; تأويلات المشهد التونسي بعد الانتخابات | مجلة المجتمع

العنوان تأويلات المشهد التونسي بعد الانتخابات

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1977

نشر في الصفحة 38

السبت 19-نوفمبر-2011

● الإجماع على روعة ما حدث في الانتخابات سرعان ما يتلاشى ويحل التشتت محله عند الانتقال إلى تفسير ما حدث أو تأويله وفق نظريتي إعفاء الذات و محاسبة الذات

● الأكثر أهمية من النجاح في اجتياز عقبة الانتخابات بسلام هو أن الشعب التونسي تمكن من تحقيق هدف تاريخي ناضلت من أجله الحركة الوطنية الإسلامية وهو تشكيل مجلس تأسيسي منتخب ، يقوم بوضع دستور.. ومن ثم تأسيس نظام برلماني تعددي

قال الشعب التونسي كلمته في انتخابات المجلس التأسيسي التي جرت يوم ٢٣ أكتوبر ۲۰۱۱م، قالها بملء إرادته الحرة، وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، بعد أن أطاح دكتاتورية زين العابدين بن علي ..... وثمة شبه إجماع على أن الشعب التونسي قد اجتاز بنجاح باهر هذا الاختبار؛ فقد تمت الانتخابات في مناخ آمن، وبنزاهة وشفافية وحيادية شهد لها العالم، وتقبل الخاسرون والفائزون النتيجة دونما كثير من اللغط، أو الشغب، أو الشطط.

الأكثر أهمية ربما من النجاح في اجتياز عقبة الانتخابات بسلام، هو أن الشعب التونسي تمكن من هدف تاريخي ناضلت من أجله الحركة الوطنية الإسلامية بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبي (مؤسس الحزب الدستوري التونسي في سنة ١٩٢٠م) هذا الهدف هو تشكيل مجلس تأسيسي منتخب يقوم بوضع دستور يعبر عن الإرادة الحرة للشعب التونسي، ومن ثم يقوم بتأسيس نظام برلماني تعددي.

ثمة شبه إجماع أيضاً على أن «حركة النهضة الإسلامية قد حققت نجاحاً باهراً ومفاجئا - من حيث كبر حجمه - ومن حيث نوعيته في هذه الانتخابات وليس أكثر دلالة على «النوعية المتميزة للتفوق الذي أحرزته حركة النهضة، أن من بين ٤٩ مترشحة فازت بعضوية المجلس هناك ٤٢ منهن منتميات إلى حركة «النهضة» الإسلامية التي طالما اتهمها العلمانيون بتهميش المرأة.. كذلك الحال وإن بدرجة مختلفة - بالنسبة لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه الحقوقي البارز د . منصف المرزوقي، الذي حقق نجاحا متميزا وحل في المرتبة الثانية بعد حركة النهضة الإسلامية.

المهم هو أن شبه الإجماع على روعة ما حدث في الانتخابات التونسية، يعتبر شهادة حق بتفوق الشعب التونسي في أول اختبار ديمقراطي حقيقي في تاريخه الحديث والمعاصر، وهو شهادة اعتراف بمقدرته على الدخول في المجال العام والمشاركة في تحمل مسؤولياته برغبته هو، وبإرادته الحرة.

ولكن شبه الإجماع على وصف ما حدث في الانتخابات التونسية سرعان ما يتلاشى ويحل التشتت محله عندما ننتقل إلى تفسير ما حدث أو تأويله، أو محاولة معرفة أسباب النجاح هنا تتفرق السبل وتتقاسم التأويلات والتفسيرات نظريات عدة أهمها نظريتان الأولى نسميها نظرية إعفاء الذات، والبحث عن تفسير من خارجها، والثانية نسميها نظرية محاسبة الذات والبحث عن تفسير من داخلها.

النظرية الأولى ذات نزعة عدمية حيث إنها تسعى لرد النجاح إلى عوامل تقع بالدرجة الأولى خارج الذات الفاعلة - وهي في حالة تونس الشعب التونسي عامة وحركة «النهضة» الإسلامية، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية مثلا - بينما ترد الفشل إلى عوامل هيكلية داخل هذه الذات الفاعلة نفسها : أي الشعب وأحزابه وحركاته معا ! أما نظرية محاسبة الذات، فهي ترد كلاً من النجاح والفشل إلى الذات نفسها بالدرجة الأولى، ولكنها لا تغفل عن أثر العوامل التي تقع خارجها في كلتا الحالتين هذه النظرية تبدأ التفسير من داخل الذات الفاعلة وتحاسبها على ما فيها من عناصر قوة ومكامن ضعف، ثم تأخذ ما يجري حولها بعين الاعتبار، وتدرك أن المصلحة تقع دوما في قلب كل الحسابات الداخلية والخارجية.

● نظرية إعفاء الذات

نظرية إعفاء الذات ولا مسؤوليتها عن نجاح حققته - أو تحقق لها كما يقولون ليست جديدة ولا هي تطبق لأول مرة مع حركة «النهضة» التونسية على وجه التحديد وإنما سبق تطبيقها في تفسير نجاحات حققتها حركات وأحزاب إسلامية في مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي من ذلك مثلا نجاح حزب العدالة والتنمية» التركي في انتخابات سنة ٢٠٠٢م، ونجاح حركة «حماس» الفلسطينية في انتخابات المجلس التشريعي سنة ٢٠٠٦م، ونجاح جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب المصري سنة ٢٠٠٥م.

في جميع هذه الحالات طبقت نظرية «إعفاء الذات من نجاحها ، وإرجاعه إلى عوامل أخرى من خارجها، وأسباب ليست لها فضل فيها وبالرغم من وجود فروق نوعية بين كل حالة وأخرى، فإن تفسيرهم لنجاح العدالة والتنمية التركي، لم يختلف في جوهره عن تفسيرهم لنجاح حركة «حماس» في فلسطين أو نجاح جماعة الإخوان في مصر، وأخيرا وليس آخرا نجاح حركة النهضة الإسلامية في تونس.

لنضرب مثالاً من الحالة التركية لوجود أوجه شبه معتبرة بينها وبين الحالة التونسية... في تركيا تم تفسير صعود حزب العدالة والتنمية واستلامه السلطة سنة ٢٠٠٢م بأنه نتيجة لفساد الأحزاب العلمانية التي كانت تحكم البلاد وفشلها الذريع في إدارة شؤون الدولة، وذهب بعضهم إلى تفسير فوز العدالة والتنمية إلى مساندة خارجية أوروبية حينا وأمريكية في أغلب الأحيان، وأفضل ما خرج من رحم نظرية إعفاء الذات من نجاحها، في تفسير فوز العدالة والتنمية هو أن الفضل في ذلك يرجع إلى علمانية الدولة التركية ووجود قانون ومؤسسات وقضاء ومجتمع مدني قوي.

ولم ير أنصار نظرية إعفاء الذات من نجاحها أي عنصر قوة داخل حزب العدالة والتنمية»، بعكس نظرية محاسبة الذات. التي يرجع أنصارها نجاح العدالة والتنمية إلى خطابه السياسي المتطور، وقدرته على تعبئة قطاعات واسعة ومتنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية حتى صار «حزب الكل أو Catch All Party ، هذا إلى جانب توافر قيادة سياسية شابة جاءت من خارج الطبقة القديمة التي أصابها الهرم، ووجود جيل جديد من السياسيين الأتراك الذين باتوا يجدون أنفسهم داخل حزب العدالة والتنمية بما لا يقارن مع وضعهم في الأحزاب التركية الأخرى.. كل هذه العوامل هي حصيلة جهد وعمل دائب داخل حزب العدالة والتنمية أما بقية العوامل التي يسوقها أنصار نظرية إعفاء الذات من نجاحها، فهي مكملة أو مساعدة في أحسن الحالات.

