; ابن حزم.. ما أشبه الليلة البارحة! | مجلة المجتمع

العنوان ابن حزم.. ما أشبه الليلة البارحة!

الكاتب ثروت مكايد عبد الموجود

تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009

مشاهدات 61

نشر في العدد 1856

نشر في الصفحة 42

السبت 13-يونيو-2009

لم يكن عصر أشبه بالعصر الذي عاشه ابن حزم فقيه الأندلس من هذا العصر الذي نعيشه الآن، ولعله السبب الذي جعله يتخذ من الفقه الظاهري طريقا بعد أن درس الفقه الشافعي، وكان في بيئة مالكية صرفة في الأندلس.. لكن حين تميع الأشياء، ولا يصبح لشيء حد فلا شيء ساعتئذ يجدي إلا إبراز الحق واضحًا جليًا لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل أو مراوغة.

وقد ذكر مؤرخو سيرة ابن حزم الخصومة التي وجدها من أبناء عصره، حتى بلغت بهم أن أوعزوا لحاكم إشبيلية المعتضد بن عباد الإحراق كتبه نكاية فيه، هذا مع سجنه وترحاله من مكان لآخر، هرباً تارة، وطردًا أخرى.

 فسر هؤلاء المؤرخون سبب تلك الخصومة التي وجدها ابن حزم تفسيرات شتى لا تصمد واحدة منها أمام منطق العقل أو منطق التاريخ.. وأرجعوا أسباب تلك الخصومة إلى ثلاثة أسباب رئيسة أولها : اعتناقه المذهب الظاهري في بيئة مالكية أو أشبه.

أما السبب الثاني فهو سبب سياسي فحواه انتماؤه للأمويين.

 أما أشهر الأسباب الثلاثة : جهله بسياسة العلم، وإنك ملاحظ هذا السبب الأخير على السنة عامة الشيوخ الذين التقطوه من مؤرخي عصر ابن حزم وسلموا به، وضربوا بابن حزم مثلا حين يريدون أن يتحدثوا عن أنه لابد للرجل إن أراد أن يتبوأ مكانًا في دنيا الناس ويصبح داعيًا لدينه من تحصيل العلم، ومع العلم إتقانه لسياسة العلم.. ومثلوا لمن لم يحسن تلك السياسة بابن حزم حريا منهم وراء من أطلق تلك الكلمة من المؤرخين القدماء.

 غير أن إعادة النظر للتاريخ الذي عاشه ابن حزم تبدي أن ذلكم العصر كان أحوج ما يكون لشخص كابن حزم يعيد إليه توازنه، ويتصدى لهجمات شرسة على الإسلام لم يكن ليقوم بها غيره، في وجه هذه القوى التي حاصرت الإسلام في عصر انهيار الأندلس؛ لأن العلل والأوبئة لا تقوى على اختراق الأجساد القوية وإنما تناوش الأجساد الواهنة العليلة فتقعد بها وتلتهمها التهاما يودي بحياتها .

 أولاها : تفتت الأندلس إلى دويلات

 خشي حكامها من غيرهم، فاستعانوا بأمراء الدول المجاورة من الصليبيين الحاقدين وكون كل بلاط بطانة من اليهود والمسيحيين الذين قويت شوكتهم ونازعوا المسلمين في حياتهم فجمعوا منهم الضرائب والمكوس وبدأ اليهود في تشكيك المسلمين في دينهم حتى ألف يهودي يدعى «ابن النغريلة» كتابا ادعى فيه تناقض كلام رب العالمين دون أن يثور حاكم من حكام الدويلات الأندلسية، بل دون أن يبعد «ابن النغريلة» هذا.

ولك يا قارئي أن تنظر لعصرنا هذا الذي نعيشه لترى الصورة نفسها، فإذا كتب جهول لا يحمل في رأسه عقلًا رسالة أو كتابًا يهاجم فيه الإسلام، يُكرم ويُرفع مكاناً علياً، ويُحتفي به ويطير اسمه في الآفاق، حتى بات يقينا أن السبيل إلى ذيوع الصيت وتدفق الأموال سب الدين والهجوم على الكتاب والسنة !!

أترى هذا يحتاج من عالم إلى سياسة العلم؟ إن القائل بجهل ابن حزم السياسة العلم لكونه يصك خصمه صك الجندل، لا يدرك سياسة عمر، وإلا لزمه أن يقول في ابن الخطاب: إنه لا يدرك سياسة العلم، وقد فعل به صبيغ ما فعل حين خاض بمعزل عن العلم في القرآن إنه ليس لهذا إلا الدرة، فإن لم توجد – كما في عهد ابن حزم فما هو إلا أن يصك خصمه صك الجندل.

 أما القوة الثانية التي حاربت الإسلام جنبًل لجنب مع بطانة السوء من اليهود والنصارى فتمثلها الصوفية، ولا سيما المبتعدة عن أصولها الشرعية التي تنبت حيث تغيب السنة، وترتقي على سلم البدع تحافظ عليها ، بل تقاتل من أجلها، وتلك القوة، تخدع العامة وتهادن السلطة، ولم يكن ابن حزم ليقف منها موقف المهادئة والمسالمة.

 وثالث القوى التي كان لها وجود بارز في عصر ابن حزم فقهاء السلطة الذين ناصبوا ابن حزم العداء بدافع شخصي أو من السلطات التي تريد أن يشيع الغبش في العقول وتقام معارك بعيدًا عنها.

إن تلك القوى التي ذكرتها هي عينها التي تجدها في واقعنا المعاصر، بل تجدها في أي عصر سيمته الانحطاط والتدهور، وكان ابن حزم مهموما بواقعه وبما يجده من هاتيك القوى وما تسببت فيه من انهيار واندحار الأمر الذي أدى إلى ضياع الأندلس، فلم يكن ابن حزم يجهل سياسة العلم، بل لم تكن سياسة هي أحزم من تلك التي اتخذها ابن حزم دفاعاً عن دينه وصداً لقوى تناوش الإسلام وتريد أن تزيحه من الطريق، ومن ثم ترى أن تلك الأسباب التي اعتمدها مؤرخو سيرة ابن حزم تذهب مع الريح لأن الخصومة ما نشأت إلا حين تصدى ابن حزم لتلك القوى، وأظهر عوراتها، فاشتاطت غيظاً، ولم تكن لتقرع الحجة بالحجة إذ لا حجة معها، فكادت له لدى السلطة حتى حرق حاكم إشبيلية كتبه وطرده آخرون، غير أن إخلاصه هو ما أبقى المذهب الظاهري جنبا الى جنب مع مذاهب الفقه الكبرى

الرابط المختصر :