العنوان الشيخ محمد الخضر حسين التونسي
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1339
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 23-فبراير-1999
تراجم
من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٦٤)
- اشتغل بالسياسة، ودعا إلى الجهاد؛ فحكمت عليه سلطات الاستعمار بالإعدام.
- هاجر إلى دمشق ومنها إلى مصر؛ فوقف بجانب تيمور والخطيب والبنا في مواجهة دعاة الهدم.
- تنبيــه:
هذه الحلقات خواطر من الذاكرة قد يعروها النقص والنسيان؛ لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل، وعنواني: ص. ب ٩٣٦٥٠ – الرياض ١١٦٨٣.
هو العلامة الكبير الشيخ الإمام محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسيني التونسي، ولد في بلدة «نفطة» وقيل في بلدة «قفصة» من مقاطعة الجريد من بلاد تونس عام ١٢٩٣هـ ١٨٧٦م في أسرة عريقة النسب، وحفظ القرآن الكريم، ثم لما بلغ الثانية عشرة من عمره، انتقل مع والده إلى العاصمة تونس، والتحق بجامع الزيتونة، فقرأ على الأساتذة والمشايخ، ومن أشهرهم: الشيخ سالم بوحاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ مصطفى رضوان، وخاله العلامة الكبير الشيخ محمد المكي بن عزوز، وقد أقبل على التحصيل العلمي، حتى نال الشهادة العالية في العربية والعلوم الدينية.
وكان غيورًا على الدين، مخلصًا للوطن، عدوًا للاستعمار، أنشأ مجلة «السعادة العظمى» في ١٣٢١هـ - ۱۹۰۳م، لنشر محاسن الإسلام، وفضح أساليب الاستعمار، وهي أول مجلة ظهرت في المغرب العربي الكبير، لكن سلطات الاستعمار الفرنسي أغلقتها سنة ١٣٢3هـ - ١٩٠٥م.
وفي هذه السنة نفسها، تولى القضاء في مدينة «بنزرت»، ثم تركه بعد مدة إلى العمل في حقل التدريس في جامع الزيتونة وفي المدرسة الصادقية.
حكمت عليه سلطات الاستعمار بالإعدام؛ لأنه اشتغل بالسياسة، ودعا إلى الجهاد والتحرير، فهاجر إلى دمشق مع عائلته سنة ١٠٣٠هـ - ۱۹۱۱م، وأقام فيها مدة طويلة، ودرس في المدرسة السلطانية، ثم سافر بعد ذلك إلى الآستانة وألمانيا، ثم عاد إلى دمشق ثانية ليواصل التدريس في المدرسة السلطانية، ولما احتل الفرنسيون سورية تركها وهاجر إلى مصر سنة ١٣٣٩هـ - ١٩٢٠م.
كان حضور السيد محمد الخضر حسين إلى مصر في وقت كانت في أمس الحاجة إليه ليقف مع أنصار الدعوة الإسلامية، أمام دعاة الإلحاد وأتباع الثقافة الاستعمارية في مصر، عمل في البداية مصححًا بدار الكتب المصرية بأجر زهيد لمدة خمس سنوات، والتقى كبار العلماء، وأثره الأستاذ أحمد تيمور باشا بصداقته.
ولما صدر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، الذي تابع في تأليفه آراء المستشرقين وكرر مقولاتهم ومزاعمهم- انبرى له الشيخ محمد الخضر حسين، وتصدى لهذا الإفك المبين، والكذب الصريح، وتعقبه حتى أتى على بنيانه من القواعد، وأسقط في يده، وانهارت مزاعمه ومزاعم أساتذته من المستشرقين الحاقدين على الإسلام والمسلمين.
وكذا الحال حين ظهر كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين الذي هاجم فيه القرآن الكريم إرضاء لأساتذته من المستشرقين، فقام الشيخ محمد الخضر حسين بالرد عليه ردًا مفحمًا، وألقمه حجرًا، إذ قام الشيخ بالغوص على النصوص العربية، ولم يدع شبهة إلا ردها.
وكان تمكن الشيخ محمد الخضر حسين في الدفاع عن الإسلام ومبادئه وقيمه، مدعاة للتقدير، فتقدم لامتحان «العالمية» بالأزهر، وكان رئيس اللجنة الشيخ عبد الحميد اللبان، وقد أبدى الشيخ الخضر حسين من الرسوخ، والتمكن في العلوم ما لا حدود له، حتى إن الشيخ اللبان قال عنه: «إن هذا بحر لا ساحل له» وبهذا نال الشهادة العالمية الأزهرية، وصار أستاذًا في الأزهر، ومدرسًا في كلية أصول الدين.
اتجه الشيخ الخضر حسين إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية، فكان أحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين، ووضع لائحتها مع صديقيه الأستاذ أحمد تيمور باشا، والسيد محب الدين الخطيب صاحب الفتح.
كما أسس الشيخ الخضر حسين «جمعية الهداية الإسلامية»، وكان رئيسها، وأصدر مجلة تحمل الاسم نفسه «الهداية»، كما تولى رئاسة تحرير مجلتي «الأزهر»، و«لواء الإسلام».
واختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بمصر، وكانت له بحوث في مجلة المجمع، تدل على تمكنه من علوم اللغة، كما عين عضوًا في المجمع العربي بدمشق، وعضوًا في جماعة كبار العلماء بمصر، وذلك بعد أن قدم رسالته العلمية «القياس في اللغة العربية»، وترأس الشيخ أيضًا جمعية الدفاع عن شمال إفريقيا.
توليه مشيخة الأزهر:
تولى مشيخة الأزهر أواخر عام ١٣٧١هـ، غير أنه ترك المشيخة محتسبًا في سنة ١٣٧٣هـ - ١٩٥٣م؛ لأنه رأى القوم لا يسمعون النصح، ولا يلتزمون الأدب مع أهل العلم، فآثر البعد، وترك المشيخة لمن يتزاحمون على المنصب في ظل الخضوع للحاكم الظالم، والدكتاتور المستبد.
سعدتُ بمعرفة أستاذنا الجليل وشيخنا الكبير والتقيته مرات ومرات، وشرفنا بتوليه مشيخة الأزهر، فهو أهل لها، لكنه حين رأى تصرفات الضباط العسكريين من رجال الثورة وتسلطهم على البلاد والعباد، وانتشار الظلم والفساد، ومحاربة الدعاة إلى الله، وإلغاء الشورى، وفرض حكم الفرد الدكتاتوري المستبد آثر ترك المشيخة، فهو أكرم وأكبر من أن يكون لعبة بأيدي هؤلاء الضباط الذين شرعوا بتطوير الأزهر بمسخ هويته، وإلغاء دوره العلمي الإسلامي، وإبعاد العلماء الصالحين، وتقريب المرتزقة والمنتفعين من وعاظ السلاطين، وسدنة الظلمة من المنافقين والمتزلفين الذين يبررون للظالم ظلمه، ويباركون تسلطه على رقاب الناس.
إن الأزهر الذي ظل قرونًا عديدة رمزًا للهداية ومركزًا للإشعاع العلمي، ومصدرًا لتخريج العلماء للعالم الإسلامي كله- يراد له أن يتحول عن منهجه ورسالته ليكون أداة طيعة بيد رجال السلطة العسكريين يسيرونه كما يشاءون، ويملون عليه ما يريدون، ويتخذونه بوقًا يردد صدى ما يقولون، وقد وجدوا ضالتهم في المشايخ المرتزقة الذين لم يصونوا كرامة العلم والعلماء، وساروا في ركاب الطغمة الحاكمة.
إن الحديث عن هذا العالم الجهبذ الذي صان نفسه عن مسايرة الظالمين ومجاراة الطغاة من الأقزام والمهازيل- هو حديث عن الرجولة في أصدق معانيها، وعن العلم في أجمل ثيابه، فمن تصدر مجالس العلم كان حقًا عليه صيانتها، ومن ارتدى زي العلماء كان أجدر به أن يعرف للعلم قيمته، وللعلماء عزتهم وكرامتهم، وهكذا كان أستاذنا الجليل محمد الخضر حسين، الذي جدد بمواقفه سيرة الرجال من العلماء من السلف والخلف على حد سواء.
لقد كان الشيخ محمد الخضر حسين من الذين يؤلفون لأخلاقهم، ويحترمون لعلمهم، ويقدرون لمكانتهم، وكان التواضع زينته، وبذل العلم لطالبيه ديدنه، ومقارعة خصوم الإسلام والرد على أباطيلهم من أولى مهماته.
وقد أسهم الشيخ مع العلماء والدعاة أمثال أحمد تيمور، ومحب الدين الخطيب، وحسن البنا، وغيرهم في التصدي لدعاة الهدم والتخريب من تلامذة المستشرقين الذين أرادوا إبعاد الإسلام عن واقع الحياة، ورفض تشريعاته وأحكامه، ومحاربة لغة القرآن الكريم، والسير في ركاب الغرب بتبني أفكاره وعاداته وتقاليده، والأخذ بحضارته بخيرها وشرها، وحلوها ومرها دونما تمييز أو اختيار، فكان بذلك الصوت المجلجل الذي أخرس ألسنة الببغاوات، الذين يكررون مقولات أسيادهم، ويجترون ثقافاتهم دون تمحيص أو تدبر، فكان هذا الصراع بين القديم والجديد في أكثر من ميدان وعلى مختلف الأصعدة؛ إذ شمل التراث واللغة والأدب والتشريع، والتربية والتعليم والفكر والتاريخ وغير ذلك.
وكان من حصيلة هذا ظهور التيار الإسلامي المتمسك بالأصالة والمستفيد من الخير في الحضارة المعاصرة، دون السير في ركابها أو الافتتان ببهرجها وزخارفها.
إن هذه الطبقة من العلماء الذين على مستوى محمد الخضر حسين، كانت لهم مواقفهم المشهودة وآراؤهم الصائبة، وأصالتهم المتميزة بحيث حفظوا الأمة من الانزلاق في مهاوي التقليد الأعمى لحضارة الغرب المستعمر.
مؤلفاته:
كما كان لمؤلفاته ودروسه ومحاضراته وبحوثه ومقالاته أكبر الأثر في توجيه الأمة لمعرفة دينها والتمسك بعقيدتها، والعمل الدؤوب من أجل رفع راية التوحيد وإعلاء كلمة الإسلام.
ومن أهم مؤلفاته:
نقض كتاب «الإسلام وأصول الحكم، لعلي عبد الرازق» نقض كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين رسالة في السيرة النبوية، موجز في آداب الحرب في الإسلام، القياس في اللغة العربية، بلاغة القرآن الكريم، محمد رسول الله، رسائل الإصلاح، السعادة العظيمة، الرحلات، تراجم الرجال، تونس وجامع الزيتونة، خواطر الحياة، ديوان شعر...إلخ.
إن أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين كان في القمة من علماء العصر، الذين قدموا القدوة وضربوا المثل لما يجب أن يكون عليه العالم المسلم، أمام التحديات التي يواجهها من خصوم الإسلام في الداخل والخارج، فلم يضعف أمام المغريات، ولم يهب التهديدات، بل وقف موقفًا صلبًا رافع الرأس، يقول كلمة الحق، ويُقدم النصح للراعي والرعية، وينتصب أمام الطواغيت من عبيد الدنيا، والذين يأكلون الفتات من موائد الأعداء، ويتسلطون على أبناء جلدتهم من الضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم ولا طول، ولا يملكون من الأمر شيئًا.
هؤلاء الحكام الذين باعوا دينهم وأمتهم وبلدهم بثمن بخس من أجل البقاء على كراسيهم في ظل عبودية المستعمر الكافر، والذين وجدوا بعض أصحاب الدنيا من المتآكلين بالدين والمرتزقة المنافقين الذين يزينون للحاكم الطاغية ظلمه وطغيانه، ويبررون للعامة تصرفاته وتجاوزاته.
إن العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، قد استعلى بإيمانه على كل أولئك، ولم تلن له قناة أو يتهالك على منصب، بل ركل المنصب بقدمه، حين رأى أنه صورة لا حقيقة، وألعوبة بيد الحاكم المتسلط يملي عليه ما يشاء.
هذا الموقف العظيم من العالم الكبير كان العلامة البارزة، والصورة المشرقة المضيئة لما يجب أن يكون عليه علماء الإسلام ودعاته في كل عصر وحين.
لقد كنا نحن الطلبة الوافدين للدراسة بمصر ننظر إلى هذه الكوكبة من العلماء الرجال والفقهاء الأبطال، نظرة الإجلال والتقدير؛ لأنهم بسيرتهم أعادوا لنا سيرة السلف الصالح من علماء الإسلام الذين حفظوا كرامة العلم، ومنزلة العلماء، وقاموا بواجب النصح للراعي والرعية.
علماء الحق:
يقول الشيخ عبد العزيز البدري في كتابه القيم «الإسلام بين العلماء والحكام»: «الناس بلا علماء هم جهال تتخطفهم شياطين الإنس والجن من كل حدب وصوب، وتعصف بهم الضلالات والأهواء من كل جانب، ومن هنا كان العلماء من نعم الله -تعالى- على أهل الأرض، فهم مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وحجة الله في أرضه، بهم يمحق الضلالة من الأفكار، وتنقشع غيوم الشك من القلوب والنفوس، فهم غيظ الشيطان، وركيزة الإيمان وقوام الأمة، ومثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بهم في ظلمات الحياة في البر والبحر، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا طمست النجوم أوشك أن تضل الهداة»، وهم ورثة الأنبياء، وحراس الإسلام الأمناء على دين الله الداعين الحكام لتطبيقه، يقولون للظالمين ظلمتم، وللمفسدين أفسدتم، يصلحون ما فسد، ويقومون ما اعوج، لا يهابون سلطانًا جائرًا ولا حاكمًا جبارًا، ولا يسكتون عن حق وجب إذاعته».
وهكذا -وعلى مدى تاريخ الإسلام- كانت النماذج تتكرر من هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين يحملون أمانة العلم، ويبلغون رسالة الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة، ويتحملون في سبيل ذلك ما يصيبهم من ظلم الحكام، وجهل العوام محتسبين الأجر والثواب من الله تعالى.
لقد عاش شيخنا العلامة محمد الخضر حسين حتى بلغ الرابعة والثمانين من عمره المبارك، إذ توفي سنة ١٣٧٧هـ - ١٩٥٧م، ودفن في مقبرة آل تيمور بالقاهرة، تاركًا أبلغ الأثر في تراثه العلمي الذي خلفه، وسيرته الطيبة التي يتحدث بها القاصي والداني من العلماء، وطلبة العلم والدعاة إلى الله.
رحم الله شيخنا الجليل محمد الخضر حسين التونسي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا الله وإياه في زمرة عباده الصالحين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.