العنوان الإخوان المسلمون وحرية العمل السياسي في مصر
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1988
مشاهدات 62
نشر في العدد 856
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-مارس-1988
السلطة تحاول استفزاز التيار الإسلامي من خلال وزير الداخلية.
هناك اتفاق على أن العمل السياسي في مصر الآن يتمتع بحرية نسبية، إذا قيس بما كان متاحًا من قبل في المرحلة الناصرية والمرحلة الساداتية.
وهناك اتفاق أيضًا على أن هذا القدر المتاح هو جزء أو سبب من أسباب قدرة النظام السياسي على الصمود والاستمرارية بالرغم من المشكلات العديدة التي يعاني منها المجتمع المصري، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أصبحت تلقي بظلالها القائمة على كل بيت.
وبالطبع فإن التيارات السياسية المعارضة، وعلى رأسها التيار الإسلامي تشعر بالارتياح ولكنها تطالب بمزيد من تدعيم هذه الحرية وتأصيلها، ونسف كل ما يعوقها وما يحد من انطلاقة الشعب نحو البناء، مثل قانون الطوارئ الذي أُعلن عن تطبيقه منذ تولى الرئيس مبارك وحتى الآن، وكذلك القوانين الاستثنائية مثل قانون الصحافة وقانون الأحزاب، الذي لم يسمح حتى الآن بإقامة أي حزب جديد منذ تطبيقه وحتى الآن، بالإضافة إلى العديد من القوانين التي تشوه وتحد من حرية وحيوية العمل السياسي في مصر.
ولعل التيار الإسلامي كان أكثر التيارات السياسية التي حملت للرئيس مبارك وللنظام السياسي التقدير والشكر، وفي الحوارات التي أجرتها "المجتمع" مع عدد من نواب الإخوان بالإضافة إلى كبار المسؤولين قد أوضحت هذا المعنى، وكان الإخوان المسلمون هم أول الفئات التي شاركت في العمل السياسي سواء في الاتحادات الطلابية في الجامعات أو نوادي هيئات التدريس أو النقابات المهنية، حتى مجلس الشعب وهو أعلى سلطة تشريعية في مصر.
وقبل أربع سنوات، وتحديدًا في أوائل عام 1984، لم يكن للإخوان المسلمين في مصر أي تأثير مباشر في العمل السياسي، فلم يكن لهم إلا نائب أو اثنان في مجلس الشعب (458 عضوًا) ولم تُتح لهم فرصة المشاركة في الاتحادات الطلابية الجامعية، ولم يقرروا خوض أية انتخابات برلمانية أو نقابية.
ولكن الوضع الآن وبعد أربع سنوات فقط، تغير تمامًا، فقد استغل الإخوان المسلمون جو الحرية "النسبي" وقرروا المشاركة الإيجابية في العمل السياسي فتولى شبابهم رئاسة الاتحادات الطلابية في غالبية الجامعات وذلك للعام الرابع على التوالي.
نقابة الأطباء.. أول الغيث
وفي أبريل 1984، خاض مرشحو الإخوان انتخابات نقابة الأطباء لأول مرة وفازت قائمتهم فوزًا كبيرًا حيث حصلت القائمة على أكثر من ضعف ما حصلت عليه القوائم الأخرى. وأصبح أكثر من نصف أعضاء مجلس النقابة العامة للأطباء من الإخوان المسلمين مما مكنهم من تشكيل هيئة المكتب.
وبعد شهر واحد، شارك الإخوان في انتخابات مجلس الشعب، التي جرت في مايو 1984 متعاونين مع حزب الوفد مما مكن الحزب من تحقيق نسبة أصوات وصلت إلى أكثر من 15% وهو ما لم يحصل عليه حزب معارض من قبل، وكانت غالبية هذه النسبة ترجع إلى جهود الإخوان وأصواتهم الانتخابية، ويؤكد ذلك أنه عندما انتهى التعاون بين الإخوان والوفد حصل الحزب في الانتخابات الأخيرة على نحو 9.10% من جملة الأصوات، بينما حصل حزب العمل الذي تحالف معه الإخوان على أكثر من 17% بالرغم من وقائع التزوير السافرة التي أُعلن عنها في حينها.
36 نائبًا في البرلمان
وقد حملت انتخابات مايو 1984 عددًا من مرشحي الإخوان إلى مقاعد البرلمان وصل عددهم إلى تسعة نواب. وفي الانتخابات الأخيرة والتي جرت في أبريل من العام الماضي كان الإخوان قد استعدوا أكثر وأكثر للمشاركة في العمل السياسي ففاز منهم حوالي 36 نائبًا في مجلس الشعب، وهي سابقة لم تحدث من قبل، منذ نشأة الجماعة عام 1928 وحتى الآن.
في تلك الأثناء خاض مرشحو الإخوان الانتخابات في النقابات المهنية وفازوا فيها جميعًا ففي التجديد النصفي لنقابة الأطباء فاز مرشحو الإخوان بغالبية المقاعد، وبذلك أصبح مجلس نقابة الأطباء يمثل أكثر من 90% منه أطباء من الإخوان المسلمين. وكذلك فاز مرشحو الإخوان في نقابات طب الأسنان والطب البيطري والصيدلة وفاز مرشحو الإخوان كذلك بأكثر من مقعد في نقابات الصحفيين والمحامين والمعلمين والتجاريين وغيرها من النقابات.
وكان دخول الإخوان انتخابات نقابة المهندسين حدث له أثره في الشارع السياسي فلأول مرة يشارك مرشحو الإخوان مشاركة جديدة في انتخابات المهندسين، ويحصلون على أكثر من ثلث (حوالي 70%) من مقاعد المجلس الأعلى لنقابة المهندسين (63 عضوًا بالنقيب) ويفوزون في النقابات الفرعية بصورة لم تحدث من قبل! وأصبح للإخوان أكثر من 13 نقيبًا من بين 25 نقيبًا للنقابات الفرعية. وهذا ما مكن الإخوان من تشكيل هيئة مكتب نقابة المهندسين وهي واحدة من أغنى النقابات المهنية في مصر والتي يرأسها المهندس عثمان أحمد عثمان.
وفي الجامعات شارك مرشحو الإخوان من أساتذة الجامعة في نوادي هيئات التدريس بها واستطاعوا أن يفوزوا في كل النوادي التي رشحوا أنفسهم فيها، فتولوا رئاسة نوادي جامعات: القاهرة والإسكندرية وأسيوط والزقازيق وغيرها، وهي أهم الجامعات المصرية عمومًا وأصبح نشاط النوادي العلمي والاجتماعي والسياسي مثار حديث الأوساط السياسية، والشارع العادي.
وهدف الإخوان من المشاركة في العمل السياسي عمومًا، سواء كان ذلك عن طريق مجلس الشعب أو النقابات المهنية أو نوادي هيئات التدريس أو حتى الاتحادات الطلابية، هو هدف دعوي بالدرجة الأولى وأيضًا السعي لخدمة الجماهير بأيد أمينة نظيفة، والاحتكاك بطبقات الشعب المختلفة وهي أبلغ صورة للاتصال بالناس، دون دعايات أو شعارات بعيدًا عن تشويه وتعتيم الإعلام الحكومي واليساري.
نجاح وتوفيق للإخوان
وبالرغم من أن تجربة العمل السياسي الإيجابي المباشر لحركة الإخوان المسلمين، لم يتجاوز عمرها السنوات الأربع، إلا أن الظواهر تكشف لنا بوضوح، ودون الحاجة إلى بذل جهد، ذلك النجاح والتوفيق الذي حالف رجالها في كل المجالات التي دخلوا فيها، وتسلموا أمانتها، وهذا يشكل عبئًا أكبر، ومسؤولية أضخم وجهدًا أكثر. ولقد أثبت ممثلو الإخوان أنهم - بفضل الله - أهل للمسؤولية وأن العطاء هدفهم الأول.
ويثور السؤال: ما هو موقف السلطة من كل ذلك؟ ما هو موقف النظام من ممارسة الإخوان المسلمين - بصفتهم مواطنين لهم كل حقوق المواطنة - لحقهم في العمل السياسي والنقابي والطلابي؟ ما هو موقف السلطة من مشاركة الإخوان، التي أتت عن طريق "الانتخابات الديمقراطية" وعن طريق الإرادة الحرة للشعب؟ ما هو موقف السلطة من تفاعل الشارع المصري مع دعوة الإخوان المسلمين، واختياره لمرشحيهم، بحيث أصبح وجود التيار الإسلامي في أية انتخابات كفيل بتراجع كل الاتجاهات الأخرى وعلى رأسها الاتجاه الحكومي.
يمكن القول بأن الصورة الطبيعية للحركة الإسلامية أصبحت أكثر وضوحًا، سواء أمام الشعب المصري، أو أمام القيادات السياسية المشاركة في الحكم، وبالتالي فإن السلطة لم تحاول - حتى الآن - استخدام الحدة والإرهاب في التعامل مع التيار ككل، ولم يرد على لسان الرئيس مبارك أي هجوم يُشم منه أنه يقصد الإخوان تلميحًا أو تصريحًا. وفي الجهة المقابلة نجد المحاولات الدعائية المستمرة لاستفزاز نواب الإخوان وممثليهم في المجالات التي هم فيها، من قبل وزير الداخلية وهو جزء من النظام بلا شك.
استفزاز الإخوان
فقد عمد وزير الداخلية في الفترة الأخيرة إلى استفزاز نواب الإخوان في مجلس الشعب وإهانتهم في أكثر من موقف، ومحاولة إثارة أعصابهم دائمًا، وتجده في مجلس الشعب يحاول دائمًا أن يربط بين الإخوان وبين أي حدث ليصب هجومه على الإخوان. ويضطر الوزير للاعتذار أكثر من مرة عن طريق رئيس المجلس نفسه. إلا أنه يواصل ألفاظه التي لا تليق بمسؤول، فما أسهل أن ينطلق بألفاظ "سافل، منحط، وقح، جبان، كذاب، صراصير، إلخ". وإذا كان هذا - كما يقول البعض - هو سلوك ذاتي للوزير وألفاظه الطبيعية حتى في تعامله مع الاتجاهات الأخرى وأنه دائم الأزمات مع الهيئات بسبب سوء ألفاظه، إلا أنه لا بد أن يوضح الأمر في إطاره العام.
وزير الداخلية دائمًا وفي كل مناسبة يتحدث فيها يحاول التعريض بالجماعات المتطرفة التي تحاول - على حد قوله - الالتفاف حول النظام وتطويقه، والسيطرة على النقابات المهنية وتوجيهها الاتجاه الذي تريده. وفي نادي جامعة المنصورة قال: "إنني أطالب بحل نوادي جامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط والمنصورة!" وذلك لخروجها عن الشرعية، ومعروف أن هذه النوادي يرأسها أساتذة من الإخوان المسلمين. ويحاول الوزير كذلك استعداء الرأي العام ضد شباب الإخوان من الجماعات الإسلامية في الجامعات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل