العنوان في ظلال رمضان: الاعتكاف في العشر الأواخر
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يوليو-1983
مشاهدات 92
نشر في العدد 628
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 05-يوليو-1983
روي في الصحيحين، أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول ثم
اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: «إني أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر فمن أحب
منكم أن يعتكف فليعتكف» فاعتكف الناس معه.
وهذا يدل على أن ذلك كان منه قبل أن يتبين له أنها في العشر
الأواخر، ثم لما تبين له ذلك اعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله عز وجل. [1]
في هذه الأيام يتصل الليل بالنهار بالنسبة للمؤمن القائم لليل
المعتكف في بيوت الله، ففي نهاره معتكف في بيت من بيوت الله، يتدبر و يتفكر و
يحاسب نفسه على ما فرطت في ما مضى، ويتذكر اليوم الآخر، وما فيه من أهوال، وفي
الليل يتلو هذا القرآن العظيم ويقيم لياليه فيه، وبعد ذلك يرجو أن يكون هذا القرآن
الذي يتلوه شفيعا له يوم القيامة، ويتذكر وهو يحس بالتعب من طول القيام، قيام
الناس في اليوم الآخر عراة الأجساد سنين طويلة، كل ينتظر حسابه وينتظر أن توزن
أعماله، فلا يدري أيثقل ميزانه أم يخف أم أنه يستلم كتابه بيمينه أم بشماله أم
وراء ظهره؟ هل يشفع له الرسول صلى الله عليه وسلم أم أنه يفقد الشفاعة من الجميع،
بل تكون جوارحه شاهدة عليه فيتكلم جلده ويداه وقدماه حتى لسانه الذي كان يتكلم به
يكون شاهدا عليه؟! أم تكون هذه الأرض التي يعيش عليها شاهدة له أم عليه ﴿يَوْمَئِذٍ
تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ (الزلزلة:4-5).
وأمام هذه الأسئلة يبقى حائرًا: ماذا عساه أن يكون الجواب،
يتذكر هذا كله في قيامه وفي أثناء تعبه في القيام، فيخف عليه تعبه عندما يتذكر تعب
اليوم الآخر ووقوف الناس وفي أثناء قيامه ينتقل من موقف في الآخرة إلى موقف آخر،
يذوب مع آيات الله، وينسى هذه الدنيا التي يعشق منها، وتحلق روحه عاليا مع السفرة
الكرام البررة، فينظر لأهل النار تارة وإلى أهل الجنة تارة أخرى، وإلى صور الندم
والبكاء وصور الكبرياء في الدنيا والإعراض، وآيات الله ومخلوقاته العظيمة التي
خلقها، يكون مثل الحسن البصري في تألقه واستشعاره مع آيات الله وهو يتلو القرآن.. فعن
صالح بن حسان قال: أمسى الحسن صائمًا، فجئناه بطعام عند إفطاره، قال: فلما قرب
إليه قال عرضت له هذه الآية ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا. وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ
وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ (المزمل:12-13) قال: فقلصت يده عنه. فقال: ارفعوه،
فرفعناه. قال: فأصبح صائمًا فلما أراد أن يفطر ذكر الآية ففعل ذلك أيضا، فلما كان
اليوم الثالث: انطلق ابنه إلى ثابت البناني ويحيى البكّاء وأناس من أصحاب الحسن
فقال: أدركوا أبي فإنه لم يذق طعاما منذ ثلاثة أيام، فلما قربنا إليه ذكر هذه
الآية :﴿إِنَّ لَدَيْنَا
أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾ (المزمل:12) فقرأها قال، فأتوه فلم يزالوا به حتى
أسقوه شربة من سويق»[2].
نحتاج إلى أن نصل إلى بعض من هذا المستوى من الاستشعار والذوبان
في القرآن، ونحن نتلوه، وبعد ذلك نسأل الله أن يكون شفيعا لنا يوم القيامة يقول:
رب حرمته من النوم فشعفه فيّ فيشفع.
_____________
[1]
بقية الإنسان ص ٤٠
[2]
الزهد ٢٨٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل