أما الأسلوب فقد صار العنف لينًا والعداوة البشعة الحمقاء صارت دراسات وأبحاثًا هادئة هادفة تأتي في نهاية الأمر- لو تركت دون كشف وفضح- على البنيان، فلا تترك منه حجرًا ولا تبقي له أثرًا. وتعصب الكنيسة الحاقد، وسوط الجندي المحتل، وحذاؤه الثقيل، ورطانته الكريهة، تحولت كلها إلى جامعة علوم، وكتاب ثقافة، وجهاز مذياع أو تلفاز يخاطبك بلسان عربي مبين، ويعرض لك الصورة الفاضحة والصوت المنحل، والخبر المغرض، والتعليق الهادم، وأنت فى مخدع نومك أو حجرة طعامك دون أن يكلفك ذلك أكثر من إدارة لولب أو فرك مسمار. كان أعداء الإسلام- يهودًا ونصارى- يتبارون في عداوتهم للإسلام وحقدهم على الإيمان، ولكنهم كانوا يبذلون من الجهد ما يكلف بعضهم الكثير حتى يوصلوا الرأي، وينشروا الفساد، وينفثوا سموم الفرقة والهدم وأدوات الضعف والخور، أما اليوم فإن الصحيفة بين يديك يحررها واحد من بني قومنا، والمذياع ملء أذنيك يفرض ما يريده العدو بلسان أمتنا، والتلفاز ملء السمع والبصر مما يدوره فريق ممن بينك وبينهم صلة القربى والرحم، وهم يحسبون أو لا يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. لقد اندس في صفوف أمتنا حشد كبير من «اليهود الجدد» الذين تخلقوا بأخلاق اليهود، وتطبعوا بطباعهم ولو لم يكن لهم توراة يؤمنون بها، أو أسماء موشي وكوهين ينادون بها، ولكنهم يهود الأخلاق، يهود الهدف، يهود الرسالة. لقد أصاب السعار عددًا من أدعياء الفكر والثقافة في عالمنا العربي ممن يستوردون الفكر مع الثوب، والرأي مع السيارة والمبدأ مع الحذاء، وراحوا في أعقاب الهزيمة الحزيرانية الرهيبة يعللون ويحللون في غير حياء ولا إنصاف، ولا نظرة فاحصة في الأعماق، ومضوا يعزون في صغار ذليل أسباب الهزيمة لتمسك العرب بدين الإسلام، وحرصهم على تراث القرآن وتعاليم الشريعة، وفي ذلك كذبتان كبريان: الأول: إننا لم نكن متمسكين بالإسلام كما يزعمون، بل كنا على غيره حريصين. والثانية: أن الإسلام هو نصرنا أبدًا، وباعث همتنا في طريق العزة، ومنطلقات الكرامة. سبب التخلف العربي هذا أستاذ في جامعة عربية يحكي لطلابه قصة التخلف العربي جنسيًا، ويؤكد أن الهزيمة ما كانت لتقع لو استوينا مع اليهود في حشد الفتيات والفتيان يحققون المتعة ويمارسون الجنس، ويحطمون أسوار الكبت في خندق واحد كما يزعم الأستاذ الجامعي المتخاذل الموتور.([() أستاذ في جامعة بغداد.]) وآخر في جامعة عربية أُخرى يسمي الأدب العربي والتراث الإسلامي أدب السراديب المظلمة، والتراث المتآكل والتقاليد البالية.([() أستاذ في الجامعة الأردنية. ]) وهذا شاعر عربي معاصر من أدعياء الثورية تضيق به الأسماء، ويجدب منه موطن التفكير، فلا يجد اسمًا لديوانه إلا «قرآن الموت والياسمين»، ويسمي كل قصيدة من قصائد الديوان سورة، يختار لها الاسم الذي يحلو له وفقًا لما جاء في القصيدة من أفكار، وما دار في رأسه من معانٍ، ومع ذلك يهتف له الهاتفون، ويصفق له المصفقون. وهذا صحفي عربي في بلد عربي يعلن للملأ مباهيًا في افتتاحية صحيفته السياسية، إن مكانة إحدى المغنيات عند العرب وحب الكثيرين لها يوازي حبهم لفلسطين([() سعيد فريحة، في مجلة الصياد، العدد 1347، بتاريخ 16/7/1970م.])، ومع ذلك لم يجد صحيفة عربية واحدة ترد عليه، أو قلمًا عربيًا واحدًا يستنكر موقفه، ويرفض دعواه. قضية الخمر وقضية فلسطين وفي صحيفة عربية يومية في بلد عربي يحرم بيع الخمور وتقديمها، انطلقت دعوة إلى إباحة الخمر والانعتاق من الجمود. ولكي تكون الصحيفة وطنية الهدف قومية الرسالة ربطت قضية الخمر بقضية فلسطين، فطالبت أن يكون ريع الرسوم الجمركية للقضية الفلسطينية.([() من كتاب "المنهزمون" للمحاضر.]) إن أعمق معانى الهزيمة في حياة الإنسان تلك التي تنبع من داخله لتفيض على جميع مشاعره النفسية، وكل مظاهر السلوك الحياتي لديه، و أخطر ما في هذا النوع الرهيب من الهزيمة أن صاحبه لا يشعر به ولا يعترف؛ لأنه مخدر الذهن، مسلوب الإرادة معبأ بما يحسبه الرفعة والمجد والظفر، وهو يحيا في أجواء من الغرور لا يملك معها أن يفسح لغيره حوارًا؛ لأنه يطل على من حوله من بروج الاستعلاء التي لا تؤمن إلا بعبودية الفكر وقهر الإنسان. والشعوب المهزومة مجموعة من الأفراد الذين تنبع الهزيمة من داخلهم ولا يشعرون، ومن هنا كانت هزيمة الخامس من حزيران البشعة، تلك التي تضعنا أمام حقيقتين رهيبتين: الأولي: إن الهزيمة الحزيرانية السوداء لم تكن عسكرية فحسب كما يتوهم الكثيرون ويصرون، وإنما هي هزيمة نفسية تربوية فكرية، شملت الأمة جميعًا، وطبعت الجيل بأكمله، فانعكست آثارها العميقة على الهزيمة العسكرية الخارجية، التي هي مظهر من هزيمة مدمرة كانت تعيش في داخلنا، وتعمل في ميادين العقل والقلب والنفس قبل أن يظهر أثرها ويبين مفعولها في ميادين الحرب والصناعة والاقتصاد. والحقيقة الثانية: إن الإسلام لم ينهزم قط؛ لأنه أبعد عن المعركة بتخطيط واعٍ وخبث مبيت. والذين انهزموا هم أولئك الذين حملوا اسم الإسلام دون أن يطبقوه سلوكًا فى واقع حياتهم، أو نظامًا في أساليب حكمهم، لا فرق في ذلك بين شعوب مستضعفة، وحكام متسلطين (٤). فهل بدأنا بعد الكوارث المتلاحقة والمهازل المتتالية نهزم الجيش المعادي الكامن في نفوسنا، جيش الفيالق الفكرية الغربية والفلسفات الدخيلة، والتطبيق السطحي والطفولة السياسية حتى في فهم النظريات المستوردة. إن روسيا ما زالت تحتفظ بجزء من تراث عهد القيصرية التي حاربتها الثورة الشيوعية، وما زال الزائر يقف في دهشة وهو يجوب معالم مدينة ليننجراد، يشهد مع دليل شيوعي وترجمان ماركسي تمثال بطر سبورغ باني المدينة وصاحب فترة تاريخية معينة من فترات وجود الشعب السوفييتي والمدينة الكبيرة. ماو يحرِم أكل السمك وما وتسي تونغ يا عشاق المذاهب هواة الأفكار، لم يكن في تدبيره السياسي المرحلي على الأقل مجتثا عن تراث أمته، بل كان على علاقة وثقى بالجماهير، وأسلوب يفيض بالدهاء في معاملة أبناء شعبه. لقد أمر يومًا أن تنزل أشد العقوبات بكل من يأكل السمك في يوم معين في طول البلاد وعرضها؛ لأن طائفة وثنية من بني قومه تقدس السمك في ذلك اليوم الموعود. أما نحن فقد نشأ بيننا فريق من المنهزمين الذين يصرون عل تحدى مشاعر الأمة وطعن عقيدتها وسلخها من تراثها وهم في ذلك واهمون ضائعون تافهون، تقول كل نوامیس الكون، وكل أنظمة الوجود أنهم يسيرون ضد فطرة الحياة وطبائع الأشياء. إنهم يتنكرون لسر النصر، وعدة الأمة، ودوافع التوثب في وجه المحتل الدخيل، والطغيان الفاجر، والعهر المستورد، والفكر المنحل، ويقفون غرباء عن ذاتهم وأصالتهم لو كانوا يعلمون. جمهور المسجد والمدرسة لقد قاتل الجزائريون في ثورتهم المباركة من منطلقين اثنين، لم يكن أحدهما قط الاستعداد العسكري والسلاح المادي؛ لأن ذلك كله جاء نتيجة لهما، وتبعًا لأصل عميق الجذور، وراسخ البنيان، انتزع السلاح من العدو انتزاعًا، وطارد فلول المستعمر بكثير مما غنمه من عتاده. أما المنطلقان الأساسيان فهما: الأول: جمهور المسجد الذي انطلق من رحاب بيوت الله، يتمثل في الشعب الجزائري المسلم الثائر في رفضه للتبعية والاستكانة، وإعلانه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، يستوى في ذلك الشاب المتوثب، والعجوز الفاني، والرجل القوي، والمرأة الناعمة، والأمي الساذج والمثقف الواعي. لقد كان هدفهم محددًا، وثقافتهم في هذا المجال موحدة استقلال الديار، وعروبة اللسان، وإيمان القلب المسلم الوثاب. الثاني: جمهور المدرسة الذي ربته حصون عبد الحميد بن باديس، وقلاع جمعية العلماء، فانطلق يطالب في إصرار على الحق، وعناد يقهر الباطل أن الجزائر مؤمنة العقيدة، مسلمة الفكر، عربية اللسان، وأنها جزء من أمة عريقة الحاضر سامقة المجد هي أمة القرآن لا أمة فرنسا الغربية الدخيلة. فما الدور الذي يمكن أن تؤديه التربية الإسلامية اليوم في مجال التحرير؟ وما الخطوات العملية التي يمكن أن يخطوها المفكرون المؤمنون والأمة المسلمة على دروب النصر وفي طريق بناء الذات ومعركة الثبات والوجود والمصير؟ الدور الأول: وهو دور حدده ما يؤثر عن عثمان- رضي الله عنه- في قوله: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وتتفرع المسؤولية في هذا الميدان وتتشعب حتى تشمل جوانب عدة من ميادين الحياة أهمها: أولًا: وزارة التربية و التعليم وتقع المسؤولية على المنفذين فيها المخططين لها، أن يضعوا بين يدي الجيل المسلم منهاجًا إسلاميًا واضح المعالم، محدد الأهداف، وكتابًا إسلاميًا منطلقًا من ذلك المنهاج، ومعلمًا مسلمًا يطبق ذلك المنهاج، ويعلم ذلك الكتاب. أما المنهاج الإسلامي فلا نعني مادة التربية الإسلامية التي تتناول جوانب من الدين بالشرح والتوضيح فحسب، ولكنا نعني المنهج التربوي الإسلامي المتكامل الذي يربط بين قدرة الله- جل وعلا، ودقة صنعه في مادة الأحياء، ودروس التشريح، ويعزو انتظام الكون وسير الأفلاك إلى الخالق المبدع في مادة الطبيعة ودروس الفيزياء. المنهاج الذي يعيش وفي أفيائه ملايين الأطفال من فلذات أكبادنا في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية. المنهاج الذي يربط جمال الفراشة، وبهاء الزهرة، وعذوبة التغريد، ورهبة البحر، وضياء القمر، ونضرة الحقل، وصفاء الغدير بقدرة الله سبحانه، تطبقه معلمة ومعلم يطوف كل منهما بالصغار من حقل إلى حقل، ومن شاطئ إلى شاطئ، ومن غابة إلى غابة، بأسلوب عملي وتطبيق حياتي تنفيذي، لا يكتفي معه بما خلف أسوار المدرسة من دروس وحصص، بل ينطلق بهم في حضن الحياة الواسع وصدرها الفسيح.  إن الطفل المسلم بحاجة إلى غرس بذرة الإيمان في نفسه، وتعهد بذرة الذوق في وجدانه، وتغذيه مشاعر الرجولة والعزم والجد في روحه، طفلًا وطفلة على حد سواء. نريد المربي والمربية اللذين يعلمان الطفل؛ ليحس بعظمة الله كلما تطلع إلى مظهر من مظاهر الطبيعة حوله، وأن يستشعر قدرة الله، وعلى لسانه يجري قول صادق فطري عفوي سبحان الله! والمربية التي تجعل الطفل يدرك بذوقه أن مكان الوردة في الحديقة أو في إناء زينة، لا أن يطأها بقدمه، أو يلقي بها على قارعة الطريق، وأن كل سلوك حياتي لديه لا بد أن ينبع من ذوق مرهف وإحساس ضعيف ومسلك نظيف. نريد المنهاج والمربية اللذين يربيان الجيل على الإيمان بذاته، والإحساس بوجوده، والاعتزاز بدوره في الحياة منذ نعومة أظفاره، بحيث يكون في كل مدرسة من مدارس الصغار معسكر للأشبال، يربون تربية متوثبة لا تعترف بحدود الزمن، ولا تجمد عند مقاييس الأعمار، وليكن بينهم من جديد أسامة بن زيد، وليقم في صفوفهم اليوم محمد بن القاسم الثقفي، في قيادة حكيمة رشيدة وفتوة وثابة واعية لم تتجاوز السادسة عشرة من العمر الزمني المتعارف عليه. إن العزلة التي يعيشها الإسلام اليوم في عالمنا الإسلامي محصورًا في المسجد، وفي مفاهيم فقهية محددة بين عامة الناس وجماهير الأمة، تتناول أكثر ما تناول الجوانب التعبدية، أو معتقلًا بين دفتي كتاب التربية الإسلامية دون سواه من الكتب في أفناء المدرسة- هي التي تصنع هذا التناقض وتلك الازدواجية بين ما يقرؤه الإنسان المسلم الجديد، وما يراه أو يسمعه حوله. ومن هنا فالضرورة ملحة أن يقوم المنهاج المسلم الذي يبدأ باسم الله، ويقوم على الاعتراف بربوبيته، والخضوع لقدرته، والتسليم بأنه منظم الكون الذي يدير الأفلاك ويسير الأجرام، ويبعث الحياة، ويودع في كل مادة خصائصها، وما الإنسان بعقله الفذ، وذكائه الخارق، وتفكيره العميق إلا مكتشف لما حوله، مفسر للمحيط الذي يحيا فيه من ذرات الكون و قوانين العالم ونواميس الحياة. وحين يوضع المنهاج المسلم والكتاب المسلم يدفع بهما إلى المربي المؤمن والمعلم المسلم. التربية الإسلامية في مجال التحرير الذي يصنع بهما الرجال، ويعد وفقهما الأبطال. ومن هنا يتضح لنا دور معاهد المعلمين التي لا بد من أن يوجه روادها التوجيه الإسلامي الخالص لتطبيق المنهج الإسلامي السليم. من الذي يقود فكرنا ويوجهه؟ إن المعلم المرتبط عن جهالة أو عمالة بتراث أمة أجنبية في صورة مستخدمة ذليلة، تجعله لا يحس بوجود أمته أو تراث أمجاده، کالكتاب الذي يحدث الجيل عن نابليون أكثر من خالد بن الوليد وطارق بن زياد، وعن جون ديوي أكثر من ابن خلدون والمودودي، وعن ماركس ولينين أكثر من العمرين ابن الخطاب وابن عبد العزيز، وعن طاغور شاعر الوثنية أكثر من إقبال شاعر الإسلام. إن الأمة المسلمة في البلاء المتلاحق المنصب عليها من كل جانب ومن داخلها بعد أن انحرفت وضلت، مدعوة إلى مراجعة الرصيد وكشف الحساب لتقوم مناهج التعليم بصورة عامة واعية، وتعيد النظر فيما وضعته في هذا المجال؛ لتتناول مادة التربية الإسلامية والتاريخ العربي والإسلامي واللغة العربية وآدابها حتى يعلم الشاب المسلم والفتاة المسلمة أن الإسلام ليس عبادة فحسب، بل قيادة ونظام حياة، وأن التاريخ الإسلامي ليس مجموعة من المعارك وحشدًا من المقاتلين فحسب، بل هو ألوية خفاقة من القيم، وأسس خيرة من البر، ومنارات سامقة من الحضارة والمعرفة، وأن اللغة العربية ليست مدحًا للسلطان وهجاء لخصومة، بل هي أسلوب حضاري رفيع، يحمل للناس رسالة، ويرفع بين الخلق مشاعل الخلُق وأقياس الهدى. إن التنكر لكل تراث تربوي إسلامي والاقتصار على ما نادى به فرويد، أو جون ديوي، أو جان جاك روسو، ورفض ما يستنبطه العلماء من القرآن والسنة من أمثال الإمام الغزالي، وابن خلدون، والماوردي لأمر معيب يسير بنا في طريق نحو هدف غير سليم، وغاية غير قويمة، وإن من الأمور المعيبة أن يكون معظم مؤلفي ومدرسي التاريخ في ديار الإسلام من تلامذة بروكلمان وفيليب حتي وجورجي زيدان، ليعيش المعلم والطالب معًا على موائد الأجنبي، يقتاتون فكريا سمًا ودسمًا، ويضيعون نفسيًا ببضاعة مستوردة وآراء دخيلة. إن المطالع لتاريخ الأندلس قصة وسردًا مما قدمه لمجتمعنا جورجي زيدان يدرك الخطورة الكامنة في التوجيه، حين يثنى الثناء العاطر على المسلمين، ويصور أجمل التصوير فيالقهم الزاحفة، ولكنه يقرر أن الهزيمة التي حاقت بالقوط والنصر الذي حققه المسلمون كان بانسحاب قائد من قادة القوط وانضمامه إلى جيش المسلمين؛ لأن رسالة وصلته في آخر لحظة من خطيبته الحسناء تذكره بالمحاولات الكثيرة التي كان يبذلها لذريق لينا لها دون خطيبها القائد. ثم تحثه في الرسالة على ألا يقاتل تحت لواء لذريق. وهنا تتحرك في الرجل غيرته، فیلوی عنان فرسه ليلتحق بالجيش الإسلامي، ويعلن الحرب على لذريق. وفي لحظة التنوير والشاب مشدود إلى القصة والشابة مستمتعة بها، يقول جرجي زيدان: وهكذا كتب النصر للمسلمين على أعدائهم([() يرجع إلى رواية فتح الأندلس، لجورجي زيدان.]). وهذا غيض من فيض مما يحشو به الرجل كتبه، ويلوث به إنتاجه لتسميم عقول الشباب، ومسخ أفكارهم. إن في ديار الإسلام كتبًا دأبت على ذكر الهزيمة حين تنسب الجيش إلى الإسلام، وذكر النصر حين تنسب الجيش إلى العروبة، بأسلوب خبيث مدسوس هادئ، ففي اليرموك والقادسية وحطين انتصر الجيش العربي. وفي أُحُد مثلاً وبلاط الشهداء انهزم الجيش الإسلامي. وكدنا نعتبر الأمر زلة قلم وسهو لسان، لولا تتبع مدروس ورقابة واعية أكدت لنا خبث القصد، وانحراف الغاية في جو نفسي معين قصد به بذر بذرة الشك في قدرة الإسلام على صناعة النصر وتحقيق الظفر. التقاء القوميين بالماركسيين ثم ... أليس من التخطيط المدروس والفكر المدسوس أن يلتقي دعاة القومية اللادينية، بدعاة الماركسية، بدعاة العمالة الأجنبية، شرقيها وغربيها على تسمية الحكم التركي في ديار الإسلام استعمارًا؛ ليستوى بعد ذلك المستعمر الفرنسي والبريطاني والتركي كما يحلو لهم ويشتهون. اليس في كتاب المسلمين وواضعي مناهج التاريخ من ينبري عالمًا صادقًا ومتخصصًا واعيًا فيكتب الجيل المضيع عن حسنات الأتراك يومئذ وسيئاتهم. ويبين لأبناء الإسلام اليوم أمجاد الأتراك بالأمس في سبيل الله ورفع لواء الدعوة ونشر الإسلام في دياره والمحافظة عليه في ديار أخرى، بجانب انحراف الحكم التركي والسلطان العثماني نحو قومية طورانية مستعلية التطلع، ضيقة الأفق، ليولد في أحضانها بتخطيط واعٍ وخبث مبيت وتفرقة هادفة- قومية عربية دينية تطالب بعزل الإسلام عن الحياة وفصل الدين عن الدولة. أمن الخلق العلمي والإنصاف الفكري ألا نجد الكاتب المسلم والقلم العربي الذي يذكر بجانب ظلم السلطان عبد الحميد واستبداده اصراره على رفض المطالب اليهودية المغلقة، بكل مغريات الحياة والجاه والدعم، مقابل توقيع منه على اعتبار فلسطين وطنًا قوميًا لليهود. لقد ظلم الذين حكموا العرب حكمًا وطنيًا مثلما ظلم، واستبدوا كما استبد، ولكنهم لم يحافظوا على حرمة الأقصى كما حافظ، أو يصانوا إسلامية فلسطين كما صان. جامعاتنا وماذا تعلم طلبتها وما بالنا نرى جامعة عربية أو أكثر لا تدرس من الأدب العربي طيلة مراحل الدراسة فيها إلا مادة الهجاء والخمريات من الشعر العربي، وهي أسوأ ما يمكن أن يدرس لجيل تحب له الشعور بالذات، وعمق تقدير التبعة وتحمل المسؤولية. بل أن أستاذًا جامعيًا يحاضر طلاب كلية الآداب في توسع وتفصيل عن «الهجاء في القرآن الكريم». فأين شعر النجدة والمروءة، وأین شعر الوصف الرائع لمصور للمظاهر الطبيعية ومنابع الجمال، مما يحيط بالإنسان العربي على تعدد عصوره.. بل أين شعر الفتح والجهاد والاستشهاد؟ إن المسلمين وهم يحملون للناس كافة رسالة خير أمة أخرجت للناس، لا يدعون إلى تقوقع حضاري أو عزلة علمية أو جمود عقلي؛ لأن الذين قدموا للعالم منجزات العلم التجريبي على يد ابن سينا والرازي والبيروني وجابر بن حيان والخوارزمي والحسن بن الهيثم وغيرهم، لا يمكن أن يرفضوا اليوم امتداد علمهم وفروع أصولهم وثمار جذورهم الأولى، يتلقونها من جديد على يد أديسون وباستروو نيوتن وهارفي وفلمنج. ولكنهم يرتضون أسلوب الاجتثاث الرهيب أو المسخ المعيب لذاتهم ووجودهم وقيمهم الحضارية وفكرهم المستنير، والمسلمون واثقون كل الثقة، واعون كل الوعي أن الإسلام الذي ربى علي بن أبي طالب في طفولته ليصنع منه القائد العابد والإمام الورع، واجتث عن عمر عنجهية البداوة؛ ليكون قمة سامقة من قمم العدل الإنساني الرفيع، وتناول سمية أم عمار أمة من عبيد الله مستضعفة من خلقه؛ ليجعل أسمى معاني الخلود في نفسها أن تنال شرف الشهادة في سبيل الله، وبدل حياة حسان بن ثابت شاعر الخمريات الأول في الجاهلية بعد الأعشى بلا منازع؛ لينقلب للدعوة لسانًا ولدين الله عدة وبيانًا، وجعل من ضعف الخنساء قوة، ومن خورها عزيمة، ومن شيخوختها شبابًا، ومن أنينها المتواصل الجريح على صخر أملًا مشرقًا، وشوقًا إلى لقاء بينهما في الجنة... هذا الإسلام هو الخالد الباقي الذي لم يتبدل، ولكنها النفوس التي تبدلت، والمؤامرة التي خططت ومخالب الذئاب في قفازات الحرير هي التي تطارده في كل مكان على يد المستشرقين والمستغربين على حد سواء. إن الإسلام اليوم يقف شامخًا متحديًا أن يذكر موقف واحد من مواقف الهزيمة وصورة واحدة من صور الضياع، والناس به متمسكون وبشرعه عاملون. وأن يذكر موقف واحد من مواقف الفخار وموطن من مواطن العزة وآلامه عنه متخلية، ولفضله جاحدة، إلا أن تكون صورًا عابرة ومواقف تمثيلية ستنكشف مع الأيام وتتعرى سوءاتها على مر السنين والأعوام. إن الإسلام الذي مسح بید البر والمرحمة، وملأ بالطهر واليقين نفس فتى لم يتجاوز السادسة عشرة من عمرة، ليقود حملة يتجه بها الى جيوش الروم في مؤتة؛ لتعلم الدنيا أدب القيادة وسمو الريادة. وخليفة رسول الله- عليه السلام- أبو بكر- رضي الله عنه- يودع القائد الفتى أسامة بن زيد على صهوة جواده. والخليفة الشيخ يصر ويحلف إلا أن يكون له شرف السير على قدميه لتغبرا ساعة في سبيل الله. هذا الإسلام هو نفسه الذي صنع محمد بن القاسم الثقفي، وحمله مسؤولية القيادة المبكرة؛ ليطرق أبواب سور الصين العظيم قلما يبلغ السابعة عشرة. وهو نفس الإسلام الذي ما زال فينا حيًا قرآنًا يتلى، وسنة تملى، ونفوسًا مهيأة في كل آن ومكان. ولكنه مطارد بتخطيط، محارب بخبث فاق خبث الجاهلية الأولى التي كانت تقترف بخالق الكون مبدع الحياة، ولكنها تشرك معه إلهًا آخر لا يقربها زلفى من الله كما يقول المبطلون. أما اليوم فإن المسلم ليعجز قهرًا أن يذكر فضل الإسلام وأمجاد القرآن وبطولة المؤمنين في كثير من المواطن والبيئات الإسلامية «جغرافيا»، المتغنية بكل ما هب ودب من فكر الشرق وحضارة الغرب: أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس هذا هو دور وزارات التربية والتعليم والقائمين على أمرها في العالم الإسلامي، إن كانوا يعدون أنفسهم جزءًا من الأمة، ويعتبرون وجودهم من وجودها، أن تصنع المنهاج الإسلامي المتعامل، والكتاب الإسلامي الواعي الذي يشيع روح العقيدة ويثبت معاني الإيمان في كل ما يتلقاه الطالب علمًا أكاديميًا، أو عملًا مهنيًا، أو سلوكًا حياتيًا، في مختلف الميادين والمجالات حتى تولد الشخصية المسلمة للشاب المسلم الذي يسير جنبًا إلى جنب في وعي وورع ومعرفة وتقوى. وكيف يربى الشباب اليهودي؟ إن «إسرائيل» في مطلع عدوانها وعنفوان طغيانها تجمع الشباب اليهودي من كل أنحاء المعمورة على أمل كاذب وأمنية مخادعة، ولكنهم يعدونها جزءًا من العقيدة اليهودية والديانة التوراتية، حين يسمون فلسطين أرض الميعاد. . ويرتفع لإسرائيل في سماء ديارنا علم لا يحمل منجلًا، ولا مطرقة، ولا شعار حزب أميركي أو حكومة بريطانية، أو مجاملة بابوية، مع أن هؤلاء جميعًا يدعمونها، أو يطغون عليها، أو يعترفون بها. و لكنه يحمل نجمة داود السداسية، ليقول لمجموع الشباب اليهودي في إیمان مكذوب، ولكنه مدروس، ها أنتم تستظلون نجمة داود بعد أن وطئتم ثرى أرض الميعاد. وتسمى الدولة برلمانها «کنیست». امتدادًا لمعبد اليهود الذي فيه يصلون؛ لتوحي للجماهير أن السياسة في حضن الدين، وأن الدولة في أفياء المعبد. وما بالنا نذهب بعيدًا في الشرح والتفصيل واسم دولة العدوان مستمد من اسم نبي من أنبياء بني إسرائيل هو يعقوب عليه السلام الذي يبرأ من الشعب الباغي و الديانة المزورة. ومع ذلك نجد فينا من يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وإلى عزل السياسة عن التدين. بل يذهبون إلى أكثر من هذا حين يخجل فريق من ذكر الإسلام ودعوة الإيمان. ويحارب فريق آخر دعوة الله بكل ما وصلت إليه يده الآثمة من قوة وسلطان. لقد كان المستعمرون حين يستولون على أرض مسلمة ويسيطرون على حكمها لا يضيرهم أن يكون وزير الأشغال العامة والزراعة والمواصلات من أبناء البلاد. ولكن الذي لا يمكن أن يقبلون أو يرتضون أن يكون وزير التربية والتعليم أو الثقافة والإعلام من ديار الإسلام، ومن هنا كان إصرار بريطانيا أن يكون القس الدكتور دنلوب هو وزير التربية والتعليم في مصر عند احتلالها. ولتكن مهمة وزير الأشغال الوطني فتح الطرق في السهول والجبال، ومهمة وزير التربية الأجنبي فتح الطرق وشق الدروب في عقول الأجيال وأفكار الرجال. هذا هو دور وزارة التربية. فما دور وزارات الثقافة والإعلام؟ إنها الميدان الثاني الذي ندعو إلى تطهيره من كل فكر دخيل وتخطيط عميل. فما الذي تفعله المناهج الصالحة؟ وما الذي يقدمه المعلمون البررة إذا كان كل بناء يرفعونه يهدم وكل صرح يشيدونه يدمر. ومادة الهدم والتدمير تدخل كل بيت وتتسلل إلى كل عين وأذن في الأسرة الطاهرة والنفس العفة السوية. ما تصنع المناهج وما يفعل المعلمون؟! إذا كان من التخطيط في بعض أجهزة الإعلام أن يتبع البرنامج الديني الناجح والمشهد الإسلامي الموفق السليم نوعًا من الموسيقى المنحلة والصور الخليعة لتقوم بدور طمس الأثر، وانتزاع الانفعال الخير والعود الحميد إلى الله. لقد سمعت هذا من مسؤول كبير في جهاز إعلامي خطير في بلد عربي مسلم له مع العدو مواجهة رهيبة، ومعركة مصيرية لا يعلم مداها إلا الله. إن العدو المخطط فيما وراء الحدود البعيدة. ليعلم حق العلم أن الأمة المسلمة لا يمكن أن تنساق في مجموعها وراء مخدر مدمر تعيش في أوهامه، وتحيا خيالات وصورًا جماعية رهيبة. فلجأ إلى أخطر سلاح يبني الأمم ويهدمها، ويصنع الحضارات ويدمرها، وينصر الجيوش ويدفع بها في أحضان الهزيمة، تلك هي الكلمة؛ الكلمة التي تنساب في الأذن خطابًا رنانًا يحمل الأمة على أن تعيش على الأوهام السنين والأعوام. الكلمة التي تسطر مقالًا تحمله الصحف إلى كل بيت يفعل في الأسرة فعل السحر، ويخدر منها مواطن التفكير و مواضيع الإحساس، حتى تفقد التمييز بين الغث والسمين والحق والباطل. الكلمة التي تنساب أغنية تجعل الأمة تصفق طربًا في أعقاب الهزيمة، وترقص مرحًا على جثث الشهداء، وتعيش أوهامًا من الظفر المزور والأمجاد الزائفة، وهي منكسة الأعلام، مهزومة الجيش، مزعزعة البنيان. إن أخطر أنواع مخدرات الشعوب على نطاق واسع، وأسوأ أصناف مبدعات الخيال الكاذب الموهوم الكلمة التي تقلب الحق باطلًا، وتسمي الهزيمة نصرًا، والعهر شرفًا وفضيلة. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا. هذا هو دور الإعلام اليوم: أغنية قاتلة مدمرة، بذيئة الكلمة، خليعة الأداء. ما دور وزارات الثقافة والإعلام ووزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية مائعة اللحن تدفع بالشباب إلى ترديدها صباح مساء وهم على أرصفة الشوارع والطرقات فى كل عاصمة عربية وحاضرها مساء عغغ شفغد عغعغ إسلامية بلا استثناء، لا يعون المسؤولية ولا يحسون بما يحيط بهم لأن الإعلام المخطط له هو الذي يصنع هذه الأجواء، ويقدم هذه الأدواء. والصورة الماجنة المنحطة على شاشة التلفاز في بيتك، وعلى صفحات المكتبة، إنه الجنس الذي تغرق فيه أوروبا فى أبشع صورة من صور الوحشية، وأتعس حياة يحياها الإنسان الضائع المهدور الكرامة، ويصر بعض المسؤولين عن الإعلام فى الوطن الإسلامي الأكبر إلا أن يقدموا صورًا من هذا الغثاء بدعوى التفتح على ثقافات الشعوب وحضارات الأمم، وهم يمهدون لذلك بكلمات، ويقدمون له بعبارات لا تحمل معنى التوجيه أو التوعيه أو التنبيه للخطر، بل الدفع إلى رواج البضاعة وتقبل السلعة، فإن أشار عليهم مشير أو اعترض معترض، اتهم بضيق الأفق، ومحدودية الثقافة. وإن لمثل هؤلاء عذرًا سقيمًا يبررون به عمل الإثم. إن برامج الإذاعة والتلفاز تفتتح بآيات بينات من القرآن الكريم، مما يوحي بإسلامية الاتجاه سلامة القصد والغاية، وما دروا أنهم فى ذلك يستوون مع إذاعة لندن، وباريس، وواشنطون وتل آبيب، ذلك أن كل ما يقدم بعد التلاوة يحمل الأمة حملًا يوحي لها إيحاء كي تعتبر ترتيل القرآن تراثًا متخفيًا، وصورًا أثرية لا توجه أمة، ولا تربي جيلًا، ولا تصنع مجمتعًا. إن الفئة المثقفة بالثقافة الإسلامية الواعية المدركة لأبعاد المعركة، المطلعة على أعماق التآمر مدعوة إلى الإسهام فى برامج الإعلام بإلحاح وإصرار وإثبات وجود في الميادين المتعددة التى يغزى من خلالها الجيل، ويحارب عبرها تراث الأمة الصحافة والإذاعة والتلفاز. ولا تنتظرون هذه الفئة من العصبة الخانعة المسيطرة على بعض تلك الأجهزة أن ترحب بها وتفسح لها المجال، بل هي معركة وجود وحرب مصير يصرع المؤمنون بحقهم باطل المضبوعين ويدحرون بالفكر المستنير سقيم الرأي زائف الثقافة. وإن الجماهير المؤمنة مدعوة بعد تبصرها أن ترفض بالرسالة المكتوبة والحديث الشفوي والاتصال الهاتفي مع مثل هذه المؤسسات. كل ما يقدم من توجيه بعيد عن خط سيرنا الحضاري وتراثنا الفكري. وأن تطالب بتعميق وتعميم الاتجاه الإسلامي الخالص أفقًا وعمقًا؛ حتى يحس الضائعون المنسلخون عن ذاتيهم أنهم لا يخاطبون أمة ترضى بكل ما يفترون وما يثيرون. إن الأمة التي تقبل أن يهان دينها، وأن تمس كرامتها على ثرى أرضها وتحت سمائها أمة مخدرة، بحاجة إلى اليقظ. نائمة بحاجة صحو ميتة تنشد الدعاة الوعاة أن يبعثوا فيها صوت القدر ونبضات الحياة. هذا هو دور وزراة الثقافة والإعلام، فما دور وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية؟ إذا كانت الأوضاع الإدارية والتنظيمات السياسية قد قسمت الوزارات على هذه الصورة، ووزعت المسؤوليات على هذا المستوى، فإن دور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لأخطر الأدوار. العلماء مدعوون للجهاد إن العلماء مدعوون أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية، وأن يحيوا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، ولا يركنن أولئك لما يلمسونه من تخدير بطيء وموت زاحف يتناول أعضاء الجسد الإسلامي عضوًا عضوًا حتى ينهار البنيان وتطمس المعالم. إن العلماء الذين يرضون حياة الرخاء الزائف ويقبلون على العيش الخانع في غير ميادين الجهاد الدموي أو الفكري، سيكتبون مع القاعدين يوم يقفون موقفًا للحساب بين يدي الله، وفي محكمة التاريخ الصادق الأمين. إن الأمة المسلمة بعد صحوها سترفض كل الرفض التبريرات المتهافتة التى تصدر عن علماء السلطة الساكتين عن الحق مؤيدين للسلطان، الراضين فى الظاهر أو الباطن عن كل زيغ وضلال، ولن يغفر الله لهم السكوت، فكيف بمباركة قتل العلماء، وإحراق الكتب، ومطاردة دعوة الله تحت كل سماء. إن العلماء مدعوون اليوم أن ينفضوا عنهم غبار التبعية وذل الولاء لغير الله، حتى يكونوا وفقًا لما أرداه الله للعلماء والأولياء المجاهدين وذوي الفكر العارفين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (سورة فاطر: 28). ومهمة رجال المال أن يخرجوه من ظلمة الحرص إلى نور التضحية، ومن موت الشح إلى حياة العمل المثمرة في صورة مشاريع لمدارس أهلية إسلامية، يربون فى أفيائها الجيل، ويقفون فلذات الأكباد بالإسلام ويسلكون بهم سبل الرشاد. إن العالم المسلم، والمفكر المسلم، والكاتب المسلم، والشاعر المسلم، والقصاص المسلم، والثري المسلم، كلهم مدعوون إلى تعاطف وتلاحم، وتساند وثبات، يقدمون في ميدان المدرسة المنهاج والرأي والفكر، والقصة والقصيدة، والمسرحية والرواية، ما يكون غذاء فكريًا، وينابيع ثرة من الثقافة التي ينهل منها الجيل المسلم المتطلع إلى غد أفضل وحياة حرة كريمة فى أفياء الإسلام، وفي ظلال القرآن.
الرابط المختصر :