العنوان هجائية الحب (۲۷).. حرف الواو.. واظب معهم على صلاة الفجر
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1980
نشر في الصفحة 58
السبت 10-ديسمبر-2011
ما أعظم هذا القول: من عرف حلاوة الأجر هانت عليه مرارة الصبر.
ولله در من قال: من جد وجد، ومن زرع حصد..
اذهب إلى المسجد لصلاة الفجر ستجد عجبا، إن كثيرا من المسلمين منحوا أنفسهم عطلة لا يستحقونها، بإهمالهم حضور صلاة الفجر في المسجد، فإذا عاتبت أحدهم تعذر بأنه مرهق، وأن أمامه يوما شاقا ينتظره في عمله أو دراسته.
وقد تجد من لديه عاطفة دينية طيبة ويتمنى لنفسه والمسلمين التقدم والازدهار ويتحدث عن آمال كبيرة في تمكين أمة الإسلام واستعادة مجدها، ويخطب في الناس ويعظهم ثم لا تجده بين المصلين المواظبين على صلاة الفجر!!
وكثير هم الآباء الذين سألوني ويسألونني عن موقفهم من أولادهم الذين ينامون عن صلاة الفجر، وعجزهم عن علاج هذه المشكلة، وآخرون حائرون، لأنهم يرغبون في أن يواظب أولادهم على صلاة الفجر، وفي الوقت ذاته فهم مشفقون على أولادهم الذين يستيقظون باكرا ليذهبوا إلى مدارسهم.
ما أحوجنا نحن وأبناءنا إلى معرفة فضل صلاة الفجر حتى نحرص عليها، وما أحوجنا إلى معرفة الخسارة المترتبة على صلاة الفجر حتى نتجنب تلك الخسارة ونتفاداها.
فإذا كنا نطلب المجد لنا ولأولادنا، وإذا كنا نرغب من خير الدنيا ونعيم الآخرة فليس من المنطقي أن نسعى إلى هذا المجد وذاك الخير والنعيم دون معاناة ولا عناء ولا جهد ولا عمل لذا فقد أخبر رسولنا الكريم ﷺ بثمن الجنة في قوله ﷺ: ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة رواه أبو نعيم في الحلية والحاكم.
لذا، فقد تعجب الشاعر ممن أراد المجد والعلا دون أن يكون يقظا نشطا عاملا، إذ يقول:
يحاول نيل المجد والسيف مغمد... ويأمل إدراك العلا وهو نائم!
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف نعين أولادنا على المواظبة على صلاة الفجر؟
معينات عملية
أولا: كن لهم قدوة:
فللقدوة التأثير الأكبر في مساعدة الأولاد على الالتزام بصلاة الفجر، ولذلك يقول الحسن البصري: عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل...
وهذا عمرو بن عتبة يقول المعلم ولده ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت...
لذلك فإن أثر البيت الصالح لا يفوقه تأثير فأولادنا لا يحملون داخل أنفسهم سوى الصورة التي يرونها أمامهم من أنماط السلوك، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثانيا: ادع لنفسك ولهم:
كثير من الآباء ينسى أولاده عند الدعاء، ولنا في سيدنا إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة، فها هو ذا يعلمنا أن يدعو الأب لنفسه ولولده بإقامة الصلاة.. قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (إبراهيم:40).
ويدعو مع ابنه إسماعيل - بعد أن علمه فقه الدعاء - فيقولان: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 128).
استثمر ولدك
حسبك - أيها الأب الحبيب - أن تتدبر قول رسولنا الكريم ﷺ: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له رواه مسلم).
فلو لم يكن للأب نفع من ولده سوى أن يدعو له لكفى الوالد أن يهتم بولده وتربيته طلبا لهذه الثمرة.
تأمل - أيها الأب الحبيب - هذه اللحظة الحاسمة، يوم يقول الناس لرب العالمين، ويحشر الناس حفاة عراة غرلا، وكل منهم يقول نفسي نفسي، وإذا بك - إن كنت مربيا حقا وحسن زرعك - يكسوك ربك حلتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقول: بم كسيت هذا؟ فيقال بأخذ ولدك القرآن.. فيا لها من نعمة كبيرة، وفوز عظيم!!
ثالثا: رغبهم في فوائد صلاة الفجر:
يا قومنا هذي الفوائد جمة فتخيروا قبل الندامة وانتهوا إن مسكم ظما يقول نذيركم لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا ويمكن للوالد أن يرغب ولده في صلاة الفجر بما يلي:
1- قول رسول الله ﷺ: من صلى الصبح فهو في ذمة الله رواه مسلم.
إنها ليست ذمة سلطان أو ملك بل في ذمة مالك الملك، ومن بيده الخير والشر والنفع والضر ومن ثم فمن صلى الفجر فإن الله عز وجل يحيطه بالحماية، فيشعر بالطمأنينة في كنف الله عز وجل، ويشعر بأن عين الله ترعاه، فيمضي يومه واثق الخطى مطمئنا غير خائف ولا وجل.
دخول الجنة، لقوله ﷺ: من صلى البردين دخل الجنة رواه مسلم، والبردان هما: صلاة الفجر والعصر، وذك لأن النفس تخلد للراحة والنوم في هذين الوقتين.
قول النبي ﷺ: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها رواه الشيخان.
4- صلاة الفجر سبب في رؤية وجه الله تعالى، يقول: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا.. ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ (طه:130).
يقول ابن حجر تعليقا وتبيانا لهذا الحديث وجه مناسبة ذكر هاتين الصفتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وأن هاتين الصلاتين أفضل من غيرهما، فناسب أن يجازي المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى فتح الباري بتصرف.
5- صلاة الفجر زاد الدنيا والآخرة، فقد أكد الرسول الكريم ﷺ بركة هذا الوقت بقوله ﷺ، اللهم بارك لأمتي في بكورها رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
لذلك كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار وكان إذا بعث تجارة بعثها أول النهار فالبركة في هذا الوقت كنز عظيم لا يناله إلا من استيقظ باكرا وصلى الصبح.. وكان ابن تيمية - كما يروي عنه تلميذه ابن القيم - يذكر الله في هذا الوقت المبارك، ويقول: هذه غدوتي ولو لم أتغذ الغذاء سقطت قوتي ابن القيم الوابل الصيب.
إن سوق الأرباح قائمة حتى الشروق، فإذا طلعت الشمس انفضت السوق، وبارت البضائع.
6- قوة الذاكرة والبدن، حيث يؤكد العلماء أن نسبة غاز الأوزون في هذا الوقت تكون عالية ولهذا الغاز تأثير مفيد للجهاز العصبي، ومنشط للذاكرة والجسد.
رابعا: حذرهم من التهاون في صلاة الفجر فقد جعل الله عز وجل الثواب والعقاب أسلوبًا تربويا أصيلا، ومن ثم وجب العمل بهما معًا على قدر الحاجة، وحسب الضوابط الحاكمة لاستخدامها.
ومن وسائل التحذير المفيدة في هذا الشأن:
1- التحذير القرآني، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون:5).
2- الكب على الوجه في نار جهنم، لقوله ﷺ: من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم، لا يطلبنك من ذمته بشيء، فإن من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم رواه أحمد ومسلم والترمذي.
3- تكسر الرأس، فقد ثبت عن البخاري أن النبي ﷺ رأى رؤيا رجلا مستلقيا على قفاه وآخر قائما عليه بصخرة يهوي بها على رأسه فيشدخ رأسه، فيتدحرج الحجر، فإذا ذهب ليأخذه فلا يرجع حتى يعود رأسه كما كان فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى... فسر ذلك بالرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، فالرأس موضع النوم، ومن ثم جعلت عقوبة النائم عن الصلاة في موضع النوم!
4- تكون أذنه كنيف الشيطان، فعن عبد الله بن مسعود قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه...
5- الإصابة بالخبث والكسل، فيصبح النائم عن صلاة الفجر إسفنجي الطباع، إذا وجد خبيثا تشرب خلاله الخبيث وامتلأ به زجاجي القوام إذا مرباية لا يتأثر بها، حجري الإحساس تنهال عليه سياط المواعظ دون أن يشعر بألم. الشيخ خالد أبو شادي: صفقات رابحة، ص ٥٠).