● أسباب واهية

دليلنا على ما ذهبنا إليه هو أننا إذا دققنا النظر في مقولات نظرية إعفاء الذات في تفسير الحالة التركية؛ فلن نجد شاهداً واحداً على أن فاعلية تلك الأسباب التي ذكروها تقتصر فقط على حزب العدالة والتنمية دون بقية الأحزاب المنافسة له، فهناك ما يقرب من ٥٠ حزباً تركيا تشترك مع حزب العدالة والتنمية في أن أكثريتها لم يسبق لها المشاركة في الحكم، ولا في الفساد والفشل وبالطبع كان بإمكان أغلبية الشعب أن تختار من بينها. هذا لو أن مرد النجاح هو علنا فساد وفشل حزبي الطريق المستقيم وحزب الوطن الأم» اللذين كانا يحكمان تركيا قبل انتخابات نوفمبر ۲۰۰۲م، وإذا كانت علمانية الدولة ومؤسساتها القانونية والقضائية والمدنية الراسخة هي فقط سر النجاح، فالمؤكد أن آثارها الإيجابية عامة وليست حكرا على حزب العدالة والتنمية! أما القول بأن فوزه جاء نتيجة دعم خارجي فهو تعبير عن أعلى مراحل العدمية وتجريد شعب تركيا بأكمله من ذاته.

على مستوى الحدث التونسي بصفة عامة، يرى أنصار نظرية إعفاء الذات من نجاحها أن تفوق الشعب التونسي في اجتياز أول اختبار ديمقراطي لا صلة له بمقدرته الحضارية المختزنة في وعيه الجماعي، كما لا يرجع إلى رغبته الذاتية في تحقيق مثل هذا الإنجاز، وإنما يرجع إلى رغبة ومقدرة صناع سايكس بيكو الجديدة، على حد تعبير محمد حسنين هيكل في حواره مع صحيفة «الأهرام» (٢٣/٩/٢٠١١م) وهو يصف الربيع العربي، هو لا يرى ربيعا عربيا، وإنما يرى سايكس بيكو، ويقول: إن كل ما يحدث في تونس وفي غيرها من البلدان العربية ليس إلا حاصل تغيير إقليمي ودولي يتحرك بسرعة كاسحة... هكذا يؤكد الأستاذ هيكل بما يعني أن شعوبنا تقف خارج دائرة الفعل الواعي العملية التغيير، هي خارج الفعل التاريخي.

نظرية محاسبة الذات تساعد في فهم ما جرى في تونس على نحو أكثر عمقا وموضوعية، فما جرى في تونس ليس مجرد استجابة لا واعية لرغبات صناع سايكس بيكو الجديدة الذين لن يهدأ لهم بال حتى يفسدوا على تونس فرحتها إن استطاعوا ، ولكن لا ينكر أحد أن ثمة بيئة جيدة جرت فيها الانتخابات التونسية : فهناك مستوى تعليمي مرتفع نسبيا إذا قارناه ببلدان عربية أخرى، وهناك رغبة عامة لدى كل الأحزاب التونسية في كتابة الدستور الجديد بروح توافقية لا إقصائية ولا استبعادية، وقد أكد الشيخ راشد الغنوشي ذلك بحسم ووضوح قبل وبعد إعلان نتيجة الانتخابات، وهناك أيضا جيش ملتزم بمبدأ الحياد وعدم الدخول كطرف في المنافسات السياسية، هنالك كل ذلك مما يرجع الفضل فيه إلى الشعب التونسي نفسه، وليس إلى صناع «سايكس بيكو الجديدة».

في تلك البيئة السياسة والاجتماعية والثقافية، حققت حركة النهضة نجاحها الانتخابي، وفشلت أحزاب الحداثة والعلمانية.. ومع ذلك يردد أنصار نظرية إعفاء الذات ما سبق أن قالوه في شأن تفسير نجاح العدالة والتنمية التركي، مع بعض الاختلافات في التفاصيل.

الرابط المختصر :