العنوان سيعلمون غدًا من الكذاب الأشر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2005
مشاهدات 62
نشر في العدد 1645
نشر في الصفحة 47
السبت 02-أبريل-2005
الكذب على الشعوب أصبح اليوم حرفة يتعلمها الكثيرون ويتقنونها، لينالوا بها الحظوة عند الأغرار من أبناء تلك الشعوب الذين غالبًا ما يعيشون على الأوهام وأحلام اليقظة، فالكذب الآن أضحى بضاعة رائجة للظلمة يرددونها في كل شيء، في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، وترددها الأغاني وينشدها الفنانون، ويتبارى فيها الزعماء وأصحاب السلطات، حتى صارت حياتنا كذبًا في كذب يصدقه الناس ويعيشون عليه، عملًا بمقولة القائل: اكذب اكذب حتى يصدقك الناس، واكذب واكذب حتى تصدق نفسك، ويقوم على إذاعة ذلك وترويجه أبالسة، وشياطين من الإنس والجن.
والكذب تضليل وبهتان، ولفت للناس عن الحقيقة، وضياع لقيم الخلق والفضيلة والرجولة، يعرفه العلماء بقولهم: عدم المطابقة للواقع والحقيقة مطلقًا، وإخبار بما يخالف الحقيقة عن عمد وإصرار، قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (المجادلة: 14).
والكذب من الدواهي التي تصم صاحبها بأوصاف الضلال كلها، حيث ورد الكذب في القرآن يحمل معاني الشر كلها، من تلك المعاني:
1- بمعنى النفاق: قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1)، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10).
2- بمعنى الإشراك بالله ونسبة الولد إليه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ (الزمر: ٦٠)، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ (الزمر: ٣۲).
3- وبمعنى قذف المحصنات: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (النور: 7)، ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النور: 13).
4- وبمعنى إنكار الحقائق: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ (النجم: 11) أي ما أنكر، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (المجادلة: 18).
5- ونفي الهداية عن الكاذبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116).
6- عاقبتهم خسران وبوار: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11)، ﴿فسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).
7- من أكبر الظالمين والباغين على الناس: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 144).
8- تسمية القرآن لهم بالمجرمين: قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ (المرسلات: 18-19)، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ (المرسلات: 47).
9- وبمعنى خلف الوعد: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28)، ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (التوبة: 107).
10- وبمعنى التكذيب لكل ما هو حق وصدق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (ق: 5)، ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ (سبأ: 45).
كل هذه الأوصاف تحيط بالكذابين والمكذبين، والذين اتخذوا هذا المنطق وساروا في هذا الطريق، ولذلك لا يستغرب انحدار الأمم التي تقلدها هؤلاء المفلسون من المواهب والخائبون في الإصلاح، وكل بضاعتهم الكذب على الشعوب وادعاء الريادة، ولكنهم في الحقيقة يبيعون الوهم للناس، ويزينون لهم السراب حتى إذا جاءه الظمآن لم يجده شيئا.
وهذا عمل ينافي المروءة، ويدل على الضعف لأن الكذب مصاحب دائمًا للضعف، فما يكذب إلا الضعفاء، أجل ما يكذب إلا ضعيف، ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحيان، فالقوي يواجه والضعيف يداور، وما تختلف هذه القاعدة في يوم من الأيام ولا في موقف من المواقف، والظلمة والجبارون الذين تمتلئ بهم الساحة اليوم ما هم إلا نصب مسندة يفرون من الحساب بالكذب، ويهربون من الإصلاح بالكذب، وهم ضعاف مهازيل فقراء الطاقات والمواهب، يرتجفون من الشعوب المتربصة بالخداع، وهم في الحقيقة يهلكون أنفسهم بهذا الكذب الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس، فيكشفه الناس، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه حين ينكشف أمره لا محالة، ولهذا فالشعوب الجادة في الإصلاح قد تقبل الخطأ ولا تقبل الكذب بحال من الأحوال؛ لأنه رأس كل خطيئة، تبنى عليه جميع الكوارث، ويهدم به كل عامر، وليس من صفات المؤمنين في شيء أبدًا، وقد قيل لرسول الله ﷺ: أيكون المؤمن كذابًا قال: «لا» رواه مالك في الموطأ، «وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ومايزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» «رواه البخاري»، «ومن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ملك كذاب» «رواه البزار بإسناد جيد».
وبعد هذا البيان الناصع، وبعد ذلك النظر الفاحص في حياة الشعوب الجادة في سبيل التقدم ينبغي لنا أن نقول: إننا نعيش -في بعض بلداننا- في كذبة كبيرة، ووهم خطير، لا ندري أين تذهب ثرواتنا، ولا أين تبدد خاماتنا، ولا أين تصير مقدراتنا، فالدستور كذبة يتلاعب به، وتعدل بنوده ويتحايل عليه، ليطابق أهواء قوم، ويوافق توجهاتهم وشهواتهم، ولا اعتبار لجهات تشريعية أو رقابية.
والقانون كذبة؛ يتلاعب به ترزية القوانين، ويفصل على مقاس أقوام، وينفذ على البعض وينفلت منه آخرون، يجرم من يراد تجريمه فيعاقب بغير جريرة، ويحاسب بغير ذنب، ويمرح في جنباته أصحاب الحظوة وأرباب الفساد، والانتخابات كذبة مفضوحة، يفرض فيها الغش، وينجح فيها الراسب، ويمنع من خوضها المخلصون المبدعون، ويسمح فيها الأرباب الفساد والكيف والسراق والفساق، ولا رأي لأمة، ولا اختيار لشعب ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29).
والديمقراطية كذبة قد ملأ إفكها الآفاق في بلاد تحكم بالأحكام العرفية منذ نصف قرن، وتنتهك فيها الحرمات، وتكمم فيها الأفواه، وتجرى فيها المحاكمات العسكرية للمدنيين ظلمًا وبهتانًا، وتؤمم فيها كل وسائل الإعلام، ويعين فيها نواب الأمة من العاطلين والمخربين والمنافقين.
والإعلام كذبة، والإصلاح كذبة، والوطنية كذبة، والتنمية كذبة، والرخاء كذبة، والتقدم كذبة، والتخطيط كذبة، والتصنيع كذبة، والتكنولوجيا كذبة، ونعيش في كذبة كبيرة يصنعها كل من تنطبق عليه الأوصاف التي جاءت في القرآن في وصف الكذابين، وأظن أننا سنعلم قريبًا وسنحاسب قريبًا ذلك الكذاب الأشر.