لذا، فقد حذرنا الرسول ﷺ بإخباره لنا أن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدنا إذا هو نائم ثلاث عقد لا تنحل إلا بالقيام والوضوء والصلاة، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان وليس هذا فحسب، بل تعلن فضيحته على الملأ ويصاب بالذلة والهوان، يقول أبو المعتمر سليمان التيمي: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته رواه مسلم وأحمد.
خامسا: صحح النية وجددها، أن تستيقط وتوقظ أولادك، وتطلب من الله تعالى العون، وردد دائما هذا الدعاء، وخاصة قبل النوم: «اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..
سادسا: نم باكرا أنت وأولادك: فكثير من الآباء يبالغ في السهر والسمر، ويشارك أولاده مشاهدة التلفاز والقنوات الفضائية دون ضوابط، ولذلك كان عمر بن الخطاب يقول للساهرين الذين يسمرون: أسمر أول الليل ونوم آخره؟!...
سابعا: علم أولادك آداب النوم والحرص عليها ومن أهم هذه الآداب النوم على وضوء، والمحافظة على أذكار النوم، والاضطجاع على الشق الأيمن ووضع الكف اليمنى تحت الوجه، وقراءة المعوذتين في الكفين، ومسح ما تستطيع أن تمسحه من جسدك.
ثامنا: اجعلهم يستعينون بصحبة الخير وساعدهم أنت أيضا، فليكن لهم إخوة، يمكن أن يستعينوا بهم في أن يوقظوهم لصلاة الفجر وذلك بصحبتهم وحضور مجالسهم ومنتدياتهم.
تاسعا: استعن بالطاعات، فإن الحسنات يذهبن السيئات، ومن نام عقب أداء طاعة أو صلة رحم، أو بر والدين، أو تصدق، وأمر بمعروف ونهى عن منكر كوفئ بأن يكون ممن يشهدون الفجر، لأن حسنة المؤمن تأبى التفرد فتدعو أختها إلى جوارها.
عاشرا: تجنب المعصية، وذلك بتجنب محارم الله تعالى، والإقلاع عن الذنوب والآثام، وذلك بحفظ الجوارح عما لا يحل لها.
وعندما سئل الحسن البصري لم لا نستطيع قيام الليل؟ فقال: قيدتكم خطاياكم ابن رجل الحنبلي: لطائف المعارف.
فمن نام على معصية عوقب بالحرمان من شهود صلاة الفجر لأن من أساء في نهاره عوقب في ليله ومن أساء في ليله عوقب في نهاره.
حادي عشر: عرفهم بثواب الآخرة: لو قيل لك احضر في مكان ما في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وكان الجو شديد البرودة وسوف تتسلم فرصة عمل عظيمة أو مكافأة قيمة.. فماذا تفعل حينها؟ لا شك في أنك ستترقب هذه اللحظة، وستذهب بهمة وعزيمة ولذهبت قبل الموعد وتنظر حضور الدنانير. فبالله عليك أيهما أثمن المكافأة القيمة أم الجنة؟ أمكافأة سرعان ما تنتهي أم نعيم أبدي؟ إنك ربما تلمس الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، إذا قارنت بين توجيهين ربانيين للعباد أولهما قول الله تبارك وتعالى في حث العباد على تحصيل خير الآخرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: 15).
أما التوصية الثانية عندما حث الله عزوجل عباده بتحصيل نعيم الآخرة ورزقها قال: ﴿۞وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران:133).
فتأمل الفرق بين قوله تعالى: فامشوا. عند الحث على تحصيل رزق الدنيا، وبين قوله تعالى: « وسارعوا عند الحث على تحصيل نعيم الآخرة.
فلتحرص أيها الأب الحبيب على تعريف أولادك بثواب الآخرة، واعقد لهم مقارنة بين نعيم الدنيا والآخرة، وليكن لسان حالك قبيل أذان الفجر مع أولادك عندما تصيح الديوك أن تناديهم بنداء الشاعر:
قم بنا يا بني لما نتمنى *** واطرد النوم بالعزيمة عنا
قم فقد صاحت الديوك ونادت *** لا تكون الديوك أطرب منا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل